واشنطن تلوح بالقوة ونيجيريا ترد بالسيادة.. أزمة دبلوماسية تكشف حساسية الحرب على الإرهاب في غرب إفريقيا

الإثنين 03/نوفمبر/2025 - 09:56 ص
طباعة واشنطن تلوح بالقوة محمود البتاكوشي
 
تدخل العلاقات الأمريكية النيجيرية منعطفًا حرجًا بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي هدد فيها باستخدام القوة العسكرية ضد نيجيريا، بذريعة "حماية المسيحيين" من أعمال العنف في البلاد، التصريحات التي وصفت في أبوجا بـ"غير المبررة" أثارت رد فعل فوري من الرئاسة النيجيرية التي أعلنت ترحيبها بالتعاون الأمني مع واشنطن بشرط واحد واضح: احترام وحدة أراضي البلاد وسيادتها الوطنية.

المتحدث باسم الرئاسة، دانيال بوالا، أكد أن نيجيريا منفتحة على أي دعم دولي في محاربة الإرهاب، لكنها ترفض أي تدخل خارجي يتجاوز الأطر السيادية، وجاء تصريحه ردًا على تهديد ترامب الذي قال في منشور على منصته "تروث سوشيال" إن واشنطن قد "تتدخل عسكريًا للقضاء على الإرهابيين" في نيجيريا، متهمًا الحكومة هناك بـ"السماح بقتل المسيحيين".

أزمة دينية أم توظيف سياسي؟

يثير الموقف الأمريكي حساسية كبيرة في بلد منقسم دينيًا بين شمال مسلم وجنوب مسيحي، فنيجيريا، أكبر دول إفريقيا من حيث عدد السكان، تواجه منذ أكثر من 15 عامًا تمردًا دمويًا في الشمال الشرقي تقوده جماعة بوكو حرام وتنظيم ولاية غرب إفريقيا الموالي لداعش، ما أسفر عن مقتل أكثر من 40 ألف شخص وتشريد الملايين.
غير أن الصراع لم يكن ذا طابع ديني محض، إذ استهدفت الجماعات المتطرفة مسلمين ومسيحيين على حد سواء، بينما أضافت عصابات "قطاع الطرق" في الشمال الغربي بعدًا جديدًا للفوضى عبر القتل والخطف والابتزاز.
تصريحات ترامب، التي تركز على البعد الديني، تعيد إلى الواجهة الخطاب الأمريكي القديم حول "حماية الأقليات الدينية"، وهو خطاب غالبًا ما يستخدم كأداة ضغط سياسي، خاصة في مناطق النفوذ المتنازع عليها. 
ويرى مراقبون أن ترامب يسعى لاستثمار ملف نيجيريا في سياق انتخابي داخلي بالولايات المتحدة، خصوصًا وسط جمهوره الإنجيلي المحافظ.

بين السيادة والشراكة الأمنية

تخشى نيجيريا من أن تتحول المساعدات الأمنية الأمريكية إلى ذريعة لفرض وصاية سياسية على قرارها السيادي، فقد أظهرت تجارب سابقة في دول إفريقية أخرى أن "محاربة الإرهاب" قد تستغل لتوسيع النفوذ الأمريكي، كما حدث في الساحل الإفريقي والصومال.
ورغم التعاون القائم بين البلدين، خصوصًا في مجال تدريب القوات الخاصة ومراقبة الحدود، فإن أبوجا تحرص على رسم خط واضح بين "الدعم الفني" و"التدخل العسكري المباشر"، الرئيس بولا تينوبو شدد في رده الرسمي على أن بلاده "تحترم جميع الأديان" وأن وصف نيجيريا بأنها غير متسامحة "لا يعكس واقعها الوطني"، مؤكدًا أن حرية المعتقد جزء من هوية الدولة منذ تأسيسها.

مخاطر التصعيد الإقليمي

أي توتر بين واشنطن وأبوجا ستكون له انعكاسات إقليمية، خصوصًا أن نيجيريا تمثل العمود الفقري للأمن في غرب إفريقيا، وتلعب دورًا محوريًا في مبادرات مكافحة الإرهاب ضمن مجموعة "إيكواس".
وإذا تصاعدت الأزمة إلى حد القطيعة أو فرض العقوبات، فقد تستغل الجماعات المتطرفة ذلك لتصوير الحرب ضدها على أنها "عدوان خارجي"؛ ما قد يغذي الدعاية الجهادية ويزيد معدلات التجنيد في صفوفها.
مما لا شك فيه أن الأزمة الحالية ليست مجرد خلاف عابر حول تصريحات سياسية، بل تعكس تصادمًا بين مقاربتين: مقاربة أمريكية تقوم على التدخل تحت لافتة "الحماية الإنسانية"، ومقاربة نيجيرية تسعى لتأكيد استقلال القرار الوطني وسط واقع أمني هش.

شارك