العلم قتل خامنئي.. فاينانشال تايمز اختراق كاميرات مرور طهران سهل الاغتيال

الثلاثاء 03/مارس/2026 - 09:59 ص
طباعة العلم قتل خامنئي.. روبير الفارس
 
أثار ما نشرته صحيفة فاينانشال تايمز حول عملية اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي جدلاً واسعاً، ليس فقط بسبب طبيعة العملية، بل لما كشفه من توظيفٍ عميقٍ للعلم والتكنولوجيا في إدارة الصراعات الحديثة. فبحسب التقرير، لم تكن العملية وليدة لحظة عسكرية عابرة، بل ثمرة سنوات من العمل الاستخباراتي القائم على تحليل البيانات الضخمة، واختراق أنظمة المراقبة، وتوظيف الخوارزميات المعقدة لبناء ما يُعرف في عالم الاستخبارات بـ"نمط الحياة" للأهداف المرصودة.
الرواية الصحفية تشير إلى أن اختراق كاميرات المرور في طهران من قبل جهاز الموساد الإسرائيلي لم يكن هدفه المتابعة اللحظية فحسب، بل جمع بيانات تراكمية عن تحركات الحراس الشخصيين، وأماكن ركن سياراتهم، ومساراتهم اليومية، وساعات عملهم. هذه التفاصيل التي قد تبدو عادية في ظاهرها، تتحول عبر الذكاء الاصطناعي وتحليل الأنماط إلى خريطة دقيقة للسلوك البشري، تسمح بتحديد اللحظة الأكثر هشاشة والأكثر ملاءمة للتنفيذ. وهنا يظهر العلم بوصفه قوة مضاعِفة، لا تعتمد فقط على السلاح، بل على المعلومات، والمعالجة الرقمية، والقدرة على الربط بين آلاف المعطيات في زمن قياسي. هذا هو العلم الحقيقي وليس علم المعمون الذين يستحلون لقب علماء لأنهم يحفظون ويرددون سطور الكتب الصفراء.
لقد تغيرت طبيعة الحروب جذرياً؛ فالمواجهة لم تعد ميدانية بحتة، بل أصبحت معركة عقول وخوارزميات وشبكات اتصالات. التفوق لم يعد يُقاس بعدد الطائرات أو الصواريخ فقط، بل بامتلاك منظومات تحليل بيانات متقدمة، وبنية تحتية سيبرانية قادرة على الاختراق والرصد والتنبؤ. في هذا السياق، يصبح العلم – في صورته التطبيقية المرتبطة بالأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي – أداة حسم استراتيجي.
غير أن الوجه الآخر لهذه القصة يسلّط الضوء على فجوة علمية مقلقة في العالم العربي. فبينما تستثمر دول متقدمة مليارات الدولارات في أبحاث الذكاء الاصطناعي، والأمن الرقمي، وتحليل البيانات، ما تزال غالبية الدول العربية تعاني من ضعف الإنفاق على البحث العلمي، وهجرة العقول، وغياب التكامل بين الجامعات ومؤسسات الدولة الاستراتيجية. كثير من بنيتنا التحتية الرقمية تعتمد على تقنيات مستوردة، وغالباً دون تطوير محلي حقيقي أو قدرة مستقلة على الحماية المتقدمة.
إن التنديد هنا لا ينصب على حدث بعينه بقدر ما يوجَّه إلى حالة عامة من القصور العلمي. فالعلم ليس ترفاً أكاديمياً، بل هو ركيزة سيادة وأمن. ومن لا يمتلك أدوات المعرفة الحديثة، يجد نفسه مكشوفاً في عالم تحكمه البيانات وتديره الخوارزميات. إن الفجوة الرقمية ليست مجرد فارق تقني، بل فارق في موازين القوة.
حادثة اغتيال  خامنئي– كما عُرضت – تكشف أن الصراع في القرن الحادي والعشرين يُدار في المختبرات بقدر ما يُدار في غرف العمليات العسكرية. ومن هنا، فإن أي مشروع نهضوي عربي جاد لا بد أن يضع البحث العلمي، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني في صدارة أولوياته، لا كشعارات، بل كاستثمار استراتيجي طويل المدى.
فالدرس الأبرز ليس في تفاصيل الاغتيال، بل في حقيقة أن من يمتلك العلم يمتلك زمام المبادرة. ومن يتأخر علمياً، يدفع الثمن سياسياً وأمنياً.

شارك