رأس الأفعى: محمود الأحمدي.. طالب الأزهر الذي دربته حماس لاغتيال النائب العام
الإثنين 02/مارس/2026 - 08:52 ص
طباعة
حسام الحداد
مع حلول ذكرى الثاني عشر من رمضان، لا تكتفي الذاكرة الجمعية المصرية باستحضار صدى ذلك الانفجار الهائل الذي هز أرجاء مصر الجديدة في صيف عام 2015؛ بل تستعيد معها تفاصيل خيوط تلك الشبكة المعقدة التي طالت حياة النائب العام هشام بركات. في قلب هذا الحدث التاريخي، يبرز اسم "محمود الأحمدي" كواحد من أكثر الشخصيات إثارة للجدل، ذلك الطالب الأزهري الذي انزلق من مقاعد الدراسة إلى وحل العمليات النوعية، ليصبح اسماً محفوراً في سجلات القضايا التي أدمت الرأي العام وأحدثت زلزالاً في أروقة المحاكم.
ومع تصاعد الاهتمام الدرامي بتوثيق هذه الحقبة، جاء مسلسل "رأس الأفعى"، الذي عُرض عبر شاشة "ON دراما"، ليعيد تسليط الضوء على ملامح هذه القضية الشائكة. إن هذا البروفايل لا يسرد مجرد "قصة إعدام"، بل يحاول تفكيك سيرة تحولٍ جذري؛ من شاب كان يحلم بفك طلاسم اللغات، إلى "محمدي" الحركي، وصولاً إلى تلك اللحظة التي وقف فيها بملابس السجن البيضاء ليصرخ في وجه القاضي بصوتٍ اخترق جدران القاعة: "إحنا اتعذبنا بكمية كهرباء تكفي مصر 20 سنة". في هذه الذكرى، نُعيد قراءة القصة الكاملة لمحمود الأحمدي.. من حلم الجامعة إلى كابوس المقصلة، في رحلةٍ تتقاطع فيها الحقيقة بالدراما، وتتحول فيها لغة الحروف إلى لغة بارود ودم.
الجذور.. رصاصة "رابعة" ونقطة التحول
لم تكن نشأة محمود عبد الرحمن علي وهدان، ابن قرية "كفر السواقي" بمركز أبو كبير في محافظة الشرقية، توحي لأهل قريته بأن هذا الشاب الهادئ سيقطع يوماً المسافة بين قاعات المحاضرات في جامعة الأزهر وميادين العمليات المسلحة. كان محمود طالباً في كلية اللغات والترجمة، يغوص في تعقيدات اللغتين العبرية والتركية، وهو مسار أكاديمي كان يفتح أمامه آفاقاً مستقبلية واعدة. إلا أن هذا المسار الأكاديمي كان يوازيه مسار آخر في منزله؛ إذ كان شقيقه "محمد" قد سبقه في الانخراط في أيديولوجيا متشددة، مما جعل البيئة المحيطة بمحمود مشحونة بأفكار استقطابية، وفرّت أرضية خصبة لتحوله الفكري وتماهيه تدريجياً مع نهج جماعة الإخوان المسلمين، متأثراً بخطى شقيقه الذي انتهى به المطاف ليواجه هو الآخر حكماً بالإعدام في القضية ذاتها، قبل أن يُخفف لاحقاً إلى السجن المؤبد.
أما اللحظة الفاصلة التي مزقت حجاب حياته السابقة وأعلنت ولادة الشخصية الراديكالية، فقد كانت في اعتصام "رابعة العدوية". هناك، لم يكن محمود مجرد مشارك في الحشود، بل تحولت التجربة إلى "صدمة تأسيسية" بعد أن استقرت رصاصة في ظهره، لتصبح تلك الإصابة الجسدية بمثابة نقطة القطيعة النهائية مع حياته كطالب علم. من تلك اللحظة، استحال الوجع دافعاً للثأر، والسياسة إلى صراع وجودي؛ حيث انتقل محمود من ساحات التظاهر السلمي إلى غياهب "لجان الإرباك" التي استهدفت تعطيل مفاصل الدولة، مُستبدلاً كتب اللغات بكتيبات تصنيع العبوات، ومُحولاً طاقته الجامعية نحو تنفيذ مخططات عنيفة، منهياً بذلك فصله كطالب ليفتح فصلاً جديداً كأحد أخطر عناصر التنظيم الميداني.
رحلة "الصحراء" وغرف العتمة في غزة
في سبتمبر 2014، بدأت الرحلة الأخطر في حياة محمود الأحمدي، وهي رحلة لم تكن بدافع السياحة أو المغامرة، بل كانت انعطافة نحو التدريب النوعي العنيف. اختار محمود مساراً وعراً عبر الصحراء للوصول إلى قطاع غزة، متفادياً شبكات الأنفاق التقليدية، ليجد نفسه في منطقة "بيت حانون" شمال شرق القطاع. هناك، في أجواء من السرية التامة والخوف، وجد نفسه وجهاً لوجه مع عناصر من كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، ملثمين لا يُعرف منهم سوى أسماء حركية مثل "أبو الوليد" و"أبو إبراهيم". على مدار شهر ونصف، خضع الأحمدي لبرنامج تدريبي مكثف صُمم لصناعة "مقاتل" من طراز مختلف، حيث انتقلت مهاراته من فك شفرات اللغات التي درسها في الجامعة إلى تفكيك وتركيب السلاح، وفهم الكيمياء القاتلة للمتفجرات.
تحت إشراف مباشر من "أبو عمر"، الضابط في جهاز مخابرات حماس، بدأت أصابع محمود التي اعتادت على قلم الدراسة تتقن مهارات مزج "بروكسيد الأسيتون" و"نترات الأمونيوم"، وهي مواد شديدة الانفجار. لم ينتهِ الأمر بانتهاء فترة التدريب؛ فبعد عودته إلى مصر، تحولت شقته ومزارع في الشرقية إلى معامل سرية لتصنيع المتفجرات، حيث نقل محمود الخبرات التي تلقاها إلى خلايا أخرى عبر دورات داخلية. استمرت "غرف العتمة" الافتراضية في ممارسة عملها، حيث ظل "أبو عمر" يتابعه عبر تطبيق "لاين"، مقدماً استشارات تقنية لحظة بلحظة كأنه يدير عملية جراحية عن بُعد، محولاً الشاب الذي كان يدرس لغات الجيران إلى مهندس للموت يعمل في صمت.
29 يونيو.. اللحظة التي توقف فيها الزمن
في صباح التاسع والعشرين من يونيو 2015، كانت شوارع مصر الجديدة تشهد هدوءاً يسبق العاصفة، بينما كان محمود الأحمدي، الذي اتخذ من "محمدي" اسماً حركياً له، يقف على بعد خمسين متراً من مسرح العملية. لم تكن هذه اللحظة وليدة صدفة، بل كانت تتويجاً لشهور من المراقبة المضنية والملاحقة الدقيقة لموكب النائب العام هشام بركات، حيث أتقن محمود وخلية "الجبهة الدفاعية" التابع لها رصد كل تفاصيل التحرك. في تلك اللحظة، كانت سيارة "شيفروليه أفيو" الرابضة في الانتظار تحمل في جوفها أكثر من خمسين كيلوغراماً من المتفجرات، التي نُسقت بعناية فائقة في مزارع الشرقية وشقق الشيخ زايد، لتتحول تلك السيارة العادية إلى أداة دمار شامل ستُغير مجرى الأحداث في تلك الظهيرة الرمضانية.
وقبل أن تضغط أصابعه على زر جهاز التحكم عن بُعد، أرسل محمود رسالة أخيرة محفوفة بالتوتر إلى شقيقه، كتب فيها: "ادعي لي، أنا في خطر وممكن مرجعش"، وهي كلمات كانت تعكس انحباس الأنفاس قبل اللحظة الفاصلة. وبمجرد مرور الموكب، ضغط "محمدي" على زر التفجير، لتتحول السيارة إلى كرة من اللهب، وتهتز أرجاء المنطقة تحت وطأة الانفجار العنيف. وفي أعقاب الغبار الذي غطى المكان، أرسل رسالته الثانية التي حملت في طياتها بروداً أيديولوجياً صادماً، معلناً: "يبدو أن النائب العام يُحاسب عند ربه"، لتنتهي بذلك تلك العملية التي طبعت مسار محمود كأحد أبرز منفذي الاغتيالات في تلك الحقبة، تاركة خلفها مشهداً دامياً صدم الشارع المصري.
السقوط.. حين كان يبحث عن أخيه
في لحظة مفارقة تراجيدية وكأن القدر يسوقه إلى نهايته المحتومة بيده، شهد يوم 22 فبراير 2016 فصلاً غريباً في حياة محمود الأحمدي. ففي صباح ذلك اليوم، لم يكن محمود يخطط للهروب أو التخفي كما قد يُتوقع ممن تورط في عمليات بحجم اغتيال النائب العام، بل توجه إلى "دار القضاء العالي" في قلب القاهرة، مدفوعاً بلهفة أخوية للبحث عن شقيقه "محمد" الذي انقطعت أخباره. وحينما كان محمود، برفقة صديقه "إسلام مكاوي"، يخطو بثقة في أروقة العدالة ليُبلغ عن اختفاء أخيه، كانت العيون الأمنية -التي كانت تطارده بصمت منذ أشهر- حاضرة في المكان، لتتحول أروقة القضاء التي قصدها "شاكياً" إلى مصيدة لـ"مطلوب"، حيث أُلقي القبض عليهما فوراً، لتنتهي رحلة "محمدي" الميدانية ويبدأ فصل المحاكمة والمصير المظلم خلف القضبان.
تتابعت الأحداث:
بعد القبض عليه، بدأت دواليب العدالة تدور بوتيرة متسارعة، لتتوج في يوليو 2017 بصدور حكم الإعدام بحقه ضمن ثمانية وعشرين متهماً، وهو الحكم الذي حصنته محكمة النقض نهائياً في نوفمبر 2018، مغلقة بذلك باب الأمل الأخير في النجاة. لكن في ذاكرة تلك المحاكمة، بقي مشهد واحد هو الأكثر حيوية وصدماً؛ حين وقف الأحمدي أمام منصة القضاء لا ليطلب الرأفة، بل ليصرخ في وجه التهم الموجهة إليه، متحدياً الرواية الأمنية برمتها. لقد كانت لحظة فارقة حين هتف بصوتٍ مخنوق بالمرارة: "اديني صاعق كهرباء وأنا أخلي أي حد يعترف إنه قتل السادات.. إحنا اتعذبنا بكمية كهرباء تكفي مصر 20 سنة"، محولاً قفص الاتهام إلى منصة شهادة على ما اعتبره "انتزاعاً قسرياً" للاعترافات، وهي اللحظة التي خلدت اسمه في أذهان المتابعين كرمز لجدلٍ قانوني وحقوقي محتدم حول شرعية الأدلة والاعترافات.
ومع بزوغ فجر العشرين من فبراير 2019، طويت الصفحة الأخيرة في هذا الملف الدامي، حيث نُفذ حكم الإعدام شنقاً في الأحمدي ورفاقه الثمانية، ليسدل الستار رسمياً على حياة شابٍ لم تكن بداياته توحي أبداً بهذه النهاية. إن القصة هنا تتجاوز كونها مجرد "قضية إعدام"؛ إنها سيرة تراجيدية لشابٍ كان يطمح لفك طلاسم اللغات في أروقة جامعة الأزهر، فإذا به ينتهي وقد استبدل قلمه وصحائفه بأدواتٍ للموت، محولاً لغته الوحيدة إلى لغة البارود والدم. لقد رحل محمود الأحمدي، تاركاً خلفه تساؤلات حزينة عن ذلك المسار الذي سلكه، والذي حول طالباً جامعياً واعداً إلى رقمٍ في مأساة وطنية تركت ندوباً عميقة في ذاكرة مصر الحديثة.
