ورثة السكاكين ومحاكم الغيب: قراءة في رجم مراد وهبة

الأحد 11/يناير/2026 - 02:58 ص
طباعة
 
يواجه الفكر العقلاني في عالمنا العربي المعاصر نوعين من "المحاكم التفتيشية"، كلاهما يشترك في غاية واحدة وهي اغتيال "النسبية" لصالح "المطلق"، والابتعاد عن جوهر الحوار المعرفي للوصول إلى روح التصفية المعنوية. يتجلى المشهد الأول في تلك "المحاكمة الغيبية" الصادمة التي جسدتها صورة متداولة لأسماء نسوية ووجوه فكرية (صافيناز كاظم، نوارة نجم، يمنى الخولي) تحت مانشيت يوزع مقاعد الجنة والنار بجسارة غريبة؛ وكأن مفاتيح الملكوت قد أصبحت أدوات في صراع أيديولوجي أرضي. هذا المشهد لا يمثل مجرد رأي عابر، بل هو إعلان عن حالة من "الوصاية الأخروية" التي تحاول إعدام تاريخ فيلسوف لم يرتكب جرماً سوى أنه رفض الركوع أمام أصنام اليقين الجاهز.
أما المشهد الثاني، فيأتي تحت غطاء "النقد الأكاديمي" المزعوم، ويمثله منشور الدكتور كمال حبيب الذي يحاول "أدلجة" العداء الشخصي والتاريخي لمراد وهبة عبر لبوس معرفي واهن. يحاول حبيب في سياقه النيل من القيمة العلمية لفيلسوف عاش مئة عام يفكك بنية العقل الأصولي، مستخدماً لغة تتراوح بين السخرية والاتهام بالضحالة، في محاولة بائسة لتقزيم مشروع "الرشدية العربية" ونزع صفة التنوير عنه. وبين هوس الغيب عند الفريق الأول، وتهافت الأدلجة عند الفريق الثاني، تبرز الحاجة الملحة لإعادة قراءة المواجهة من منظور "الممارسة والواقع"، وهو ما يتجلى في شهادة الدكتور عبد الرحيم علي التي تنقل المعركة من ردهات التنظير البارد إلى أرض الواقع المشتعلة بالتهديد والمخاطرة.

أولاً: صكوك الغفران وبؤس الخيال
يمثل تحويل الصراع الفكري مع مراد وهبة إلى "حكم أخروي" قمة الإفلاس المعرفي والانسحاب الأخلاقي من ميدان الحوار. فعندما تعجز الأدوات البشرية المتمثلة في المنطق والدليل عن دحض أطروحات "وهبة" حول العلمانية والنسبية، يلجأ الخصوم إلى استدعاء "السلطة الإلهية" كأداة قمع نهائية لتصفية الحسابات. هذا الاستدعاء للغيب ليس دفاعاً عن الدين، بقدر ما هو "هروب ذعر" من مواجهة الأفكار؛ فمن لا يملك الحجة ليرد بها على الفيلسوف في حياته، يستعير يد الله ليعاقبه بعد موته، محاولاً إغلاق ملفات النقاش الدنيوي بكلمة "كفر" أو "نار".
هذه الصورة المتداولة ليست مجرد تعبير عن رأي عابر، بل هي تمثيل حي لظاهرة "تأليه الذات" التي تتفشى في العقل الجمعي لمدعي الوصاية. إن هؤلاء الذين يجزمون بمصائر الناس في الآخرة يمارسون نوعاً من "الاستعلاء الإيماني" الذي يتجاوز حدود البشرية؛ حيث يتخيل الواحد منهم أنه يملك حق التوقيع نيابة عن الخالق، ويتحول من "عبد" يرجو الرحمة لنفسه إلى "بواب" يوزع تأشيرات الدخول إلى الجنة. إنها حالة من تضخم "الأنا" التي تجعل المثقف أو الناشط يظن أن كراهيته لشخص ما هي بالضرورة كراهية إلهية، وأن موقفه السياسي أو الأيديولوجي هو إرادة مقدسة.
إن "المحاكمة الغيبية" التي نصبتها هؤلاء النسوة، ومن خلفهن المهللون، تعكس بؤساً في الخيال وضيقاً في الأفق الإنساني. فبدلاً من مناقشة "مراد وهبة" في مفهوم "المفارقة" أو "الرشدية"، اختاروا الاختباء خلف أسوار الغيب، حيث لا يمكن لأحد أن يجادلهم. هذا السلوك يعكس رعباً دفيناً من العقل العاري؛ فالفكر لا يُقتل إلا بفكر أعمق منه، أما الرجم بالغيبيات فهو سلاح العاجز الذي يدرك في قرارة نفسه أن أفكار وهبة -رغم رحيله- لا تزال تمتلك القدرة على خلخلة يقينهم الجامد، فاستعجلوا "إعدامه معنوياً" بمقصلة صكوك الغفران.

ثانياً: تهافت النقد "الأصولي" لكمال حبيب
يطل كمال حبيب في منشوره محاولاً إسباغ صبغة "رصينة" على الهجوم الغوغائي، عبر الالتفاف حول المصطلحات واتهام مراد وهبة بـ "ضحالة اللغة" و"الهبد التاريخي". والحقيقة الصارخة أن حبيب لا يمارس نقداً أدبياً أو لغوياً، بل يقيم "محاكمة مرجعيات"؛ فهو يضيق ذرعاً بلغة وهبة لأنها لغة "التجريد الفلسفي" التي لا تخضع لزخرف الوعظ ولا تلتزم بقواميس النقل الجامد. إن وصف وهبة بـ "الضآلة" ليس إلا محاولة للتقليل من شأن مفكر قضى قرناً في تفكيك بنية العقل العربي، وهي محاولة تهدف إلى صرف الأنظار عن "جوهر الأفكار" عبر الهجوم على "شكل التعبير"، في استراتيجية بائسة لإسقاط هيبة الخصم الفكري أمام القراء.
أما فيما يخص تهمة "تأليه العقل" التي ساقها حبيب كخطيئة كبرى، فإنها تمثل قمة التناقض المنهجي. يعيب حبيب على وهبة تقديسه للعقل واعتباره مرجعاً وحيداً، متناسياً أن "العقلانية" التي يهاجمها هي الأداة الوحيدة التي تضمن للبشرية سياجاً ضد الانزلاق نحو مستنقعات "التكفير" والعنف التي عاش فيها حبيب نفسه سابقاً. إن الهجوم على "سيادة العقل" هو في جوهره دعوة للعودة إلى "سيادة النص الظني" الذي يتم تأويله وفقاً لأهواء الجماعات. مراد وهبة لم يله العقل، بل حرره من الأغلال، بينما يحاول حبيب إعادة الإنسان إلى منطقة "التيه" التي يدعيها على وهبة، وهي منطقة إلغاء السؤال الفلسفي لصالح الإجابة المعلبة واليقين المفروض بقوة الجماعة لا بقوة البرهان.
وفيما يتعلق بالرشدية والتحليل السوسيولوجي، يتبدى هروب حبيب من المواجهة التاريخية في وصفه لربط وهبة بين ابن تيمية والأصولية المعاصرة بـ "الهبد". هذا الوصف هو إنكار لحقيقة تاريخية أثبتتها الوقائع؛ فابن تيمية يمثل الجذر المعرفي والأب الروحي لكل حركات الإسلام السياسي التي أرهقت كاهل الوطن. ما قدمه مراد وهبة لم يكن "هبداً" صحفياً، بل كان تشريحاً فلسفياً وسوسيولوجياً دقيقاً لـ "ورم الأصولية" الذي يتغذى على رفض إعمال العقل في النص. إن حبيب، برفضه هذا الربط، يحاول حماية "الصنم الفكري" الذي تستند إليه أدبيات الجماعات، مغلفاً دفاعه عن المنظومة الأصولية بهجوم شخصي على وهبة، ليهرب من حقيقة أن تشخيص وهبة كان هو الجرح الذي لا يزال ينزف في وجدان كل من يرى في "النقل" قيداً على "المستقبل".

ثالثاً: عبد الرحيم علي.. شهادة من أرض المعركة
بينما ينشغل خصوم "وهبة" بتقاسم مفاتيح ملكوت السماء وتوزيع صكوك الغفران والحرمان، تأتي شهادة الدكتور عبد الرحيم علي لتعيدنا بقوة إلى "أرض الواقع" حيث تُختبر الأفكار بالدماء والدموع لا بالكلمات المريحة. إن استعادة الدكتور علي لذكريات صدور كتابه "المخاطرة"، وما تلاه من ملاحقات أمنية وتكفيرية، تكشف زيف التباكي على "التنوير" من قبل منتقديه الذين يظنون أن الثقافة هي ترف فكري أو لغوي. لقد كان عبد الرحيم علي ومراد وهبة، كلٌّ من موقعه، في خندق واحد لمواجهة "جرثومة التخلف"؛ الأول بالتوثيق الميداني والاشتباك مع صفقات جماعات العنف، والثاني بالتأسيس الفلسفي الذي ينزع الشرعية عن العقل الأصولي الجامد.
في هذا السياق، تكتسب عبارة "المخاطرة كفعل بشري" التي صاغها الدكتور علي -بالتعاون مع ناشره الشجاع محمد هاشم- دلالة فلسفية عميقة ترد ضمناً على خمول "المطلق" الذي يتلحف به كمال حبيب وأتباعه. فبينما يهرب الأصولي إلى "القدر المحتوم" و"اليقين الجاهز" ليعفي نفسه من عناء التفكير والمسؤولية، يختار التنويري "المخاطرة" الواعية التي تعرف حجم الضريبة وتدفعها. إن استحضار أسماء مثل محمد هاشم ومشرف أبو حشيش في مقال عبد الرحيم علي هو تذكير بأن التنوير في مصر لم يكن نزهة أكاديمية، بل كان معركة وجودية ضد تحالفات مشبوهة أرادت تسليم عقل الوطن ووجدان أبنائه لقوى الظلام تحت مسمى "الصفقات".
لذا، يصبح ادعاء كمال حبيب بأن تنوير وهبة كان "زائفاً" هو محض افتراء تاريخي يدحضه الواقع. فالتنوير الزائف هو الذي يداهن السلطة أو يغازل الغوغاء ليربح السلامة، أما تنوير مراد وهبة وعبد الرحيم علي ورفاقهما فقد كان "تنويراً مدفوع الثمن" بالكامل؛ ثمنه التهديد بالتصفية، والمصادرة، وحرق السيارات، والنفي المعنوي والمادي. إن الفرق بين "الهبد" الذي ادعاه حبيب وبين "الواقع" الذي وثقه عبد الرحيم علي هو الفرق بين من ينظر للمعارك من شرفات التوبة المتأخرة، وبين من خاض غمارها حين كان الرصاص هو اللغة الوحيدة التي يفهمها خصوم العقل.

الخلاصة
 إن اجتماع "الجهادي التائب" مع "المثقفة الصدامية" على نهش سيرة مراد وهبة يثبت شيئاً واحداً: أن العقلانية لا تزال هي العدو الأول لكل من يقتات على "اليقين المطلق". مراد وهبة عاش مئة عام يرفض أن ينحني للمقدس البشري، ورحل تاركاً خلفه تركة لن تحرقها صكوك غفران صافيناز كاظم، ولن يطمسها نقد كمال حبيب المتهافت.
أمام هذا الضجيج، تبقى كلمات عبد الرحيم علي وذكرياته في "ميريت" هي الوثيقة الحقيقية لزمن كان فيه الدفاع عن العقل هو "المخاطرة" الأسمى.

شارك