الاعتداء على المساجد وطلاب العلم يكشف مشروع الحوثي لطمس الهوية الدينية في اليمن
السبت 25/أكتوبر/2025 - 01:14 م
طباعة
فاطمة عبدالغني
تعيش المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي حالة تصعيد غير مسبوقة ضد المساجد والمراكز الدينية السنية، في سياق حملة ممنهجة تستهدف الهوية الدينية لليمن ومبادئ التعايش التي طالما ميّزت المجتمع اليمني.
وفي أحدث حلقة من هذا التصعيد، احتجزت مليشيا الحوثي الإرهابية، الخميس، عشرات طلاب مركز سعوان السلفي وعائلاتهم في مدينة يريم بمحافظة إب، أثناء توجههم إلى العاصمة المؤقتة عدن، في خطوة تؤكد اتساع دائرة الاستهداف الحوثي لطلاب العلم والمؤسسات الشرعية خارج نطاق الفكر الطائفي للجماعة.
ووفقاً لمصادر محلية، قامت عناصر الأمن والمخابرات الحوثية بإيقاف عدة حافلات تقل الطلبة وأسرهم، واعتقلت جميع الركاب دون أي مسوغ قانوني، ومن بين المحتجزين الشيخ عبدالباسط الريدي وعدد من طلبة العلم، ممن سبق تهجيرهم قسرياً من منازلهم في حي سعوان بصنعاء بعد حملة مماثلة على المركز هناك.
ويأتي هذا التطور بعد اقتحام مسجد ومركز سعوان السلفي وطرد الطلاب والمدرّسين منه وتعيين مشرفين حوثيين لإدارته، في تكرار لنفس الأسلوب المستخدم لإعادة تشكيل الحقل الديني قسراً تحت وصاية فكرية طائفية.
ولم يتوقف الاستهداف عند صنعاء وإب، إذ أقدمت مليشيا الحوثي الأسبوع الماضي على اقتحام مسجد آخر في منطقة معبر بمحافظة ذمار، ضمن حملة متواصلة لإخضاع المؤسسات الدينية والمراكز الشرعية لسلطة الجماعة وتغيير هويتها العقائدية، وأكدت مصادر حقوقية أن هذه الإجراءات ليست حالات منفصلة، بل جزء من سياسة ممنهجة تهدف لفرض هيمنة فكرية مطلقة ومحاصرة أي نشاط ديني لا يخضع لمرجعية الجماعة.
وفي هذا السياق، استنكرت هيئة علماء اليمن الجريمة الشنعاء التي ارتكبتها مليشيا الحوثي بحق الشيخ الريدي وطلابه، معتبرة التهجير القسري الأخير حلقة جديدة في سلسلة الإقصاء الطائفي الممارس بحق العلماء والدعاة وطلاب العلم.
وحذرت الهيئة من أن هذه الحملة تمثل انتهاكاً صارخاً لحرمة المساجد، وتشويهاً لمعانيها الروحية والتعليمية بتحويلها إلى منصات تعبئة مذهبية وثكنات للتحشيد العقائدي.
وأوضحت الهيئة أن هذه الممارسات تعبّر عن توجه خطير يسعى إلى تفريغ المجتمع من علمائه ومؤسساته الشرعية، وطمس العقيدة الوسطية، وإحلال فكر دخيل قائم على الاصطفاء والهيمنة الطائفية.
كما حمّلت المليشيا المسؤولية الكاملة عن تداعيات هذا السلوك الذي يهدد السلم الأهلي ويقوّض أسس التماسك الاجتماعي، مطالبة بإعادة الطلاب والعلماء إلى مساجدهم ومساكنهم وتعويضهم، مع ضمان حريتهم في التعليم والدعوة.
من جهتها، وثّقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات عمليات اقتحام متكررة بحق دور الحديث في سعوان واقتحام أكثر من 100 مسجد تابعين للشيخ السلفي محمد الإمام بمحافظة ذمار، وأكدت الشبكة ان هذا العمل الاجرامي يأتي امتداداً لطائفيتها وعدم مراعاتها لمبادئ التعايش والتسامح في مجتمع يمني متعدد المذاهب.
ولفتت الشبكة إلى أن هذه العمليات توضح استمرار الميليشيا الحوثية في انتهاكاتها ضد الشعب اليمني تنفيذاً لأجندتها الطائفية المتطرفة التي لا تقبل وجود غيرها في اليمن، وتعكس تبني الميليشيا الحوثية نهج التنظيمات الإرهابية باستهداف وانتهاك المؤسسات الدينية.
ودعت الشبكة مليشيات الحوثي إلى احترام الحق في حرية التدين والمعتقد والمذهب لجميع اليمنيين في كافة المناطق الخاضعة لسيطرتها، والتخلي كليا عن فكرة التمايز والأفضلية والاصطفاء التي تدعيها على أساس ديني وطائفي، ومعاملة جميع اليمنيين علـى قـدم المساواة.
كما دعت المجتمع الدولية الى وضع حدًا فوريًا للمليشيات الحوثية لجميع أشكال التمييز والاضطهاد بحق جماعة السنة في اليمن وكلّ من يتعرّض للاستهداف لمجرد الممارسة السلمية للحق في حرية الدين والمعتقد.
ويرى المراقبون أن ما تقوم به مليشيا الحوثي ضد المراكز الدينية السنية وطلاب العلم لا يندرج ضمن نطاق الإجراءات الأمنية أو التنظيمية، بل يمثل مشروعاً تغييرياً خطيراً يستهدف بنية الهوية الدينية في اليمن ويفرض واقعاً طائفياً بالقوة، ويشير المراقبون إلى أن تكرار الاقتحامات والتهجير والحملات الاعتقالية خلال الفترة الأخيرة يكشف عن نية واضحة لتصفية كل المدارس السنية التقليدية، وإحلال نمط عقائدي أحادي يتصادم مع طبيعة المجتمع اليمني المتسامح والمتعدد مذهبياً.
كما يؤكد المراقبون أن هذه السياسة تشبه في جوهرها ممارسات التنظيمات المتطرفة التي بدأت من استهداف العلماء والمساجد قبل الانتقال إلى فرض وصاية عقائدية شمولية على المجتمع، ما يجعل الخطر الحالي ليس دينياً فحسب، بل مجتمعياً ووحدوياً يمس مستقبل التعايش الوطني.
ويخلص المراقبون إلى أن استمرار صمت المجتمع الدولي والمنظمات الأممية إزاء هذا النوع من الانتهاكات يمنح الحوثيين مساحة إضافية لتعميق مشروعهم الطائفي وتحويل المساجد من بيوت للعبادة والعلم إلى أدوات تعبئة وصراع فكري، وهو ما ينذر بانزلاق اليمن نحو مزيد من الانقسام الثقافي والمذهبي على المدى القريب والبعيد.
