المرشد الجديد والطلقة الأولى: قراءة في خطاب "الثأر" لمجتبى خامنئي
الخميس 12/مارس/2026 - 05:51 م
طباعة
حسام الحداد
شهدت الساحة الإيرانية تحولاً دراماتيكياً في الثاني عشر من مارس 2026، بتعيين مجتبى خامنئي مرشداً أعلى للثورة الإسلامية، خلفاً لوالده في توقيت يوصف بالأخطر في تاريخ الجمهورية منذ تأسيسها. وجاءت الكلمة الأولى للمرشد الجديد كبيان عسكري بامتياز، حملت وعيداً بـ "الثأر" لقتلى المواجهات مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ومطالبة صريحة بإغلاق مضيق هرمز والقواعد الأمريكية في المنطقة، مما يضع الإقليم أمام مرحلة ضبابية تتأرجح بين التصعيد الشامل والرغبة في فرض شروط تفاوضية جديدة.
إن هذا الصعود لمجتبى خامنئي إلى سدة الهرم السلطوي لا يمثل مجرد انتقال للولاية، بل هو تدشين لمرحلة "الردع الخشن" التي تسعى من خلالها طهران لترميم جبهتها الداخلية وتأكيد سيطرتها على أوراق القوة الإقليمية. وفي السطور التالية، نستعرض قراءتين تحليليتين لأبعاد هذا الخطاب، ترصد الأولى الجوانب الشكلية والحركية من منظور خبير في شؤون الإسلام السياسي، بينما تغوص الثانية في العمق الاستراتيجي لإدارة الصراع وتوازنات القوة.
قراءة في الشكل والمضمون: رؤية الباحث طارق أبو السعد
يقدم الباحث في حركات الإسلام السياسي، الأستاذ طارق أبو السعد، تشريحاً دقيقاً لرسالة المرشد من حيث توقيتها ودلالاتها الحركية حيث لخص رؤيته عبر صفحته الشخصية على الفيس بوك في النقاط التالية:
1- الرسالة مكتوبة وتم قراءتها على الهواء ( فلا صوت ولا صورة للمرشد الاعلي وهو يوجه اهم خطاب له على الاطلاق )
2- توقيت الخطاب ( موجه للدول العربية وللشعب الايراني فهو قبل ساعة من الان تقريبا يعني في ذروة المشاهدة ولا يخاطب به الشعب الامريكي او المؤسسات الاعلامية فارق التوقيت اكثر من سبع ساعات
ثانيا من حيث المضمون
1- تكرار لفكرة انه لم يكن يعلم اختياره لهذه المهمة وانها جاءته مرغما ( كررها والده قبل 37 وهي ذات الفكرة الاصولية في الفكر الاسلامي بان من يطلب الولاية لا يولى ومن تاتيه يعينه الله عليها )
2- محور المقاومة جزء لا يتجزأ من قيم الثورة الإسلامية ( ايران / غزة حماس / الحشد الشعبي العراق / حزب الله لبنان/ الحوثيين في اليمن / ألوية الحق في الجزيرة العربية )
3- إيران ستطالب بالتعويض من أعدائها أو ستدمر أصولهم ( نية للتفاهم والمفاوضات وقبول الدية في الخسائر )
4- نؤمن بالصداقة مع الجيران ولا نستهدف إلا القواعد العسكرية وسنواصل ذلك حتما (قبل 24 ساعة ألوية الحق تعلن :نستهدف المحطة النووية للامارات يعني استمرار الحرب الجانبية الموازية للحرب مع امريكا )
5- يجب الاستمرار في إغلاق مضيق هرمز كأداة للضغط على العدو ( ضغط لقبول المفاوضات وبشروط ايران )
6- دعا للمشاركة في يوم القدس ( ابتزاز عاطفي للعرب وكأنه يدافع عن القدس والمسجد الاقصى لضمان ارتفاع شعبيته)
7- دعا الشعب الايران بالوحدة والتماسك ( طبيعي جدا في هذه المرحلة نظرا لتعدد القوميات وما شهدته ايران من احتجاجات داخلية طوال عام ترفض حكم الملالي )
استراتيجية الردع والبدائل: رؤية الدكتور محمد ثروت
ومن زاوية التحليل الاستراتيجي والسياسي، يقدم الدكتور محمد ثروت قراءة في الأبعاد الجيوسياسية للخطاب ومنطق "المعاملة بالمثل" حيث قال:
يحمل الخطاب المنسوب إلى السيد مجتبى خامنئي طابعًا تعبويًا واضحًا، ويعكس أسلوبًا يعتمد على الرسائل غير المباشرة أكثر من الظهور العلني. هذا النمط يذكّر بأسلوب مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني حين كان يبعث رسائل سياسية من منفاه في باريس قبل انتصار الثورة الإيرانية 1979، حيث كانت الرسائل المكتوبة أو المسجلة وسيلة لبناء الزخم السياسي والتعبئة الأيديولوجية.
1. طبيعة الخطاب: رسالة ردع لا إعلان حرب
العبارة المنسوبة إليه:
"إذا استمر الوضع الحربي سيتم تفعيل جبهات لا يملك العدو فيها خبرة"
يمكن قراءتها في إطار استراتيجية الردع غير المتماثل التي تعتمدها إيران منذ عقود، أي التلويح بتوسيع ساحات الصراع عبر شبكات حلفائها الإقليميين، وليس بالضرورة إعلان حرب شاملة.
2. توسيع نطاق الصراع
يشير الخطاب إلى احتمال فتح جبهات متعددة، وهو ما يتوافق مع مفهوم "وحدة الساحات" الذي تتبناه القوى المرتبطة بإيران في المنطقة. في هذا السياق يظهر دور أطراف مثل: العراق، اليمن
وهي مناطق ترتبط فيها جماعات مسلحة أو حركات سياسية بمحور النفوذ الإيراني.
3. الضغط على دول الخليج
تحليل استهداف البنية التحتية للطاقة أو القواعد العسكرية يشير إلى محاولة رفع تكلفة الصراع على خصوم إيران، خصوصًا في منطقة الخليج، بما يشمل دول مجلس التعاون الخليجي.
وفي هذا السياق تبرز حساسية وضع دول وسيطة مثل سلطنة عمان التي غالبًا ما تلعب دور الوسيط بين طهران والغرب.
4. منطق "المعاملة بالمثل"
الفقرة المتعلقة بـ الحصول على التعويضات أو تدمير ممتلكات العدو تعكس مبدأ الرد بالمثل في الصراع، خصوصًا بعد استهداف منشآت حساسة مثل: المنشآت النووية، السفن الحربية، ناقلات النفط
وهو خطاب يندرج ضمن الحرب النفسية والردع الاستراتيجي أكثر من كونه صيغة قانونية للتعويض.
الخلاصة
يمكن فهم الخطاب في إطار ثلاثة أهداف رئيسية:
تعزيز الردع عبر التلويح بتوسيع الصراع.
طمأنة الحلفاء الإقليميين وإظهار استمرار شبكة النفوذ.
رفع كلفة المواجهة على الخصوم اقتصاديًا وأمنيًا.
وبالتالي فإن الخطاب أقرب إلى رسالة سياسية استراتيجية منه إلى إعلان مباشر لحرب عالمية، رغم أن لغته الحادة تعكس مستوى مرتفعًا من التوتر في البيئة الإقليمية.
الخاتمة
في المحصلة، يبدو أن خطاب مجتبى خامنئي لم يكن مجرد تدشين لعهده الجديد، بل هو "مانيفستو" لمرحلة قادمة من الصراع المفتوح على كافة الجبهات. وبينما ركزت القراءات التحليلية على رمزية الغياب البصري للمرشد والاعتماد على الرسائل المكتوبة، يظل التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة طهران على ترجمة تهديدات "الثأر" وتعويضات "الأصول المدمرة" إلى واقع سياسي دون الانزلاق إلى مواجهة كبرى قد لا تحتملها التوازنات الداخلية الهشة. إن المنطقة اليوم أمام مرشد يسعى لاكتساب شرعيته من فوهة المدافع، وخصوم يترقبون الخطوة التالية في رقعة شطرنج إقليمية بالغة التعقيد.
