الأمن القومي العربي (1).. ملفات لم تُغلق بعد

الإثنين 02/فبراير/2026 - 05:25 م
طباعة الأمن القومي العربي حسام الحداد
 
يحلل الدكتور عبد الرحيم علي أحداث 25 يناير كتقاطع بين غضب داخلي ومشروع تفكيك إقليمي مدفوع بخطط غربية مثل "الفوضى الخلاقة". ويرى أن استهداف الدولة المصرية ومؤسساتها، خاصة الجيش، كان يهدف لإخراجها من المعادلة الدولية عبر تحويل الصراع إلى نزاع مجتمعي بدلاً من مواجهة عسكرية مباشرة.

25 يناير وموازين القوة

25 يناير وموازين
لم يكن الطريقُ إلى 25 يناير طريقًا واضحًا،
ولا كان نتيجةَ أسبابٍ محددة،
كما لا يمكن اختزاله في مؤامرةٍ مكتملةِ الأركان، ولا في ثورةٍ مثاليةٍ خالصة.
كان مسارًا معقدًا،
تشابكت فيه أخطاءُ الداخل مع حسابات الخارج،
وتداخل فيه الغضبُ المشروع مع الطموحات السياسية،
والنوايا الحسنة مع المشاريع الموجَّهة.
ولهذا السبب تحديدًا، تأتي أهميةُ هذه السلسلة من المقالات.
فما جرى في مصر عام 2011 لا يمكن فهمه خارج سياقه الإقليمي والدولي،
ولا يمكن تفسيره فقط بلغة الشعارات،
ولا يجوز أيضًا التعامل معه بوصفه لحظةً عابرة انتهت بانتهاء أيامها الأولى.
هذه السلسلة من المقالات لا تسعى إلى إعادة كتابة التاريخ،
ولا إلى محاكمة النوايا،
ولا إلى تقديم روايةٍ رسميةٍ بديلة.
بل أحاول، من خلالها، – بقدر ما تسمح به الوثائقُ والتجربة – أن أُجيب عن سؤالٍ جوهري:
كيف صُنِعت المسارات المؤدية إلى 25 يناير؟
ليس اليوم ذاته،
بل الطريق الذي قاد إليه،
والبيئة التي سمحت بانفجاره،
والتقاطعات التي جعلته ممكنًا،
ثم المصائر التي كادت أن تترتب عليه.
لقد كشفت السنواتُ التي تلت يناير، أن كثيرًا مما بدا تلقائيًا،
كان في الحقيقة مُهيَّأً،
وأن كثيرًا مما قُدِّم باعتباره حتميًا،
كان قابلًا لسلوك مساراتٍ أخرى، لو اختلفت الحساباتُ أو الخيارات.
كما كشفت التجربة أن الدول لا تُسقط فقط بالغزو العسكري،
بل قد تُسقط أيضًا بالفوضى،
وأن أخطر ما يواجه الأوطان في لحظات التحول
هو غيابُ الفهم المتكامل لما يجري.
من هنا، تتعامل هذه السلسلة من المقالات مع 25 يناير لا كحدث،
بل كنقطةِ التقاءٍ لثلاثة مساراتٍ كبرى:
 • مسارٍ دوليٍّ أعاد ترتيب الشرق الأوسط بعد الحرب الباردة
 • ومسارٍ إقليميٍّ استخدم التفكيك بدل الاحتلال
 • ومسارٍ داخليٍّ تراكمت فيه الاختلالات دون معالجةٍ جذرية
وفي هذا التقاطع، وُضِعت الدولةُ المصرية أمام اختبارٍ غير مسبوق.
كيف تحافظ على نفسها دون أن تُصادر الغضب؟
وكيف تفتح أبوابَ الإصلاح دون أن تسقط في الفراغ؟
وكيف تُنقذ الوطن دون أن تُحوِّل النجاة إلى قيدٍ دائم؟
هذه الأسئلة هي جوهرُ هذه السلسلة من المقالات.
ولا أطلب من القارئ، بالطبع، أن يتبنى إجاباتٍ جاهزة،
بل أن يقرأ بعينٍ مفتوحة،
بعيدًا عن الاصطفافات القديمة،
وأن يدرك أن فهم ما جرى
هو الشرطُ الأول لعدم تكراره.

(1) قبل الانفجار:
لم تكن 25 يناير حدثًا مصريًا معزولًا، ولا انفجارًا مفاجئًا خرج من رحم الفراغ، كما حاول البعض أن يصوّره لاحقًا، دفاعًا أو تبريرًا أو تهرّبًا من المساءلة.
كانت، في جوهرها، لحظةَ تقاطعٍ نادر بين غضبٍ داخليٍّ حقيقي، ومشروعٍ دوليٍّ أوسع، كان يُعاد هندسةُ المنطقة على أساسه منذ سنواتٍ طويلة، بهدوء، وبصبرٍ استراتيجي، وبأدواتٍ غير تقليدية.
اليوم، وبعد خمسةَ عشر عامًا تقريبًا، تبدو الصورةُ أوضح، والوثائقُ أكثر جرأةً في كشف ما كان يُدار خلف الستار.
لم يعد السؤال: هل كان هناك مخطط؟
بل: كيف اشتغل هذا المخطط؟ ولماذا اصطدم في مصر بما لم يصطدم به في غيرها؟

الشرق الأوسط الجديد… فكرة غربية قديمة:
يخطئ من يظن أن ما جرى في العقد الثاني من الألفية الثالثة وُلد فجأة، أو كان نتاجَ لحظةٍ سياسيةٍ عابرة.
ففكرةُ إعادة تشكيل الشرق الأوسط ليست وليدةَ “الربيع العربي”، ولا حتى وليدةَ الحرب الباردة، بل تعود جذورها إلى بدايات القرن العشرين، حين بدأ الغرب ينظر إلى هذه المنطقة لا باعتبارها جغرافيا فقط، بل بوصفها عنقَ العالم:
الطاقة، والممرات، والجيوش، والعقيدة.
منذ لحظة سقوط الدولة العثمانية، وما تلاها من اتفاقاتٍ وتقسيمات، تشكّل وعيٌ غربيٌّ ثابت مفاده أن هذه المنطقة، إذا تُركت لتتوحّد أو تستقر أو تمتلك قرارها، فإنها ستتحول إلى خطرٍ استراتيجيٍّ حقيقي، لا على إسرائيل وحدها، بل على منظومة الهيمنة الغربية بأكملها.
ولهذا لم تكن سايكس–بيكو خطأً تاريخيًا، بل كانت تصميمًا مقصودًا.
ولم يكن وعدُ بلفور انحرافًا أخلاقيًا، بل كان حجرَ الزاوية في مشروعٍ طويل.

من التقسيم إلى التفكيك:
إذا كان القرنُ العشرون قرنَ تقسيم الجغرافيا، فإن بداياتِ القرن الحادي والعشرين كانت قرنَ تفكيك الدول من الداخل.
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وانتقال العالم إلى لحظةٍ أحاديةِ القطبية، شعرت الولاياتُ المتحدة وحلفاؤها أن الوقت قد حان لتصفية ما تبقى من “الدول الكبيرة المزعجة” في الشرق الأوسط:
دولٍ تمتلك جيوشًا، أو ذاكرةً قومية، أو قدرةً على المناورة.
لم تعد الحروبُ التقليدية وحدها كافية.
كلفتها باهظة، ونتائجها غير مضمونة سياسيًا.
كان لا بد من نموذجٍ جديد:
 • بلا دبابات
 • بلا احتلالٍ مباشر
 • وبلا إعلانِ حرب
هنا وُلدت مفاهيمُ مثل:
 • إعادة بناء الأمم
 • نشر الديمقراطية
 • دعم المجتمع المدني
 • تمكين الشباب
 • الفوضى الخلاقة
مصطلحاتٌ براقة، تخفي خلفها جوهرًا واحدًا:
تفكيكُ الدولة دون إسقاط المسؤولية السياسية عن الفاعل الحقيقي.

برنارد لويس… حين تصبح الخرائط عقيدة:
في هذا السياق، لم يكن مشروعُ برنارد لويس مجرد أطروحةٍ أكاديمية، كما حاول البعض أن يخفف من خطورته، بل كان ترجمةً فكريةً لرغبةٍ سياسيةٍ عميقة.
الفكرةُ الجوهرية التي حكمت هذا المشروع كانت بسيطةً في قسوتها:
أن العالم العربي والإسلامي لا يمكن أن يُدار موحدًا، ولا يجب أن يُترك متماسكًا، وأن الحلَّ الوحيد هو إعادةُ تفكيكه إلى كياناتٍ أصغر، متناحرة، عاجزةٍ عن تشكيل أي تهديدٍ استراتيجي.
لم يكن الهدف هو نشر الديمقراطية، بل إدارةُ الصراع الدائم.
صراعٌ طائفي، مذهبي، عرقي، اجتماعي…
صراعٌ يستهلك الجيوش، ويُنهك المجتمعات، ويجعل “الحماية الخارجية” ضرورةً لا خيارًا.

مصر في قلب المخطط…
في قلب هذا التصور، كانت مصر حالةً خاصة.
ليست لأنها الأفقر، ولا لأنها الأكثر اضطرابًا، بل لأنها:
 • تملك جيشًا متماسكًا
 • وتاريخًا عميقًا
 • وموقعًا جيوسياسيًا لا يمكن القفز عليه
 • وتأثيرًا يتجاوز حدودها الجغرافية
لهذا لم يكن الهدف هو إسقاطَ مصر دفعةً واحدة، بل إخراجَها من المعادلة.
إشغالَها بنفسها.
كسرَ ثقتها في مؤسساتها.
تحويلَ الصراع من صراعِ دولة إلى صراعِ مجتمع.
وهنا، تحديدًا، تبدأ قصةُ الطريق إلى 25 يناير.
لم يبدأ الطريقُ في ميدان التحرير،
بل بدأ قبل ذلك بسنوات،
في المراكز البحثية،
وغرف التخطيط،
وبرامج التدريب،
وشبكات التمويل،
وتحت عناوين براقة،
لم ينتبه كثيرون إلى خطورتها إلا بعد فوات الأوان.

إلى أين نتجه؟
في الجزء التالي، سننتقل من الإطار النظري إلى التطبيق العملي،
وسنطرح السؤال الأخطر:
لماذا كان تفكيكُ الجيوش هو الخطوة الأولى؟
وكيف تحولت جيوشٌ عربيةٌ كاملة إلى ساحاتِ استنزاف،
ولماذا فشل هذا السيناريو في مصر تحديدًا؟.. يتبع..
باريس: الخامسة مساءً بتوقيت القاهرة

شارك