كنيسة الكرك ليست الأولى.. هل يواجه التعايش الديني في الأردن اختبارًا جديدًا؟

الإثنين 26/أكتوبر/2026 - 11:06 ص
طباعة كنيسة الكرك ليست روبير الفارس
 


لم تكن الرصاصات التي اخترقت أجساد المصلين والمشيعين داخل كنيسة القديس جورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك الأردنية، يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026، مجرد اعتداء إرهابي أودى بحياة تسعة أشخاص، وأصاب عشرات آخرين، بل أعادت إلى الواجهة فصلًا قليل التداول من تاريخ الاعتداءات على المسيحيين ودور عبادتهم في الأردن، وهو تاريخ لا يتفق تمامًا مع الانطباع الشائع بأن الكنائس الأردنية لم تتعرض من قبل لتهديدات إرهابية.
فبينما انشغلت التغطيات الإعلامية بتفاصيل الهجوم، وأعداد الضحايا، وبيانات الإدانة الرسمية والكنسية، يبرز سؤال تاريخي وسياسي بالغ الأهمية: هل شهد الأردن بالفعل أول اعتداء إرهابي على كنيسة في تاريخه الحديث، أم أن هناك محاولات سابقة لاستهداف الكنائس والمقابر المسيحية، لم تحظَ بالاهتمام الكافي، أو غابت عن الذاكرة الإعلامية؟
تكشف مراجعة الوقائع المنشورة وأحكام القضايا الأمنية عن أن حادث كنيسة حمود ليس أول استهداف إرهابي لكنيسة أو لموقع مسيحي في الأردن. فقد شهد عام 2008 محاولات للاعتداء على كنيسة ومقبرة مسيحية في إربد، كما كُشف عن مخطط لتفجير كنيسة كاثوليكية في منطقة ماركا بالعاصمة عمّان، قبل أن تتدخل الأجهزة الأمنية وتحبط تنفيذه.
لكن ما يميز حادث حمود عن تلك الوقائع السابقة هو حجم الخسائر البشرية، وتحول الاستهداف من محاولات اعتداء أو مخططات جرى إحباطها إلى هجوم مسلح مباشر على تجمع مدني داخل كنيسة أثناء مراسم جنازة

 جنازة تتحول إلى مجزرة

وقع الهجوم أثناء تشييع جثمان السيدة مثال الهلسا، المعروفة باسم «أم ليث»، داخل كنيسة القديس جورجيوس في قرية حمود. وبحسب شهادات  بدأ إطلاق النار قرابة الثانية بعد الظهر، بعد دقائق من وصول الجثمان، عندما باغت مسلحون المشيعين الذين تجمعوا للمشاركة في مراسم الوداع.
 حيث قام ثلاثة مسلحين شاركوا في الهجوم، أحدهم ملثم ويحمل بندقية آلية، بينما حمل الآخران مسدسين، وأنهم استخدموا مركبة صغيرة للوصول إلى المكان، وأطلقوا النار بصورة كثيفة على الموجودين عند مدخل الكنيسة. و لم يقتصر الاعتداء على إطلاق الرصاص عشوائيًا، بل تضمن إعادة إطلاق النار على بعض المصابين الذين سقطوا أرضًا. وهي تفاصيل، إذا أثبتتها التحقيقات، تثير تساؤلات جدية حول طبيعة التخطيط للجريمة، ومدى تعمد المهاجمين إيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا.
وكانت مديرية الأمن العام الأردنية قد أعلنت في البداية سقوط سبعة قتلى و34 مصابًا، قبل ارتفاع حصيلة الوفيات إلى تسعة يوم 24 أكتوبر، فيما استمرت عمليات ملاحقة المتورطين حتي تم الإعلان عن القبض عليهم اليوم الاثنين 

ولا تكمن خطورة الهجوم في عدد الضحايا وحده، بل في اختيار المناسبة والمكان؛ فالجنازة بطبيعتها تجمع إنساني يتجاوز الروابط العائلية إلى العلاقات الاجتماعية بين أبناء القرية، واستهدافها يعني الاعتداء على مساحة يفترض أن تكون بعيدة عن الصراعات والعنف.
كما أن اختيار كنيسة خلال جنازة يضاعف الأثر النفسي للجريمة؛ إذ يتحول المكان الذي يلجأ إليه الناس للصلاة والمواساة إلى موقع للموت والخوف، وتصبح مراسم الوداع نفسها مأساة جديدة تستدعي وداعًا آخر.

كنيسة إربد عام 2008.. 

تعود إحدى أهم الوقائع التي سبقت مجزرة حمود إلى عام 2008، عندما شهدت مدينة إربد شمالي الأردن محاولة للاعتداء على كنيسة اللاتين ومقبرة مسيحية باستخدام زجاجات حارقة.
واللافت أن القضية لم تبدأ بنزاع مباشر بين مسلمين ومسيحيين، وإنما ارتبطت، بحسب أوراق الاتهام التي تناولتها الصحافة الأردنية والعربية، بتداول مقطع مصور على الهواتف المحمولة، ادعى المتهمون أنه يظهر طفلًا مسيحيًا يسيء إلى الدين الإسلامي.
تحولت تلك المزاعم إلى مبرر للتحريض على المسيحيين، ثم إلى التخطيط للاعتداء على ممتلكاتهم وأماكن عبادتهم. ووفق لائحة الاتهام، أعد متهمون زجاجات حارقة وألقوا اثنتين منها على كنيسة اللاتين، دون وقوع إصابات أو أضرار تُذكر.
وفي 15 أكتوبر 2009، أصدرت محكمة أمن الدولة الأردنية أحكامًا بحق 12 متهمًا، تراوحت بين 15 و20 عامًا من السجن، بعد إدانتهم بجرائم إرهابية مرتبطة باستخدام مواد حارقة والتآمر لتنفيذ اعتداءات.
وهذه الواقعة بالغة الأهمية لفهم أحد الجوانب التي قد تغيب عن التغطية التقليدية للعنف الطائفي، وهي الدور الذي يمكن أن تلعبه الشائعات الدينية في تحويل مواطنين مسالمين إلى أهداف مشروعة في نظر جماعات متطرفة.
فالمشكلة لم تكن في صحة المقطع المصور أو بطلانه، وإنما في اعتبار جماعة مسلحة أن من حقها معاقبة مجتمع ديني كامل بسبب اتهام منسوب إلى فرد واحد.


مخطط تفجير كنيسة ماركا.. 

تكشف قضية أخرى من عام 2008 عن جانب أشد خطورة، يتعلق بكيفية اختيار الجماعات المتطرفة لأهدافها.
ففي منطقة ماركا شمال شرقي عمّان، خطط ثلاثة أردنيين لتنفيذ هجوم انتحاري بسيارة مفخخة على كنيسة للروم الكاثوليك، بعد أن كان الهدف الأصلي للعملية منشأة تابعة للأجهزة الأمنية الأردنية.
وبحسب لائحة الاتهام التي نشرتها الصحف في 20 أغسطس 2008، فإن المتهمين تراجعوا عن استهداف المنشأة الأمنية بسبب صعوبة اختراق إجراءات الحماية، وقرروا تحويل الهجوم إلى الكنيسة، التي عاينوها وصوروها وحددوا موقع التنفيذ.
وكان الموعد المخطط للعملية 11 مايو 2008، لكن الأجهزة الأمنية ألقت القبض على المتورطين وضبطت السيارة قبل تنفيذ التفجير.
وفي مارس 2009، صدرت أحكام بالسجن لمدة تقارب 22 عامًا بحق المتهمين الثلاثة.
والأهم أن هذه القضية لم ترد في الصحافة وحدها، بل وثّقها أيضًا تقرير وزارة الخارجية الأمريكية عن الإرهاب لعام 2009، الذي أشار صراحة إلى انتقال المخطط من استهداف الشرطة إلى استهداف كنيسة كاثوليكية
وهنا يظهر سؤال يستحق دراسة مستقلة: هل ينظر بعض المتطرفين إلى الكنائس باعتبارها أهدافًا أسهل من المؤسسات الأمنية، أم أن اختيارها يجمع بين الرغبة في إيقاع خسائر بشرية وإحداث صدمة دينية واجتماعية؟
لا تكفي وقائع القضية وحدها للإجابة عن دوافع كل هجوم لاحق، لكنها تكشف بوضوح أن استهداف الكنيسة في ماركا لم يكن مصادفة، بل اختيارًا مقصودًا بعد دراسة هدف آخر.

 الهجوم على فرقة مسيحية لبنانية.. 

لم تقتصر الاعتداءات السابقة على مباني الكنائس
ففي يوليو 2008، تعرضت فرقة موسيقية لبنانية مسيحية لإطلاق نار قرب المدرج الروماني في العاصمة عمّان، بعد انتهاء أحد عروضها.
وأسفر الهجوم عن إصابة ستة أشخاص، بينهم أربعة من أعضاء الفرقة اللبنانية، بينما أطلق المهاجم النار على نفسه وتوفي لاحقًا.
وكشفت التحقيقات اللاحقة وجود ارتباط بين منفذ الاعتداء والمجموعة التي تورطت في محاولة استهداف كنيسة اللاتين والمقبرة المسيحية في إربد.
وتؤكد هذه الواقعة أن دائرة الاستهداف قد تتجاوز أماكن العبادة إلى أشخاص يُنظر إليهم بوصفهم ممثلين لهوية دينية معينة، حتى عندما يمارسون نشاطًا ثقافيًا أو فنيًا لا علاقة له بالشعائر الدينية.

 الكرك 2016 والكرك 2026.. 

تكتسب مجزرة كنيسة حمود دلالة إضافية عند مقارنتها بالهجوم الإرهابي الذي شهدته محافظة الكرك في 18 ديسمبر 2016.
ففي ذلك اليوم، شن مسلحون هجمات على قوات الأمن ومدنيين في مواقع مختلفة، قبل أن يتحصن بعضهم داخل قلعة الكرك التاريخية.
وأسفرت المواجهات عن مقتل عشرة أشخاص من غير المهاجمين، بينهم سبعة من أفراد الأجهزة الأمنية، ومدنيان أردنيان، وسائحة كندية، فضلًا عن مقتل أربعة مسلحين.
لكن من الضروري التمييز بين الحادثتين؛ فهجوم عام 2016 لم يكن اعتداءً على كنيسة أو على المسيحيين بوصفهم جماعة دينية، وإنما عملية إرهابية استهدفت مواقع أمنية ومدنية وسياحية.
أما حادث أكتوبر 2026، فقد وقع داخل محيط كنيسة وأثناء مراسم جنازة مسيحية، بما يمنحه طبيعة مختلفة من حيث هوية المكان والضحايا والسياق الديني، مع بقاء الدوافع التفصيلية والارتباطات التنظيمية رهن نتائج التحقيقات.
وتطرح عودة الإرهاب إلى المحافظة نفسها بعد عقد كامل تساؤلات بشأن استمرارية شبكات التطرف، ومدى نجاح برامج المكافحة الفكرية، وما إذا كانت هناك بيئات محلية تسمح بإعادة إنتاج الأفكار المتشددة، حتى بعد تفكيك خلايا سابقة.
ولا تعني هذه التساؤلات تحميل محافظة الكرك أو سكانها مسؤولية الجريمة؛ فالمحافظة تضم تاريخيًا مجتمعات مسلمة ومسيحية ذات روابط اجتماعية عميقة، كما أن الضحايا أنفسهم من أبناء المجتمع .وهنا لا يمكن لأحد أن يغفل ردة الفعل القوية رسميا وشعبيا الرافضة لجريمة كنيسة حمود والتي تؤكد أن التعايش المشترك في الاردن يتحدي الفكر الإرهابي اولا واخيرا

شارك