تفكيكُ تنظيمِ الإخوان 9.. قرارُ فرنسا بدايةُ مرحلةٍ أوروبية جديدة (9)
السبت 31/يناير/2026 - 07:04 م
طباعة
حسام الحداد
يُقدم هذا التقرير قراءة كاشفة واستشرافية بالغة الأهمية حول تحولات "الإسلام السياسي" في أوروبا، ويُحسب للدكتور عبد الرحيم علي ريادته ومثابرته البحثية في تسليط الضوء على هذه الزوايا المعتمة؛ فمن خلال أدواته التحليلية الرصينة، نجح في تفكيك استراتيجية "الجهاد الناعم" وكشف كيف يتم استغلال قيم الديمقراطية ومنصات القضاء والإعلام كأدوات اختراق لضرب استقرار المجتمعات من الداخل، مما يجعل من هذا العمل مرجعًا لا غنى عنه لصناع القرار والمثقفين لفهم آليات "حرب المصطلحات" ومواجهة تكتيكات التغلغل غير التقليدية التي ينتهجها التنظيم.
“الجهادُ الناعم” في قلبِ الجمهورية: كيف حوَّل الإخوانُ ساحات القضاءَ ومنصات الإع
إذا كانت أدواتُ الإخوان “التقليدية” في فرنسا واضحة: مسجد، جمعية، مدرسة، تمويل… فإنَّ الأخطر — كما يرصد هذا التقرير — هو انتقالُ التنظيم إلى مرحلةٍ أكثرَ خطورة وتقدُّمًا:
مرحلةِ الحربِ غيرِ المباشرة داخلَ المجالِ العامِّ الفرنسي، بأدواتٍ جديدةٍ لا تحتاجُ إلى قنبلةٍ ولا سلاح، لكنها قادرةٌ على شلِّ خصومِ التنظيم وتفكيكِ مناعةِ المجتمع.
ويضعُ التقريرُ هذه المرحلةَ تحتَ عنوانٍ جوهري:
المجالاتُ الجديدةُ للجهاد: ساحاتُ القضاء، الفضاءُ الرقمي، منصاتُ الإعلام.
وهنا نحنُ أمامَ نسخةٍ حديثةٍ من “الجهاد” لا تقومُ على العنفِ المباشر، بل على صناعةِ الخوف، وفرضِ “تابوهات” جديدةٍ على النقاشِ العام، وتحويلِ أي مقاومةٍ للخطابِ الأصولي إلى “جريمةٍ أخلاقية”، بل إلى جريمةِ “عنصرية”.
1) من حربِ المساجد إلى حربِ التمثيل… ومن الشارع إلى الرأي العام:
يشرحُ التقريرُ أن اختراقَ الإخوانِ للمجتمعِ الفرنسي قائمٌ على ما يسمِّيه:
حربَ المصطلحات، أو “حربَ العصاباتِ الخطابية”.
في هذه الحرب، لا يتقدَّمُ التنظيمُ إلى الجمهور باعتباره مشروعًا أصوليًا يريدُ السيطرة، بل باعتباره “ضحية” تحتاجُ إلى حماية، ويجعلُ من نفسه “ممثلًا شرعيًا” للمسلمين في فرنسا.
والهدفُ النهائي هنا مزدوج:
1. تقديمُ الإسلامِ الأصولي في صورةِ الضحية.
2. ثم استخدامُ قيمِ الجمهورية نفسها لتبريرِ هذا الخطاب:
(مناهضةُ العنصرية – حقوقُ الإنسان – الحريات – المساواة).
هذه المعادلةُ هي مفتاحُ كلِّ شيء:
الإخوانُ يحوِّلون النقاشَ السياسيَّ والأمنيَّ إلى محاكمةٍ أخلاقيةٍ لخصومهم.
2) “الإسلاموفوبيا”… الكلمةُ القنبلةُ التي تشلُّ النقاش:
يشدِّدُ التقريرُ على أن مصطلحَ “العداء للإسلام/الإسلاموفوبيا” هو أحدُ أخطرِ أدواتِ الإخوان في فرنسا، لأنه يقومُ بوظيفةٍ واحدة:
تحييدُ النقد.
وفقًا للتقرير، تصبحُ النتيجةُ كالآتي:
• أيُّ نقدٍ للإسلامِ السياسي يُقدَّمُ كعداءٍ للمسلمين.
• أيُّ مواجهةٍ للأصولية تُقدَّمُ كعنصرية.
• أيُّ تمسُّكٍ بالعلمانية يُقدَّمُ كقمعٍ للأقليات.
• أيُّ محاولةٍ لضبطِ الرموز أو السلوكيات تُقدَّمُ كاضطهاد.
بهذا الأسلوب، تتحوَّلُ الدولةُ الفرنسيةُ من دولةِ قانون إلى “خصمٍ سياسي”، وتُوضَعُ في موقف الدفاعِ المستمر.
والأخطرُ أن هذا المصطلحَ ينتشرُ بسهولة، لأنه عاطفيٌّ، ويدغدغُ الضميرَ العام، ويستحضرُ تاريخَ العنصريةِ والاستعمار، ويصنعُ تحالفاتٍ تلقائيةً مع تياراتٍ يساريةٍ وحقوقية.
3) المنظماتُ الحقوقيةُ واجهة… والإخوانُ خلفَ الستار:
يرصدُ التقريرُ كيف استخدمَ التنظيمُ منظماتٍ تبدو “مدنية”، لكنها في الحقيقة جزءٌ من شبكةِ نفوذ.
ويضعُ مثالًا مباشرًا على ذلك:
التجمعُ ضدَّ الإسلاموفوبيا (CCIF) باعتباره “المركزَ العصبيَّ” للمعركةِ على شبكاتِ التواصل.
الفكرةُ هنا ليست أن المنظمةَ تعلنُ انتماءَها للإخوان، بل أنها تؤدِّي وظيفةً استراتيجية:
صناعةُ مناخٍ عامٍّ يجعلُ “الإخوان” هم بوابةَ الحديث باسمِ المسلمين.
وفي هذا السياق، يصبحُ الرأيُ العامُّ الفرنسي أمامَ فخٍّ كبير:
التمييزُ بين مسلمٍ يعيشُ مواطنًا طبيعيًا، وبين مشروعٍ سياسيٍّ يريدُ تغييرَ قواعدِ اللعبة.
4) الجهادُ في الفضاءِ الرقمي: “شرطةُ الإنترنت” بدلَ شرطةِ الشارع:
في المرحلةِ الجديدة، لم يعُدِ الإخوانُ بحاجةٍ إلى السيطرةِ على الشارع، لأن الإنترنتَ يقومُ بالمهمَّة.
وفقَ التقرير، يعتمدُ هذا الجهادُ الرقمي على:
• مراقبةِ الخطابِ المعارض.
• حملاتِ تشهيرٍ متزامنة.
• تعبئةِ المتابعين للضغط.
• تقديمِ الخصم كعنصريٍّ أو معادٍ للإسلام.
• السعي لإسقاطِ الحسابات وإغلاقِ الصفحات.
الفكرةُ ليست الردَّ بالحُجَّة، بل إخراجَ الخصم من ساحةِ النقاش.
وهذا ما يجعلُنا أمامَ انتقالٍ نوعي:
من “حربِ أفكار” إلى “حربِ إسكات”.
ويشيرُ التقريرُ إلى أن هذا العملَ يصبحُ فعّالًا حين يستفيدُ من ثغراتِ منصاتِ التواصل:
البلاغاتِ الجماعية، السياساتِ الرمادية، الحساسيةِ تجاه خطابِ الكراهية… إلخ.
5) الجهادُ في ساحاتِ القضاء: المحاكمُ كسلاحِ ترهيب:
يقدِّمُ التقريرُ مفهومًا بالغَ الخطورة هو: الجهادُ في ساحاتِ القضاء.
ومعناه ببساطة:
استخدامُ القضاء ليس فقط من أجلِ حكمٍ قضائي، بل من أجل:
• إنهاكِ الخصم ماليًا.
• تشويهِ سمعته إعلاميًا.
• تخويفِه.
• ودفعِه إلى الصمت أو الانسحاب.
بمعنى آخر:
حتى لو خسرَ الإخوانُ القضية… يكسبون المعركة.
ويوضِّحُ التقريرُ أن الهدفَ النهائي من هذا السلاح هو شلُّ:
• الصحافة.
• الجامعة.
• الإعلام.
• العملِ السياسي.
• مراكزِ البحث.
لأن كلَّ صوتٍ نقديٍّ يصبحُ مهددًا بتهمةٍ جاهزة:
العنصرية/الإهانة/التحريض/الإسلاموفوبيا.
6) الإعلامُ تحتَ الضغط…
يشيرُ التقريرُ إلى أن المنظماتِ القريبةَ من الإخوان عملت مبكرًا على وصمِ منتقدي الإسلام بالعنصرية، ووصلَ الأمرُ إلى اللجوءِ للقضاء.
وهنا تتضحُ طبيعةُ الاستراتيجية:
ليس الهدفُ فقط الدفاعَ عن “مشاعرَ دينية”، بل إدخالَ المجتمعِ الفرنسي في منطقةٍ محرَّمة:
• لا تنتقد.
• لا تسخر.
• لا تناقش.
• لا تسأل.
• ولا تفرِّق بين الدين والمشروع السياسي.
أي إن التنظيمَ يريدُ أن يصنعَ داخلَ فرنسا “حدودًا جديدةً للكلام”، تُحاصرُ الفكرَ الحرَّ تحتَ عنوانِ الأخلاق.
7) لماذا تُعَدُّ هذه المرحلةُ أخطرَ من التمويل والمساجد؟
لأن التمويلَ والمساجدَ يمكنُ مراقبتُها:
• هناك قوانين.
• رقابةٌ مالية.
• تقاريرُ إدارية.
• وإجراءاتٌ أمنية.
لكن حربَ القضاء والفضاء الرقمي والإعلام أصعبُ بكثير، لأنها تعملُ في مناطقَ رمادية:
• حريةُ التعبير.
• حقُّ التقاضي.
• حقوقُ الأقليات.
• حمايةُ الفئاتِ الضعيفة.
• مكافحةُ العنصرية.
وهنا تحدثُ المفارقةُ الكبرى التي يرصدُها التقرير:
الإخوانُ يستعملون قيمَ الجمهوريةِ نفسها، كي يُلغوا روحَ الجمهورية. نتيجةُ “الجهادِ الناعم”: مجتمعٌ يخافُ من تسميةِ الأشياء:
النتيجةُ التي يصلُ إليها التقريرُ هي أن المجتمعَ الفرنسي قد يقعُ في حالةِ شللٍ تدريجي:
• السياسيُّ يخافُ أن يناقش.
• الصحفيُّ يخافُ أن يحقق.
• الباحثُ يخافُ أن يكتب.
• المواطنُ يخافُ أن يسأل.
وهكذا يتمُّ تفريغُ المجالِ العام من القدرةِ على المقاومةِ الفكرية، دون أن يطلقَ التنظيمُ رصاصةً واحدة.
وهذا تحديدًا هو معنى الاختراقِ العميق:
حين تصبحُ الدولةُ قويةً في السلاح… ضعيفةً في النقاشِ العام والجدلِ المثار حول الأصوليةِ الإخوانية.
وأخطرُ ما في هذا المسار ليس أن التنظيمَ ينمو عدديًا فقط، بل أنه يحاولُ أن يفرضَ “قواعدَ جديدةً للحديث”، تجعلُ مقاومته تبدو كجريمة.
