الإسلام وحرية الرأي والتعبير (9)
الخميس 26/فبراير/2026 - 07:37 م
طباعة
حسام الحداد
يُقدم الدكتور عبد الرحيم علي في هذا الطرح قراءةً تنويريةً وعميقةً تستلهم من السيرة النبوية أسمى قيم التعددية وحرية الرأي، حيث نجح ببراعة في تفكيك الالتباس التاريخي بين "المقدس الوحياني" و"البشري الاجتهادي"، مستنداً إلى وقائع صلبة كمنهج الحباب بن المنذر ليثبت أن النقد في عصر النبوة كان أداة بناء لا معول هدم. إن إشادة الدكتور بهذا النموذج النبوي الراقي في إدارة الاختلاف تمثل صفعةً قويةً لتيارات الاستبداد التي حاولت احتكار الحقيقة وتدجين الشعوب باسم الدين، كما يعيد الاعتبار لروح الإسلام التي تجعل من حرية التعبير عودةً للأصل النبوي وليست خروجاً عنه، مما يجعلنا أمام مشروع فكري رصين يعيد صياغة العلاقة بين المواطنة والاعتقاد في واقعنا المعاصر.
كيف أدار النبي صلى الله عليه وسلم الخلاف؟
إذا كان القرآن قد أسّس لمنهج الحوار، فإن السيرة النبوية قدّمت التطبيق العملي لهذا المنهج. فالنبي ﷺ لم يكن مجرد مبلّغ للوحي، بل قائدًا لدولة ناشئة، ومع ذلك، لم يتعامل مع النقد بوصفه تهديدًا، ولا مع الاختلاف باعتباره خروجًا عن الجماعة. وهنا، تتضح إحدى أهم المفارقات بين التجربة النبوية وبين ممارسات لاحقة نُسبت إلى الإسلام.
النقد في حضرة النبوة:
في السيرة، نجد مواقف متكررة عبّر فيها الصحابة عن آرائهم، واعترضوا، وسألوا، وجادلوا. لم يُقابل هذا بالسخط، ولا بالتجريم، ولا بالعقاب، بل بالحوار والتوضيح. بل إن بعض هذه الاعتراضات غيّرت مسار قرارات، أو عدّلت خططًا، دون أن يُنظر إليها كتمرد.
بين الوحي والرأي:
النبي ﷺ ميّز بوضوح بين ما هو وحي لا مجال للرأي فيه،
وما هو اجتهاد بشري قابل للنقاش. وحين كان الأمر رأيًا، كان يسمع،
ويناقش، ويقبل التصويب. ومثالٌ مهمٌّ جدًّا على ذلك معركةُ بدرٍ الشهيرة، أُولى المعارك في الإسلام؛ فقد اختار النبيُّ ﷺ مكانَ تمترُسِ جيشِ المسلمين، فاستغرب أحدُ قادةِ الحربِ المعروفين قبل الإسلام، الحبابُ بنُ المنذر.
وسأل النبي ﷺ سؤالًا دقيقًا في أدبٍ عسكري راقٍ: يا رسول الله، أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فلما أجابه النبي ﷺ بأنه الرأي والحرب والمكيدة (أي اجتهاد بشري في التخطيط العسكري)، أبدى الحباب رأيه. فماذا اقترح؟ اقترح الحباب:
1. أن يتقدم المسلمون إلى أقرب بئر من آبار بدر إلى جهة قريش.
2. فيسيطروا عليه.
3. ثم يردموا ما سواه من الآبار.
4. ويبنون حوضًا (خزانًا) يملؤونه ماءً ليشرب المسلمون منه.
5. فيُحرم المشركون من الماء.
ماذا حدث؟
أُعجب النبي ﷺ برأيه، وقَبِل الاقتراح فورًا، ونفّذ المسلمون الخطة، وانتصروا بها في بدر. وهذا يدل على ان: الدين، في جوهره، لا يخلط بين المقدس والبشري. ويترك الرأي والمصورة لأصحاب الخبرة كل في مجاله. المعارضة… دون تخوين: حتى في لحظات التوتر، لم يُستخدم الدين لإسكات المعترضين. لم تُرفع تهمة النفاق في وجه كل ناقد، ولم يُصنّف الاختلاف بوصفه خيانة. وهذا يعكس ثقة القيادة في مشروعها، وفي قدرة المجتمع على التعايش مع التباين. لماذا تجاهلنا هذا النموذج؟
أن هذا النموذج يُربك كل خطاب يريد الطاعة المطلقة، أو يحتكر الفهم، أو يخاف من المحاسبة. فالنقد، في التجربة النبوية، لم يكن خطرًا، بل ضمانة.
من السيرة إلى الواقع:
حين نُقارن هذا المنهج بما جرى لاحقًا في عصور التسلّط، نكتشف حجم الانحراف. لم يكن الانحراف في النص، ولا في النموذج النبوي، بل في إسقاط منطق الدولة المتغلبة على خطاب الدين.
فماذا يعني هذا اليوم؟
يعني أن الدفاع عن حرية الرأي ليس خروجًا عن السنة، بل عودة إليها. ويعني أن تجريم النقد ليس حفاظًا على الدين، بل خروجًا عن روحه.
في الحلقة القادمة، سنقترب أكثر من الدولة النبوية، ونسأل:
حرية الاعتقاد في دولة المدينة… كيف أُدار النبي صلى الله عله وسلم فكرة التعدد؟
يتبع…
القاهرة: الخامسةُ مساءً بتوقيتِ المحروسة.
