افريقيا مركز العنف «عون الكنيسة المتألمة»: 220 مليون مسيحي يواجهون الاضطهاد

الإثنين 02/نوفمبر/2026 - 10:22 ص
طباعة افريقيا  مركز العنف روبير الفارس
 
 

حذّرت مؤسسة «عون  الكنيسة المتألمة» (Aid to the Church in Need) من تصاعد المخاطر التي تهدد الوجود المسيحي في مناطق واسعة من العالم، مؤكدة أن أكثر من 220 مليون مسيحي يواجهون بصورة مباشرة أشكالاً خطيرة من الاضطهاد والعنف بسبب معتقداتهم الدينية، في وقت تتسع فيه دائرة الانتهاكات لتشمل مئات الملايين من المؤمنين الذين يعيشون في بلدان لا تحظى فيها حرية الدين والمعتقد بالحماية الكافية.
وجاءت التحذيرات في تقرير الهيئة الجديد تحت عنوان «مضطهدون ومنسيون؟» (Persecuted and Forgotten)، الذي يرصد أوضاع المسيحيين خلال الفترة من 2024 إلى 2026، ويكشف عن تراجع مقلق في مستوى الحريات الدينية والأمن الشخصي للمجتمعات المسيحية، خصوصاً في مناطق النزاعات والصراعات المسلحة، حيث يتحول الانتماء الديني في كثير من الأحيان إلى سبب للاستهداف والقتل والتهجير.
وبحسب نتائج التقرير، شهدت أوضاع المسيحيين تدهوراً في 55% من الدول الثماني عشرة التي شملتها الدراسة، دون تسجيل تحسن في أي من البلدان التي تناولها البحث. كما أشار إلى أن نحو 413 مليون مسيحي يعيشون في دول تشهد انتهاكات خطيرة لحرية الاعتقاد، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بين الضمانات القانونية المعلنة والواقع الذي تعيشه الأقليات الدينية على الأرض.

 أفريقيا.. مركز الثقل 

وتتصدر أفريقيا جنوب الصحراء قائمة المناطق الأكثر تعرضاً للعنف المرتبط بالجماعات المتطرفة، إذ أظهرت المقارنات التي استند إليها التقرير أن ست دول أفريقية جاءت ضمن البلدان العشرة الأكثر تضرراً من الإرهاب وفق مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2026، وهي بوركينا فاسو والنيجر ونيجيريا ومالي والصومال وجمهورية الكونغو الديمقراطية.
ولا تقتصر خطورة المشهد الأفريقي على عمليات القتل والهجمات المسلحة التي تستهدف القرى والكنائس، بل تمتد إلى موجات النزوح التي تدفع آلاف العائلات إلى مغادرة منازلها ومناطقها الأصلية، مع ما يترتب على ذلك من تفكك المجتمعات المسيحية التاريخية، وإغلاق دور العبادة، وفقدان مقومات الاستقرار والحياة اليومية.
وتبرز نيجيريا باعتبارها أحد أكثر النماذج قسوة، حيث تتداخل هجمات الجماعات المسلحة مع الصراعات المحلية والتوترات العرقية والتنافس على الأراضي والموارد، ما يجعل المجتمعات المسيحية في عدد من المناطق عرضة للقتل والخطف والتهجير. ويحذر التقرير من أن استمرار هذه الأوضاع قد يؤدي إلى تغييرات ديموغرافية دائمة في المناطق التي تتعرض سكانها للنزوح المتكرر.

 الشرق الأوسط.. مستقبل غامض 

وفي الشرق الأوسط، يتوقف التقرير أمام التحديات التي تواجه المسيحيين في سوريا، حيث أدى النزاع الممتد منذ عام 2011 إلى تراجع كبير في أعدادهم، نتيجة القتل والتهجير والهجرة بحثاً عن الأمان والاستقرار. ومع سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، دخلت البلاد مرحلة سياسية جديدة، لكنها لم تبدد مخاوف الأقليات الدينية من مستقبل الأمن والحريات، في ظل استمرار الاضطرابات وتنامي نفوذ التيارات المتشددة.
ومن أبرز الوقائع التي يستشهد بها التقرير التفجير الانتحاري الذي استهدف كنيسة مار إلياس للروم الأرثوذكس في دمشق في يونيو 2025، أثناء وجود المصلين داخل الكنيسة، وأسفر عن مقتل 25 شخصاً وإصابة أكثر من 60 آخرين، في اعتداء أعاد إلى الواجهة المخاطر التي تهدد التجمعات المسيحية ودور العبادة في البلاد.
ويعكس هذا الهجوم، بحسب قراءة التقرير، أن التغيير السياسي وحده لا يكفي لضمان أمن المسيحيين، ما لم تصاحبه مؤسسات قادرة على حماية المواطنين على اختلاف انتماءاتهم، وتوفير ضمانات فعلية لحرية العبادة ومنع استهداف الأقليات.

 الاضطهاد لا يقتصر على الرصاص

ولا يحصر التقرير مفهوم الاضطهاد في الاعتداءات الدموية أو التفجيرات، بل يلفت إلى أنماط أخرى من التضييق، تشمل القيود الحكومية على ممارسة الشعائر، والمراقبة والاعتقالات، والتمييز الاجتماعي، والاستيلاء على الممتلكات، والإجبار على تغيير المعتقد أو مغادرة المناطق التي عاش فيها المسيحيون لأجيال.
كما يرصد تصاعد النزعة القومية الدينية في بعض البلدان الآسيوية، وما يصاحبها من ضغوط على الجماعات المسيحية، فضلاً عن القيود المفروضة على المؤسسات الدينية وأنشطتها في ظل أنظمة سياسية سلطوية.
وفي هذا السياق، تشدد "مارتا بيتروسيلو"، المسؤولة عن التقرير، على أن الأرقام لا تعبر وحدها عن حجم المأساة، فخلف كل إحصاء عائلات فقدت أبناءها أو منازلها، وأشخاص تعرضوا للتمييز والعنف بسبب إيمانهم. وتوضح أن كثيراً ممن التقتهم لم يطلبوا سوى ألا يُنسوا، وأن يصل صوتهم إلى العالم.

وتؤكد بيتروسيلو أن التقرير، الذي تصدره المؤسسة منذ عشرين عاماً، لا يهدف فقط إلى تسجيل الانتهاكات وتحليلها، وإنما إلى كسر دائرة الصمت المحيطة بمعاناة المجتمعات المضطهدة، وتحويل شهادات الضحايا إلى قضية تحظى باهتمام الرأي العام والمؤسسات الدولية.
وتكشف النتائج في مجملها عن أزمة تتجاوز حدود الحوادث الفردية، لتطرح تساؤلات حول مستقبل التعددية الدينية في عدد من المجتمعات، وقدرة المؤسسات الدولية والحكومات على توفير حماية حقيقية للأقليات. فبين العنف المسلح والقيود السياسية والتهجير، لا يواجه ملايين المسيحيين تهديداً لسلامتهم فقط، بل يواجهون أيضاً خطر فقدان جذورهم التاريخية ومجتمعاتهم التي تشكلت عبر قرون.
ويضع التقرير المجتمع الدولي أمام مسؤولية تتجاوز إصدار بيانات الإدانة، لتشمل الضغط من أجل محاسبة المعتدين، وحماية النازحين، وضمان حرية العبادة والمساواة أمام القانون، حتى لا يصبح اختفاء المجتمعات المسيحية من مناطقها التاريخية نتيجة طبيعية للعنف أو التمييز أو تجاهل العالم لمعاناتها.

شارك