البطريرك 111 ديمتريوس الثاني.. نهضة تعليمية كبري

الخميس 29/مارس/2018 - 01:14 م
طباعة البطريرك 111 ديمتريوس
 
بعد وفاة  البابا كيرلس الرابع, أصيب الأقباط بنوع من الذهول والصدمة وعدم التوازن بسبب مفاجأتهم لرحيل البطريرك المصلح  , فأدى إلى أن يظل كرسى الرسول مرقس شاغراً مدة وصلت الي  سنة وأربعة أشهر ونصف .
وأستدرك الأمر الآباء الأساقفة فى مصر وأورشليم ومنفلوط وأستقر رأيهم على ضرورة إختيار الراعى الأول فإستدعوا أراخنة الكنيسة وبدأوا فى النقاش , أتجهت أنظارهم إلى الأنبا يؤانس أسقف المنوفية ( هو القس برسوم ألأنطونى الذى رافق البابا كيرلس الرابع فى رحلته ألاولي  لأثيوبيا وأستجاب الأنبا يؤانس لهذه الدعوة وحضر إلى مصر , وبدأت المداولات وأنتهت المناقشات بإختيار القمص ميخائيل عبد السيد رئيس دير الأنبا مقار الكبير لكرامة رتبة رئاسة الكنيسة القبطية.
وفى يوم 9 بؤونة سنة 1578 ش أصبح القمص المقارى هو البابا المرقسى 111 بعد المائة،وقد وصفه المؤرخين أنه : " شهماً عاقلاً محباً للعلوم فإعتنى بترتيب المدارس وبالغ فى وضعها على النحو الذى نحاه كيرلس.
وقام البابا ديمتريوس الثانى بزيارة حاكم البلاد سعيد باشا الوالى الذى هنأه على رتبته ثم قال له : " لا تفعل مثل سلفك , بل كل ما يلزمك قل لى عليه مباشرة وأنا مستعد لأن أؤديه لك.
وكان أول عمل للبابا ديمتريوس الثانى هو إكمال  بناء الكنيسة المرقسية الكبرى  بالازبكية التى بدأ فى بناءها البابا السابق كيرلس الرابع أبو الإصلاح فأتم بناءها وزخرفها 
وفى 1862 م أى نفس السنة التى رسم فيها البابا المرقسى رأى القنصل الأمريكى البداية النشطة التى أستهل بها للبابا ديمتريوس الثانى عهدة ذهب إلى سعيد باشا وطلب منه أن يمنح الإرسالية الأمريكية منزلاً أو قطعة أرض , لإاهداه سعيد باشا مبنى كبير فى منطقة حيوية فى مصر فى أول شارع الموسكى (الذى كان الشارع الرئيسى فى هذا الوقت ) وبعد عدة سنين بعد آل عرش مصر إلى إسماعيل باشا باعته للبابا ديمتريوس بمبلغ سبعة ألاف جنيه 
وعندما تولى إسماعيل باشا حكم مصر فى 18 يناير سنة 1863 م , كان يأمل النهوض بمصر فإستخدم الرجال الأكفاء سواء أكانوا مسلمين أم أقباطاً , وكان ميالاً للأوربيين والأجانب فأعطاهم سلطات واسعة وأدى تبذيره إلى أن فقد عرشه فى النهاية - إلا أن الشئ الوحيد الذى نهض بمصر هو التعليم الأجنبى الذى نشروه فى مصر بالرغم من أن له عده عيوب منها إنتماء المصرى إلى البلد التى أنشأت المدرسة التى تعلم فيها , كما أن هذا كان ضاراً على الكنيسة القبطية حيث إنضم إليهم الكثير من الأقباط الذين تعلموا فى مدارسهم الأجنبية , وأنتشرت مدارسهم فى المدن والقرى , وطبقاً للتخطيط الأجنبى المدروس المتبع فى بلادهم أنهم كانوا يبدأون دائما بإفتتاح مدرسة فى بقعة مختارة يأملون أن تنجح فى جذب عدد كبير من التلاميذ , وطبيعى إنشاء مدرسة فى مكان كان يتطلع إليه أبصار الساكنين حوله وتتناقل أخباره الألسن وهكذا نزل الغربيين إلى مستوى العامة فى مصر ونجحوا بعد أكثر من قرن من الزمان بعد أن فشلوا عدة مرات , وكان أسماعيل هدفه نشر التعليم فى مصر فى جميع المستويات , فوجد المصريون مدرية فيها المعلمون (أو المعلمات ) الأجانب الذين تركوا الأهل والوطن وجاءوا خصيصاً لخدمتهم , أما المصريون فيجدوا كل شئ جاهزاً فى هذه المدارس من كتب ووسائل إيضاح تبرهم فيزداد تقديرهم لأولئك المرسلين، وكانت هذه المدارس مدعمة من الخارج فكان فقراء المصريين يمكنهم أن ينالوا العطف بتخفيف المصروفات عليهم حسب قدرتهم المادية , أو حتى يأخذوا أطفالهم بالمجان ( وهذا الأسلوب متبع أيضاً فى البلاد التى نشأت فيه هذه المدارس فالكاثوليك فى مدن الغرب اليوم يتبعون هذه الطريقة حتى هذا اليوم ) .
وبدأت هذه المدارس تتغلغل فى نفسية المصريين , وحل الأمان محل الخوف من الغريب , بعد أن رأوا تقدم أولادهم فى العلم والأخلاق والعادات التى دخلت إليهم عن طريق الغرب وتقول المؤرخة أيريس حبيب المصرى  معلقة على رؤية هذه المدارس فى عيون المصريين : " وبكل هذه الوسائل المثلى تصبح المدرسة الأحنبية فى أعين المصريين أشبه بالواحة المثمرة وسط الصحراء القاحلة , واخذت هذه المدارس الفرنسية والإيطالية الكاثوليكية والإنجليزية والأمريكية البروتستاتينة تنتشر فى أنحاء مصر وخاصة الصعيد.
ومنح إسماعيل باشا الأقباط بعض الأراضى الزراعية ثم أصدر أمره إلى وزارة المعارف العمومية - بإجراء إمتحان تلاميذ المدارس القبطية بعد إمتحان تلاميذ المدارس الأميرية .وكان من المعتاد أن يقام إحتفال عظيم يدعى إليه علماء الأزهر والأمراء وكبار القوم يتقدمهم مفتى الديار المصرية نفسه .ولما تفشى أمر الإرساليات الأجنبية وأضعفت الروح الوطنية فى مصر , وأدى إنتماؤهم إلى الخارج أصغى أخيرا عباس باشا إلى البابا ديمتريوس فقام البابا برحله راعوية ليهيب بشعبه أن يتمسك بعقيدته الرثوذكسية التى تسلمها من ألاباء وقام إسماعيل باشا بتهيئة باخرة حكومية ليسافر عليها البابا المرقسى ورجاله , وإستقلها البابا وأستصحب معه اللاهوتى الشهير الإيغومانس فيلوثيؤوس عوض خادم الكنيسة المرقسية بالأزبكية وعدداً من ألاباء والشمامسة , وحينما تهادت الباخرة كان البابا ومن معه يتنقلون بين مدن الصعيد وقراها حتى وصلوا إلى آخر حدود مصر الجنوبية , وأستغرقت رحلتهم ثلاثة شهوراً , وقد أمتلأت كتب المرسلين الأجانب أنفسهم تصف جهود البابا العظيم ديمتريوس الثانى وأدى إلى تجميد نشاطهم فى وادى النيل كله وهرع شعب الكنيسة كله لأستقبال أب الاباء البابا ديمتريوس الثانى وتكتل بأجمعه لمواجهة الوافدين من الغرب.
وأرسل إسماعيل باشا دعوة إلى السلطان التركي عبد العزيز لزيارة مصر وفى هذه الزيارة أنعم عليه بلقب خديوى , وحدث أن دعا الخديوى إسماعيل كبار وأغنياء مصر لتحية الضيف الكبير سلطان الأستانة وكان التقليد السلطانى أن أى إنسان يمثل بين يديه عليه أن يقبل هدب ثوبه , وعندما ذهب البابا المرقسى الأنبا ديمتريوس إلى السلطان ولما وصل إلى إلى حيث يجلس السلطان عبد العزيز قبل صدره من ناحية القلب , فأصيب الحاضرون من هذا المسلك الغير متبع فى إستقبال السلطان وسأل السلطان لماذا فعل البطريرك هذا ؟  وكان القمص سلامة وكيل البطريركية فى صحبة البابا فى هذه الزيارة وكان يتكلم باللغة التركية  فترجم ما قاله البابا مجيباً على إستفهام السلطان فقال : " فى كتابنا المقدس آية تقول أن قلب الملك فى يد الرب فأنا بتقبيلى صدركم إنما قبلت يد ملك الملوك وسلطان السلاطين " , فسعد وإبتهج وأبتسم سروراً , ولما رأى الخديوى رضى السلطان من هذا التصرف المحب من أحد رعاياه منح الخديوى إسماعيل بطريركية الأقباط 1500 فدان من أملاك الحكومة للصرف منها على المدارس القبطية وغيرها من المرافق القبطية هذا بخلاف العطاءات التى كانت يده الكريمة تمتد بها إليهم من وقت لآخر 
هذا وقد وصل عدد المدارس القبطية فى عصر البابا ديمتريوس إلى 12 مدرسة بالقاهرة وواحدة بمصر عتيقة وواحدة بالجيزة ومدرستان بالأسكندرية (بنين وبنات) .
وقد كانت اللغة القبطية من اللغات الأساسية التى تدرس فى هذه المدرسة مع اللغة العربية بالإضافة إلى اللغات الفرنسية أوالإنجليزية أو الإيطالية - كما كانت تدرس الألحان الكنسية مع الموسيقى , ومن المواد الأخرى الهندسة والتاريخ والجغرافيا ومبادئ المنطق .. وغيرها .
وقد شهد أحد المؤرخين عن إنتظام مدارس الأقباط وتفوقها على مدارس الإرساليات الأجنبية التى نشرها الأمريكان فيقول : " وكانت مدرستهم الكبرى للصبيان ( الأولاد) بمصر فى بادئ المر فى يد أقباط أعتنقوا البروتستانتينية , ولم يكونوا يحسنوا الإدراة ولا التعليم , فكانا كلاهما مختلاً , بخلاف مدرستى البنات فى حارة السقايين والأزبكية (للأقباط) فإنهما كانتا خيرة معاهد ذلك العصر "
وقام البابا ديمتريوس الثانى ببناء المقر الباباوى لسكنى البطاركة إلى جوار الكنيسة المرقسية من ناحيتها الغربية, ولما أنتهى من بناء المقر الباباوى أكمل الأبنية التى كان بدأ فى بنائها فى عزبة دير الانبا  مكارى الكبير أيام وكانت توقفت لفترة بعد رسامته بطريركاً . 
ولم يستمر البابا ديمتريوس فى رئاسة الكنيسة القبطية غير غير سبعة سنوات وسبعة شهور وثلاثة أيام وتوفي  فى ليلة الغطاس 11 طوبة سنة 1586 ش وقد أشتركت الحكومة المصرية ورؤساء الطوائف المسيحية مع الاقباط فى إحتفالهم بجنازته .

شارك