"الإخوان" في مرصد الصحافة العالمية والعربية.. عاصفة تصنيفات من واشنطن إلى الخرطوم.
الأربعاء 11/مارس/2026 - 12:21 م
طباعة
حسام الحداد
استيقظت الأوساط السياسية والإعلامية اليوم، 11 مارس 2026، على وقع تحولات دراماتيكية أعادت رسم خارطة التعامل الدولي مع جماعة الإخوان المسلمين، حيث هيمنت أخبار التنظيم الدولي وفروعه الإقليمية على صدارة العناوين في كبريات الصحف العربية والأجنبية. ويأتي هذا الزخم الإعلامي مدفوعاً بقرار مفصلي من الإدارة الأمريكية يقضي بتصنيف فرع الجماعة في السودان كمنظمة إرهابية، وهي الخطوة التي لم تكن مجرد إجراء قانوني معزول، بل كشفت عن شبكة معقدة من التقاطعات الجيوسياسية والعلاقات العابرة للحدود التي تربط الجماعة بأطراف إقليمية مثيرة للجدل، وعلى رأسها طهران، مما وضع التنظيم تحت مجهر الرقابة الدولية المكثفة.
وتعكس التغطيات الصحفية الواسعة لهذا اليوم حالة من الاستنفار في مراكز صنع القرار، حيث لم يقتصر التناول الإعلامي على رصد القرار الأمريكي فحسب، بل امتد ليشمل تحليل التداعيات الميدانية والسياسية لهذا "الحصار الدبلوماسي" المتنامي. فبين ترحيب عواصم عربية محورية، وتحليلات غربية تحذر من "محور عنف" جديد، وبين محاولات الجماعة لتصدير خطاب "الهروب إلى الأمام" عبر منصاتها الرسمية، يرسم هذا التقرير ملامح المشهد الراهن للجماعة التي تجد نفسها اليوم في مواجهة واحدة من أعقد فتراتها التاريخية، وسط تآكل حواضنها التقليدية وتزايد الضغوط لتفكيك بنيتها التنظيمية في أكثر من دولة عربية.
الزلزال الأمريكي.. تصنيف "إخوان السودان" منظمة إرهابية
أفردت الصحافة العربية الصادرة من الرياض ولندن مساحات واسعة لتحليل أبعاد القرار الأمريكي، حيث ركزت صحيفتا "عرب نيوز" و"الشرق الأوسط" على الترحيب العربي والدولي الواسع بهذه الخطوة. وأشارت "عرب نيوز" إلى أن هذا التصنيف جاء ثمرة تنسيق استراتيجي رفيع المستوى بين واشنطن والرياض، تجسد في الاتصال الهاتفي بين وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان ونظيره الأمريكي ماركو روبيو؛ حيث أكد الجانبان على ضرورة تجفيف منابع التمويل والدعم العسكري الذي تقدمه الجماعة للجيش السوداني، معتبرين أن هذا الدور يفاقم النزاع الداخلي ويقوض جهود السلام في السودان.
من جانبها، كشفت تقارير وكالتي "رويترز" و"يو إس نيوز" عن التفاصيل الإجرائية والأمنية للقرار، مؤكدة أنه سيدخل حيز التنفيذ الفعلي في 16 مارس 2026. وأوضحت الوكالتان أن إدارة الرئيس ترامب استندت في قرارها إلى تقارير استخباراتية تمتلك أدلة ملموسة على تورط الجماعة في تلقي تدريبات عسكرية ومساعدات لوجستية من الحرس الثوري الإيراني. هذا الربط جعل من الجماعة في المنظور الأمريكي طرفاً فاعلاً فيما يوصف بـ "محور العنف غير المقيد"، مما يمنح واشنطن صلاحيات واسعة لملاحقة أصول الجماعة وتجميد أرصدتها الدولية ضمن حملة أوسع لتغيير التوازنات في المنطقة.
وفي قراءة مغايرة للأبعاد السياسية، رأت شبكة "الجزيرة إنجلش" أن هذا التصنيف ليس مجرد إجراء قانوني، بل هو جزء من حملة جيوسياسية شاملة تستهدف تقويض نفوذ جماعات الإسلام السياسي في القارة الأفريقية برمتها. وأشارت الشبكة القطرية في تحليلها إلى أن هذا التوجه يضع العلاقات الأمريكية مع حلفاء إقليميين، مثل قطر وتركيا، أمام تحديات دبلوماسية جديدة، حيث يُنظر إلى القرار كأداة ضغط لتفكيك شبكات النفوذ التقليدية للجماعة، مما قد يعيد تشكيل خارطة التحالفات الدولية تجاه ملف الأزمة السودانية وملفات المنطقة الشائكة.
"مثلث الإخوان - إيران - السودان" في ميزان التحليل
لم يتوقف صدى القرار الأمريكي عند حدود التصنيف القانوني فحسب، بل امتد ليشمل قراءات جيوسياسية معمقة حول طبيعة التحالفات العابرة للحدود؛ حيث بثت قناة "سكاي نيوز عربية" سلسلة تقارير تحليلية سلطت الضوء على ما أسمته "تاريخ التحالفات السرية" بين جماعة الإخوان والحرس الثوري الإيراني. وأوضحت القناة أن التقارب بين الجانبين في السودان ليس وليد الصدفة أو نتاج الأزمة الحالية فقط، بل يمثل استراتيجية براغماتية طويلة الأمد تهدف من خلالها الجماعة إلى استغلال الأزمات الإقليمية لتعزيز نفوذها العسكري والسياسي، مؤكدة أن هذا "المثلث" بات يشكل تهديداً مباشراً لاستقرار الممرات المائية والأمن القومي العربي.
وفي سياق متصل، لفتت وكالة "أسوشيتد برس" (AP) إلى أن الضغط الدولي على التنظيم الدولي للإخوان المسلمين بات يشتد بشكل غير مسبوق، واصفة إياه بـ "حصار العزلة الدولية". وأشارت الوكالة في تقريرها إلى أن تصنيف فرع السودان كمنظمة إرهابية يأتي كحلقة في سلسلة إجراءات بدأت في يناير الماضي وشملت تصنيفات مماثلة لفروع الجماعة في (مصر، لبنان، والأردن)، مما يضيق الخناق الدبلوماسي والمالي على التنظيم. وخلصت الوكالة إلى أن هذه التحركات المتلاحقة تضع الجماعة في مواجهة خيارات مصيرية، في ظل تآكل حواضنها التقليدية وفقدانها للغطاء السياسي في عواصم كانت تعتبرها في السابق شريكاً أو لاعباً إقليمياً مقبولاً.
ردود فعل الجماعة (الهروب إلى الأمام)
في محاولة لامتصاص الصدمة وتصدير خطاب إعلامي بديل، سعت جماعة الإخوان المسلمين عبر منصتها الرسمية "إخوان أونلاين" إلى تبني مواقف إقليمية وصفت بأنها "هروب إلى الأمام". فقد أصدرت الجماعة بياناً لافتاً أدانت فيه التلويح بالحرب على إيران، محذرة من مغبة استهداف المنشآت المدنية في دول الخليج العربي حال اندلاع صراع عسكري. هذا الموقف الذي نقله موقع "إخوان أونلاين" قرأه مراقبون سياسيون ومحللون في "سكاي نيوز عربية" باعتباره تأكيداً ضمنياً لا يقبل اللبس على متانة التحالف البراغماتي بين الجماعة وطهران، ومحاولة صريحة لربط مصير التنظيم بالمحور الإيراني في مواجهة الضغوط الأمريكية المتزايدة.
وفي سياق البحث عن "انتصارات معنوية" لترميم صورتها أمام قواعدها، ركزت الماكينة الإعلامية للجماعة على الشأن الآسيوي؛ حيث أبرز موقع "إخوان أونلاين" برقية تهنئة مطولة وجهتها الجماعة إلى "الجماعة الإسلامية" في بنغلاديش بمناسبة ما وصفته بفوزها في الانتخابات الأخيرة. ووفقاً لتحليلات أوردتها وكالة "أسوشيتد برس"، فإن هذا الاحتفاء المبالغ فيه يهدف إلى بعث رسالة مفادها أن "المشروع الإسلامي" العابر للحدود لا يزال حياً وقادراً على تحقيق مكاسب سياسية، وذلك في محاولة للالتفاف على واقع العزلة والتضييق الأمني الذي يلاحق فروعها في الشرق الأوسط وأفريقيا عقب التصنيفات الإرهابية الأخيرة.
رصد ميداني (السودان والأردن)
شهدت الساحة السودانية حالة من الترقب والارتباك الميداني عقب صدور القرار الأمريكي، حيث رصدت منصات إخبارية محلية فاعلة مثل "دارفور الآن" وصفحات سودانية على فيسبوك (منها "راديو هيغيري أوروميا") تبايناً في ردود فعل التيارات الإسلامية. وأفادت هذه المصادر بوقوع احتجاجات محدودة في بعض المناطق، تزامنًا مع أنباء وتقارير متداولة حول إطلاق سراح قيادي إسلامي بارز، وهو ما اعتبره محللون محاولة من بعض الأطراف داخل السودان لترتيب الصفوف الداخلية لمواجهة تداعيات التصنيف الإرهابي، وسط نقاشات حادة حول مدى تأثير هذا القرار على مستقبل مشاركة الإسلاميين في المشهد العسكري والسياسي السوداني المعقد.
أما في الأردن، فقد أعاد القرار الأمريكي تسليط الضوء على قضية "الهوية السياسية" لجماعة الإخوان المسلمين، حيث أشارت صحيفة "الشرق الأوسط" في تقرير لها إلى عودة الضغوط الرسمية والشعبية الداعية لتصحيح المسار القانوني لحزب "جبهة العمل الإسلامي" (الذراع السياسية للجماعة في الأردن). وأوضحت الصحيفة أن هناك مطالبات متجددة بضرورة تغيير اسم الحزب وإزالة الدلالات الدينية والتنظيمية التي تربطه بـ "الجماعة الأم"، وذلك كخطوة استباقية لفك الارتباط الرمزي والهيكلي مع التنظيم الدولي، وتجنبًا لأي تداعيات قانونية أو سياسية قد تطال الحزب في ظل موجة التصنيفات الدولية الأخيرة التي استهدفت فروع الجماعة في المنطقة.
خلاصة التقرير:
يواجه تنظيم الإخوان المسلمين اليوم في 11 مارس 2026 واحدة من أعقد فتراته التاريخية؛ حيث تجتمع القوة القانونية الأمريكية مع الرفض الإقليمي العربي، والربط الأمني مع طهران، مما يضع الجماعة أمام خيارات ضيقة بين التفكك أو العمل السري التام.
