ذهب مالي" بين كماشة واشنطن والقاعدة: منجم "موريلا" ورهان السيادة البديلة

الثلاثاء 13/يناير/2026 - 03:40 ص
طباعة ذهب مالي بين كماشة حسام الحداد
 
لم يكن الهجوم الذي استهدف منجم "موريلا" للذهب في الثالث من يناير مجرد عملية تخريبية عابرة، بل كشف عن فصل جديد من فصول الصراع الدولي والمحلي في مالي. فالهجوم الذي استهدف استثماراً أمريكياً بمليارات الدولارات، يضع "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM) في مواجهة مباشرة مع النفوذ الغربي، ويحول ثروات مالي إلى أداة لفرض "سيادة بديلة" بعيداً عن سلطة باماكو.

أولاً: صراع النفوذ.. واشنطن تحاول وموسكو تراقب والقاعدة تضرب
لم يعد الذهب في مالي مجرد مورد طبيعي، بل استحال إلى محرك رئيسي للصراع الجيوسياسي المحتدم في منطقة الساحل الأفريقي، حيث تتشابك مصالح القوى العظمى مع طموحات الجماعات المسلحة. ففي الوقت الذي تميل فيه كفة النفوذ العسكري في باماكو بشكل حاد نحو موسكو عبر "فيلق أفريقيا" (فاغنر سابقاً)، حاولت واشنطن العودة من بوابة "الدبلوماسية الاقتصادية" عبر شركة "فلاجشيب جولد كوربوريشن". هذا الدخول الأمريكي لم يكن مجرد صفقة تجارية، بل اعتُبر محاولة استراتيجية لإيجاد موطئ قدم في قطاع التعدين الحيوي، ومنع الانفراد الروسي الكامل بمقدرات الدولة المالية، مما جعل منجم "موريلا" نقطة ارتكاز في لعبة كسر العظام الدولية.
جاء استهداف "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" لمنجم تديره شركة أمريكية ليحمل أبعاداً تتجاوز مجرد العمل التخريبي، حيث أرادت الجماعة إرسال برقية شديدة اللهجة لجميع الأطراف الدولية مفادها أنها "اللاعب الميداني المهيمن" والقوة القادرة على تعطيل أي تفاهمات لا تأخذ مصالحها بعين الاعتبار. ومن خلال ضرب مشروع بهذا الحجم، أثبتت الجماعة قدرتها على الوصول إلى عمق الجنوب المالي الذي كان يُعتقد أنه بعيد عن متناولها، مؤكدة أنها "الرقم الصعب" في أي معادلة اقتصادية مستقبلية، وأن أي استثمار أجنبي يظل رهينة لقرارها الميداني، بصرف النظر عن الحماية الأمنية التي قد توفرها الدولة أو حلفاؤها الدوليون.
من الزاوية الاستراتيجية، تهدف الجماعة من خلال تركيزها على الأهداف الأمريكية إلى إحداث شرخ في الثقة بين المستثمرين الغربيين والحكومة المالية، فتعطيل منجم "موريلا" هو رسالة تخويف لرؤوس الأموال العابرة للقارات بأن مالي "بيئة عالية المخاطر" وغير مستقرة استثمارياً. هذا التكتيك يمنح الجماعة سلطة "الفيتو" على المشاريع التنموية، ويجعل الشركات العالمية تفكر ملياً قبل ضخ استثماراتها، حيث تدرك هذه الشركات أن الحماية العسكرية التقليدية قد تفشل أمام تكتيكات حرب العصابات والابتزاز الاقتصادي التي تنتهجها القاعدة، مما يضعف الجاذبية الاستثمارية لمالي في الأسواق العالمية.
تجد الحكومة الانتقالية في باماكو نفسها اليوم في مأزق سيادي واقتصادي غير مسبوق؛ فهي من جهة قد ركنت كلياً إلى الشريك الروسي لتوفير المظلة الأمنية ومواجهة الجماعات المسلحة، لكنها من جهة أخرى تدرك أن السلاح الروسي لا يمكنه وحده إنقاذ اقتصادها المتهالك. باماكو بحاجة ماسة للتكنولوجيا الغربية والاستثمارات الأمريكية الضخمة، مثل مشروع "موريلا" الذي تتجاوز قيمته 11 مليار دولار، لتوفير السيولة المالية وتجنب الانهيار الاقتصادي الشامل، مما يجعلها عالقة في مفارقة صعبة: كيف تحافظ على تحالفها العسكري مع موسكو دون خسارة شريان الحياة المالي الذي تمثله الشركات الأمريكية؟
يعكس هذا الحرج تآكل معادلة "الأمن مقابل الذهب" التي حاولت الحكومة المالية تسويقها، حيث أثبت هجوم سيكاسو أن الحضور العسكري الروسي المكثف لم يمنع الجماعات المرتبطة بالقاعدة من شلّ حركة الإنتاج في أحد أهم المناجم السيادية. هذا الواقع يضع القيادة المالية أمام ضغوط داخلية وخارجية متزايدة، إذ يطالب قطاع التعدين بضمانات حقيقية تتجاوز الوعود العسكرية، بينما تتزايد المخاوف من أن يتحول الذهب المالي إلى "وقود للصراع" يغذي خزائن الجماعات المسلحة بدلاً من دعم ميزانية الدولة، مما يدفع البلاد نحو نفق مظلم من الارتهان للأجندات المتضاربة.

ثانياً: اقتصاديات الظل.. القاعدة تفرض "السيادة الضريبية"
المالية تجاوزت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" نموذج التنظيمات المسلحة التي تكتفي بالعمليات الخاطفة، لتنتقل فعلياً إلى مرحلة "الإدارة المالية للمناطق" أو ما يمكن تسميته بـ "حكومة الظل". فمنذ إعلانها الصريح في يونيو/حزيران 2025 عن ضرورة حصول كافة الشركات الأجنبية على "تصاريح عمل" صادرة عنها، بدأت الجماعة في فرض نظام "ابتزاز شرعي" يهدف إلى انتزاع الاعتراف بها كسلطة أمر واقع. هذا التحول يعني أن الجماعة لم تعد تنظر إلى المناجم كأهداف للتدمير فقط، بل كمصادر دائمة للدخل القومي الذي تديره، مما يمنحها استدامة مالية تجعلها أقل اعتماداً على التمويلات الخارجية وأكثر قدرة على المناورة الطويلة.
في هجوم منجم "موريلا"، برزت تكتيكات الجماعة الجديدة بوضوح؛ حيث تعمد المسلحون استهداف الآليات الثقيلة والمعدات الحيوية بدلاً من اتباع استراتيجية القتل العشوائي. هذه الطريقة تحمل رسالة تقنية وسياسية مشفرة للشركات الأجنبية، مفادها أن الحماية التي تشتريها الشركات من الحكومة في باماكو أو من الحلفاء الدوليين هي "حماية وهمية" لا توفر أماناً فعلياً للمنشآت على الأرض. ومن خلال تعطيل سلاسل الإنتاج دون إراقة دماء واسعة، تسعى الجماعة لإقناع المستثمرين بأن دفع "إتاوات الحماية" مباشرة لخزائن التنظيم هو السبيل الوحيد والمضمون لاستمرارية العمل وتجنب الخسائر الرأسمالية الفادحة.
تطمح "نصرة الإسلام والمسلمين" من خلال هذه الهجمات إلى فرض نظام "الشراكة الإجبارية" في أرباح التعدين، حيث تفرض "ضرائب سيادية بديلة" تحت مسمى الزكاة أو رسوم العبور والحماية. هذا النظام يحول الجماعة من عدو للمشروع إلى شريك مستفيد من بقائه، طالما أن الشركة تلتزم بدفع الحصص المقررة. وتكمن الخطورة هنا في أن الشركات الدولية قد تجد نفسها مضطرة سراً للخضوع لهذه الابتزازات لضمان بقاء استثماراتها، مما يعني عملياً أن أموال المستثمرين وتكنولوجيا التعدين الحديثة باتت تساهم بشكل غير مباشر في تمويل آلة الحرب التابعة للقاعدة في منطقة الساحل.
يربط المحللون الاستراتيجيون بين "المرونة" التي أبدتها الجماعة في إطلاق سراح رهائن منجم موريلا خلال 24 ساعة، وبين التطورات المالية الأخيرة التي شهدتها المنطقة، وعلى رأسها واقعة فدية الـ 50 مليون دولار المرتبطة بإطلاق سراح أحد أفراد الأسرة الحاكمة في دبي في أكتوبر 2025. هذه المبالغ الضخمة، الممزوجة بالضرائب الإجبارية على المناجم، ساهمت في بناء "خزينة سيادية موازية" للتنظيم. هذه القوة المالية لا تُستخدم فقط لشراء الأسلحة، بل تُستثمر في تمويل عمليات الحصار الاستراتيجي للعاصمة باماكو، وشراء ولاءات زعماء القبائل، وتوفير خدمات اجتماعية بديلة للسكان، مما يعزز من تغلغل الجماعة في النسيج المجتمعي.
في نهاية المطاف، تمثل هذه "السيادة الضريبية" التي تفرضها الجماعة الضربة القاضية لشرعية الدولة المالية؛ فالوظيفة الأساسية لأي دولة هي احتكار حق جمع الضرائب مقابل توفير الأمن، وبمجرد نجاح الجماعة في انتزاع هذا الحق من الشركات الكبرى، فإنها تسقط القناع عن سيادة الحكومة المركزية. هذا الصراع على "شرعية الجباية" يحول الغرض من التعدين من رافعة للاقتصاد الوطني إلى وسيلة لإضعاف المركز وتقوية الأطراف المسلحة، مما يجعل منجم "موريلا" نموذجاً مصغراً لكيفية خسارة الدولة النامية لسيطرتها على مواردها الاستراتيجية لصالح اقتصاديات الظل التي تديرها التنظيمات العابرة للحدود.

الخاتمة: الذهب كوقود للحرب
إن تحول الجنوب المالي (سيكاسو) إلى منطقة عمليات ضد كبرى شركات التعدين يعني أن الجماعات المسلحة بدأت فعلياً في "خنق" الرئة الاقتصادية الأخيرة لمالي. ومع بقاء 2.5 مليون أونصة من الذهب في باطن أرض "موريلا"، يبقى التساؤل: هل ستخضع الشركات الأجنبية لنظام الابتزاز مقابل استخراج الكنز، أم أن واشنطن وباماكو ستضطران لتغيير قواعد اللعبة الأمنية لحماية الاستثمارات المهددة؟

شارك