رئيسة أساقفة السويد السابقة تحذر العالم بات مهددًا بثقافة الانغلاق والخوف من الآخر

الإثنين 27/أكتوبر/2025 - 10:06 ص
طباعة رئيسة أساقفة السويد روبير الفارس
 
شهد اليوم الثاني من فعاليات المؤتمر العالمي السادس للجنة الإيمان والنظام التابعة لمجلس الكنائس العالمي، المنعقد في مركز لوجوس البابوي بوادي النطرون، بمناسبة مرور 17 قرنا علي مجمع نيقية لحظة لاهوتية مؤثرة عندما ألقت الدكتورة أنتيه جاكلين، رئيسة أساقفة السويد السابقة، كلمةً حملت في مضمونها صرخة روحية وفكرية تجاه ما يعيشه العالم المعاصر من اضطرابات فكرية وأخلاقية وروحية.

تُعد أنتيه جاكلين من أبرز الشخصيات الكنسية واللاهوتية في أوروبا المعاصرة، وهي أول امرأة تتولى منصب رئيس أساقفة في كنيسة السويد اللوثرية (2014 – 2022). عُرفت بإسهاماتها العميقة في الحوار المسكوني بين الكنائس، ودفاعها عن حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، إلى جانب اهتمامها بالفكر البيئي والإيمان العملي الذي يتجلى في خدمة المجتمع. وقد درست اللاهوت في جامعة أوبسالا، وتولّت عدة مناصب رعوية وتعليمية قبل انتخابها رئيسةً للأساقفة، حيث اكتسبت احترامًا واسعًا في الأوساط الكنسية العالمية.

في كلمتها خلال الجلسة الصباحية للمؤتمر، قدّمت جاكلين قراءة نقدية للواقع الراهن، داعيةً الكنائس إلى اليقظة الروحية والفكرية أمام ما سمّته «السموم الخمس» التي تفتك بمجتمعات اليوم: الاستقطاب، الشعبوية، الحمائية، ما بعد الحقيقة، والسلطوية الذكورية. وأوضحت أن هذه الظواهر ليست مجرد تحديات اجتماعية أو سياسية، بل علامات روحية تستدعي من الكنيسة تفسيرها على ضوء الإيمان، لأن الإيمان الأصيل لا يمكن أن ينفصل عن رسالة العدالة والكرامة الإنسانية.

وحذّرت جاكلين من أن العالم المعاصر بات مهددًا بثقافة الانغلاق والخوف من الآخر، مؤكدة أن الكنيسة مدعوة لتكون صوت الضمير في مواجهة الانقسام والظلم. وأشارت إلى أن ما بعد الحقيقة، أي التلاعب بالوقائع لحساب المصلحة، يشكّل خطرًا روحيًا لا يقل عن أي شكل من أشكال الإلحاد، لأنه يُضعف ثقة الإنسان في الحقيقة نفسها.

وفي محور حديثها عن السلطوية الذكورية، أكدت جاكلين أن كثيرًا من الهياكل الكنسية لا تزال تُدار بعقلية تهمّش النساء والشباب، داعية إلى تجديد روح القيادة في الكنيسة على أساس المشاركة المتبادلة والاحترام الكامل للمواهب النسائية. ورأت أن الوحدة الكنسية الحقيقية تبدأ حين تعترف الكنيسة بكرامة كل إنسان، وتُعيد بناء علاقاتها الداخلية والخارجية على مبدأ المساواة والمحبة الفاعلة.

كلمة جاكلين لاقت تفاعلًا واسعًا بين المشاركين في المؤتمر، إذ رآها عدد من اللاهوتيين الحاضرين بمثابة نداء تنبيهي موجّه إلى الكنيسة العالمية كي تعي مسؤوليتها التاريخية في زمن تتسارع فيه الأزمات البيئية والسياسية والأخلاقية. وقد ربطت جاكلين بين رسالة الإيمان ووظيفة الكنيسة في المجتمع، مؤكدة أن المسيحية ليست مجرد منظومة عقائدية بل هي التزام بتحقيق العدالة وخدمة الإنسان في الواقع المعاش.

أثارت كلماتها أيضًا حوارًا مفتوحًا حول علاقة الإيمان بالفعل الاجتماعي، حيث دعا بعض المتحدثين إلى تحويل تحذيراتها إلى برامج عمل في الكنائس المحلية والعالمية، تستجيب للتحديات الخمس التي أشارت إليها. فبالنسبة إلى الاستقطاب، طُرحت فكرة تعزيز برامج الحوار بين المذاهب والثقافات، بينما دعا آخرون إلى دور أكبر للمؤسسات الكنسية في التصدي لخطاب الكراهية والعزلة القومية التي تعيق التواصل الإنساني.

ومن خلال تعبيرها «انتبه جاكلين»، أرادت الدكتورة أنتيه أن توجه رسالة إلى ذاتها أولًا، وإلى الكنيسة العالمية ثانيًا، بأن الإيمان لا يحيا في العزلة، بل يُختبر في مواجهة أزمات العالم بصدق ومسؤولية. فالإيمان الذي لا يصغي إلى أنين المتألمين، كما قالت، هو إيمان فقد بوصلته.

اختُتمت الجلسة بتصفيق طويل عبّر عن تقدير المشاركين لجرأتها الفكرية وعمقها الروحي، فيما وصفها بعض الحضور بأنها أعادت إلى الأذهان تقليد الأنبياء الذين نطقوا بالحق في وجه اللامبالاة. وهكذا أصبحت كلمتها «انتبه جاكلين» إحدى العلامات الفارقة في أعمال المؤتمر، بما حملته من يقظة ضمير كنسي ورسالة إصلاح روحي تعيد إلى الإيمان المسيحي بعده الحيّ والفاعل في عالم متغيّر.

شارك