النفوذ الإيراني في مهب التحولات.. نهاية مرحلة الوكلاء

الإثنين 13/أبريل/2026 - 01:31 م
طباعة النفوذ الإيراني في فاطمة عبدالغني
 
في ظل التصعيد الإقليمي المتسارع منذ هجوم 7 أكتوبر، وما تبعه من مواجهات ممتدة بين إسرائيل ووكلاء إيران، ثم الانخراط الأمريكي المباشر في ضرب هذه الشبكات، بات واضحًا أن بنية النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط تمر بمرحلة إعادة تشكيل عميقة. لم تعد المعادلات القديمة—القائمة على الحروب غير المباشرة وأذرع النفوذ—قادرة على الصمود بذات الفاعلية، وهو ما يسلط عليه الضوء تقرير مركز بلفير للعلوم والشؤون الدولية، الذي أعدّته الباحثة لينا الخطيب، تحت عنوان "تدهور نموذج الوكلاء الإيراني".

ينطلق التقرير من فرضية أساسية مفادها أن الاستراتيجية التي اعتمدت عليها طهران لعقود—والمتمثلة في توسيع النفوذ عبر دعم جماعات مسلحة غير حكومية—لم تعد تحقق أهدافها، بل تحولت تدريجيًا إلى عبء استراتيجي. هذا "النموذج"، الذي كان يُعرف بقدرته على منح إيران عمقًا إقليميًا وتوازن ردع غير مباشر، بات اليوم يعاني من تآكل متسارع نتيجة ضغوط مركبة عسكرية ومالية واستخباراتية، إلى جانب تراجع القبول الشعبي لتلك الجماعات في بيئاتها المحلية.

ويشير التقرير إلى أن هجوم 7 أكتوبر مثّل نقطة تحول حاسمة، إذ أعقبه تنسيق أمريكي-إسرائيلي متعدد المستويات استهدف تفكيك هذه الشبكات بشكل منهجي. لم تقتصر المواجهة على الضربات العسكرية، بل امتدت إلى استهداف مصادر التمويل، وتعطيل شبكات الدعم اللوجستي، واختراق البنى الاستخباراتية، ما أدى إلى إضعاف قدرة هذه الجماعات على العمل كمنظومة مترابطة تخدم الأهداف الإيرانية. وبحسب التقييم، فإن ما يحدث يتجاوز مجرد “تكيف” تكتيكي، ليعكس تدهورًا بنيويًا في بنية هذا النموذج.

على المستوى الميداني، يرصد التقرير مظاهر هذا التراجع عبر عدد من الساحات الرئيسية.
حزب الله اللبناني
يواجه حزب الله ضغوطًا غير مسبوقة، سواء من حيث الخسائر العسكرية واستهداف قياداته، أو من زاوية تآكل شرعيته الداخلية في ظل تحميله مسؤولية جانب من الانهيار الاقتصادي. كما أسهمت الضربات الإسرائيلية وفقدان بعض العمق الاستراتيجي في سوريا في تقليص هامش حركته الإقليمي.

جماعة الحوثي
فيبدو أن جماعة الحوثي، رغم محاولتها توسيع دورها عبر الانخراط في تداعيات حرب غزة، قد وجدت نفسها أمام كلفة عسكرية وسياسية مرتفعة. العمليات الدولية المضادة أضعفت قدراتها، فيما تتزايد الضغوط المالية والعزلة الدبلوماسية، ما يدفعها تدريجيًا نحو التركيز على الداخل بدل الانخراط في أدوار إقليمية أوسع.
الفصائل المسلحة في العراق
وفي العراق، يكشف التقرير عن حالة من التشرذم داخل الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، حيث تتصاعد الخلافات البينية، وتتجه بعض هذه الجماعات إلى تغليب مصالحها السياسية والاقتصادية داخل الدولة على حساب الانخراط في أجندات إقليمية. هذا التحول يعكس، في جوهره، تراجع قدرة طهران على إدارة هذه الشبكات بشكل مركزي ومتماسك.

ويخلص التقرير إلى أن المنطقة تشهد انتقالًا من نموذج "الدفاع المتقدم" الذي اعتمد على الوكلاء، إلى حالة من "الهشاشة المنهجية"، حيث لم تعد هذه الأدوات توفر لإيران مستوى الردع ذاته. 
هذا التحول يفتح، من ناحية، فرصًا لإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة في دول مثل لبنان والعراق، ويدعم احتمالات الدفع نحو تسويات سياسية في اليمن، لكنه في المقابل ينطوي على مخاطر حقيقية، أبرزها احتمالات الفراغ الأمني وتفكك الجماعات المسلحة إلى كيانات أكثر فوضوية.

في محصلته النهائية، يقدّم التقرير قراءة مفادها أن الشرق الأوسط يتجه نحو مرحلة "ما بعد الوكلاء"، حيث ستُعاد صياغة النفوذ الإقليمي على أسس مختلفة، تتقدم فيها قدرات الدول ومؤسساتها، إلى جانب القوة الاقتصادية والتفوق الاستخباراتي، على حساب شبكات النفوذ غير النظامية.

ويرى المراقبون أن هذا التحول، رغم ما يحمله من فرص لإعادة التوازن، لن يكون سلسًا أو سريعًا، إذ إن تفكك نموذج الوكلاء قد يفتح الباب أمام موجات جديدة من عدم الاستقرار، ما لم يُواكب بإعادة بناء فعّالة لمؤسسات الدولة واحتواء الفاعلين المسلحين ضمن أطر قانونية وسياسية واضحة.

شارك