الأمن القومي العربي (8-10).. ملفات لم تُغلق بعد..

الإثنين 09/فبراير/2026 - 11:36 م
طباعة الأمن القومي العربي حسام الحداد
 
يُقدم الدكتور عبد الرحيم علي في هذا الطرح رؤية تفكيكية شديدة العمق والجرأة لمفاهيم الأمن القومي العربي، متجاوزاً السرديات التقليدية ليضع إصبعه على الجرح الحقيقي المتمثل في "سوء الفهم الاستراتيجي" وخطورة شرعنة التنظيمات العابرة للحدود؛ حيث يبرهن ببراعته المعهودة في تحليل تيارات الإسلام السياسي أن الدولة الوطنية لا يمكن أن تلتقي مع الأيديولوجيات التنظيمية في مسار واحد، مقدماً بذلك خريطة طريق فكرية رصينة لاستعادة التوازن العربي الضائع، ومنبهاً بذكاء حاد إلى أن استقرار المنطقة يبدأ من ضبط المصطلحات وتوحيد الرؤية تجاه المخاطر الوجودية بعيداً عن أوهام الاحتواء أو التوظيف السياسي المؤقت.

حين استخدمت التنظيمات العابرة للحدود كأدوات اختراق..

حين استخدمت التنظيمات
تمهيد:
لم تكن أزمات العالم العربي، في جوهرها، نتاج ضعفٍ دائم أو عجزٍ بنيوي، بقدر ما كانت ثمرة سوء فهمٍ استراتيجيٍّ متراكم؛
سوء فهمٍ لطبيعة الصراع، ولحدود التحالفات، ولأدوار الفاعلين الإقليميين والدوليين، بل وللذات العربية نفسها.
على مدى سنوات طويلة، خاضت الدول العربية معاركها متفرقة،
بأولويات متباينة،
وبرؤى غير متطابقة،
وفي أحيان كثيرة، تحت ضغط الإلحاح لا منطق التخطيط.
اختلط الاختلاف المشروع بالخلاف المُنهِك،
وتحوّل سوء التقدير إلى فجوات سياسية،
ثم استُثمرت هذه الفجوات، داخليًا وخارجيًا، لإعادة رسم موازين القوى في الإقليم… على حساب العرب.
هذه السلسلة لا تُكتب بروح المراجعة المتأخرة، ولا بمنطق تبرير المواقف،
ولا بدافع تسجيل نقاط في سجالات عابرة.
بل تُكتب انطلاقًا من سؤالٍ مركزيٍّ واحد:
كيف انتقلنا من سوء الفهم الاستراتيجي، إلى لحظة بات فيها لزامًا إعادة بناء موازين القوة العربية؟
نحاول هنا تفكيك ما جرى:
• كيف تحوّلت بعض الخلافات العربية إلى أدوات استنزاف؟
• كيف استُخدمت التنظيمات العابرة للحدود كأدوات اختراق؟
• كيف أُسيء تقدير أدوار قوى إقليمية، فتم تضخيمها أحيانًا، أو الاستهانة بها أحيانًا أخرى؟
• وكيف غاب التنسيق في لحظات كان فيه التلاقي ضرورة لا خيارًا؟
وفي المقابل، نطرح سؤال المستقبل لا الماضي:
• ما الذي يجب ألا يتكرر؟
• ما الحد الأدنى من التوافق العربي الممكن؟
• وكيف يمكن الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء توازنات؟
إن إعادة بناء موازين القوة العربية لا تعني استعادة شعارات قديمة، ولا استدعاء أوهام الوحدة الشاملة،
بل تعني – ببساطة وواقعية – إعادة تعريف المصالح، وضبط الأولويات، وتأسيس شراكات عقلانية بين الدول العربية الكبرى.
شراكات قادرة على حماية أمنها القومي، وصيانة قرارها، ومنع الآخرين من صياغة مستقبلها بالنيابة عنها.
هذه ليست شهادة على الماضي،
بل محاولة لفهمه…
حتى لا يُعاد إنتاجه.
من اختلاف الرؤية إلى أزمة الفهم:
لم تبدأ أزمات النظام العربي من لحظة صدامٍ مباشر، ولا من قرارٍ خاطئٍ واحد،
بل من تراكم بطيء لسوء الفهم الاستراتيجي، حين اختلطت الأولويات، وتبدلت مواقع الخطر، وتحوّل الخلاف الطبيعي بين الدول إلى فجوة سياسية استُثمرت من الخارج قبل الداخل.
في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس الدول بما تملكه من شعارات،
بل بقدرتها على تحديد العدو الحقيقي، وترتيب المخاطر، وبناء التحالفات على أساس المصالح لا الانفعالات.
وهنا، تحديدًا، تعثّر العقل العربي.
 تصادم التقديرات:
الاختلاف بين الدول ليس عيبًا،
بل هو في كثير من الأحيان علامة صحة سياسية.
لكن الخطر يبدأ عندما يتحوّل الاختلاف إلى سوء قراءة، وسوء تقدير متبادل، وعندما تُفَسَّر المواقف الوطنية بمنطق الشك،
وتُقاس السياسات السيادية بمعايير غير سيادية.
في هذه اللحظة، لا يعد الخلاف خلافًا في الوسائل،
بل يصبح خلافًا في تشخيص التهديد نفسه:
ما الذي يمثل الخطر الرئيسي؟
وما الذي يمكن احتواؤه؟
وما الذي لا يجوز التعامل معه أصلًا؟
هنا تحديدًا، بدأت الانقسامات العربية تأخذ طابعًا استراتيجيًا خطيرًا.
التنظيمات العابرة… حين يُخطئ البعض في توصيفها:
أحد أخطر أوجه سوء الفهم الاستراتيجي كان التعامل مع التنظيمات العابرة للحدود،
ليس بوصفها أدوات اختراق،
بل باعتبارها قوى سياسية قابلة للتوظيف.
هذا الخطأ لم يكن نظريًا، بل عمليًا، ومكلفًا.
فالتنظيم الذي لا يعترف بالدولة،
ولا يؤمن بالحدود،
ولا يرى في الوطن إلا محطة،
لا يمكن أن يكون شريكًا في بناء استقرار،
بل يصبح – عاجلًا أو آجلًا – أداة هدم، حتى لمن ظن أنه يستخدمه.
وحين اختلفت الدول العربية في توصيف هذا الخطر، وبالتحديد خطر التنظيم الدولي للإخوان؛
لم يعد الخلاف أخلاقيًا، بل استراتيجيًا بامتياز.
تضخيم أدوار… وتجاهل حقائق:
في المقابل، أُسيء تقدير أدوار قوى إقليمية أخرى، ما بين تهوين خطرها بدافع المناورة،
أو تضخيمها بدافع الخوف،
وفي الحالتين، غابت المقاربة الواقعية التي تزن المصالح بميزان بارد.
السياسة لا تُدار بردود الأفعال،
ولا بالرهانات المؤقتة،
بل بقراءة طويلة المدى لمسارات النفوذ، وحدود الصدام، وكلفة التنازل.
وحين غاب هذا المنطق،
تحوّلت المنطقة إلى ساحة مفتوحة لإعادة توزيع الأدوار… دون مشاركة الفاعلين العرب.
كيف استُثمر سوء الفهم؟
لم يكن الخارج بحاجة إلى فرض مخططاته بالقوة،
بقدر ما اكتفى باستثمار التناقضات القائمة.
كل فجوة عربية كانت فرصة،
وكل خلاف غير مُدار كان مدخلًا،
وكل صمت كان مساحة تمدد.
وهكذا، لم تُصَغ موازين القوة الجديدة في غرف مغلقة فقط،
بل في فراغات تركها العرب بأنفسهم،
عندما فشلوا في بناء حدٍّ أدنى من التفاهم حول ما هو وجودي… وما هو قابل للاختلاف.
إلى أين؟
الإقرار بسوء الفهم الاستراتيجي لا يعني جلد الذات،
بل هو الشرط الأول لتصحيح المسار.
فإعادة بناء موازين القوة العربية لا تبدأ بتحالفات شكلية،
ولا بقمم خطابية،
بل تبدأ بإجابة صريحة عن سؤال بسيط ومعقّد في آن واحد:
ما الذي نختلف حوله فعلًا؟
وما الذي لا يجوز أن نختلف عليه أصلًا؟
الاخوان أداة سياسية في يد البعض:
من أكثر الأخطاء كلفة في التجربة العربية المعاصرة، ذلك الخلط الخطير بين التكتيك السياسي والبنية الأيديولوجية،
وبين ما يمكن توظيفه مرحليًا،
وما لا يمكن السيطرة عليه بنيويًا.
فالتنظيم الأيديولوجي ( الإخوان مثالا) لا يعمل بعقل الدولة،
ولا يتحرك بمنطق الشراكة،
ولا يتوقف عند حدود المصالح الوطنية،
بل ينطلق من يقينٍ صلب بأنه صاحب «مشروع بديل»،
وأن الدولة، أي دولة، ليست سوى مرحلة مؤقتة في طريق هذا المشروع.
من وهم الاحتواء… إلى واقع الاختراق:
في لحظة ما، ظنّ البعض أن هذا النوع من التنظيمات يمكن احتواؤه، أو تطويعه،
أو استخدامه كورقة ضغط في مواجهة خصوم آخرين.
لكن التجربة أثبتت أن ما بدا احتواءً كان في جوهره اختراقًا مؤجلًا،
وأن من ظنّ نفسه لاعبًا،
تحوّل تدريجيًا إلى ساحة فعل وفعل مضاد.
فالكيانات التي لا تعترف بشرعية الدولة الوطنية، ولا تؤمن بفكرة السيادة،
ولا ترى في المجتمع إلا خزان تعبئة،
لا يمكن أن تلتزم بقواعد اللعبة السياسية،
حتى وإن ارتدت قناعها مؤقتًا.
لماذا تم الخطأ في التقدير؟
الخطأ لم يكن في النوايا فقط،
بل في تشخيص طبيعة التنظيم نفسه.
جرى التعامل معه كفاعل سياسي طبيعي،
بينما هو في الحقيقة تنظيم عقائدي مغلق،
يعمل بمنطق السمع والطاعة،
ويقدّم الولاء التنظيمي على أي انتماء آخر.
هنا حدث الانفصال بين القراءة الأمنية والقراءة السياسية:
الأولى رأت الخطر البنيوي،
والثانية راهنت على البراجماتية.
وكانت النتيجة أن دفع الجميع ثمن هذا التناقض.
من الأداة إلى العبء:
مع الوقت، لم يعد التنظيم ورقة ضغط،
بل تحوّل إلى عبء إقليمي:
• عبء أمني، لأنه يُنتج التوتر باستمرار.
• عبء سياسي، لأنه يُربك علاقات الدول.
• عبء دولي، لأنه يُستدعى كدليل على «فشل الدولة» لا على قوتها.
والأخطر،
أنه أصبح ذريعة جاهزة للتدخل الخارجي،
مرة تحت شعارات حماية الديمقراطية،
ومرة أخرى تحت شعار مكافحة التطرف.
هكذا، لم يعد السؤال:
كيف نستخدم التنظيم؟
بل:
كيف نُدير كلفة وجوده؟
حين تتصادم الأيديولوجيا مع منطق الدولة:
الدولة تسعى إلى الاستقرار،
والتنظيم الأيديولوجي يعيش على التوتر.
الدولة تبني مؤسسات،
والتنظيم يبني شبكات موازية.
الدولة تُراكم الخبرة،
والتنظيم يُراكم الولاءات.
وهذا التناقض لا يمكن حله بتسويات سياسية،
لأنه ليس خلافًا على برنامج،
بل صراع على المرجعية والشرعية.
الدرس الذي تأخر كثيرًا:
ما تأخر إدراكه أن التنظيم الأيديولوجي لا يُستخدم… بل يستخدم.
ولا يُحتوى… بل يتمدّد.
ولا يفاوض من موقع الندية… بل من موقع الانتظار.
وعندما يكتشف من راهن عليه ذلك،
يكون قد خسر الوقت، وأربك الداخل،
وفتح أبوابًا يصعب إغلاقها.
تمهيد لما هو أخطر:
إذا كان سوء الفهم مع التنظيمات الأيديولوجية قد كلّف العرب كثيرًا،
فإن سوء تقدير أدوار القوى الإقليمية كلّفهم أكثر،
لأن الخطأ هنا لم يكن في الداخل فقط،
بل في قراءة توازنات الخارج.
في الحلقة القادمة، ننتقل إلى ملف لا يقل تعقيدًا:
حيث أُسيء تقدير قوى إقليمية…
وما بين التهوين والمبالغة، ضاعت البوصلة العربية.
نواصل غدا..
باريس: الخامسةُ مساءً بتوقيتِ القاهرة.

شارك