خارطة الطريق الصعبة.. الدكتور عبد الرحيم علي يحدد 4 خطوط حمراء لاستقرار المنطقة

الثلاثاء 14/أبريل/2026 - 11:31 ص
طباعة خارطة الطريق الصعبة.. حسام الحداد
 
يأتي الحوار الاستثنائي للمفكر السياسي الدكتور عبد الرحيم علي والمذاع عبر شاشة "إكسترا نيوز" مساء 13‏ ابريل 2026 في توقيت بالغ الحساسية، حيث تقف منطقة الشرق الأوسط أمام مفترق طرق تاريخي بين مساعي الدبلوماسية المتعثرة ونذر المواجهة العسكرية الوشيكة. وقد نجح الدكتور عبد الرحيم علي في تفكيك المشهد الراهن، واضعاً إياه في سياقه الصحيح كجزء من "حرب مفتوحة" وشاملة، لا تقتصر أدواتها على السلاح فحسب، بل تمتد لتشمل الضغوط الاقتصادية القصوى والمناورات السياسية المعقدة بين واشنطن وطهران، وهو ما يعكس قراءة عميقة للتحولات الجيوسياسية التي أعادت تشكيل موازين القوى في المنطقة خلال الأشهر الأخيرة.
ويرسم هذا الحوار خارطة طريق لفهم مآلات الصراع المتصاعد، حيث يرى "علي" أن المواجهة الراهنة تجاوزت منطق الأحداث المنفصلة لتصبح صراعاً على "قواعد النظام الإقليمي" الجديد. فبينما تستخدم الولايات المتحدة أدوات "الخنق الاقتصادي" العسكري لإجبار طهران على الانكفاء، تحاول الأخيرة المناورة عبر تحريك أذرعها الإقليمية والتلويح بأمن الملاحة الدولية. هذا الاشتباك المباشر والرسائل المتبادلة بين الطرفين يضع المشاهد أمام تحليل واقعي يبتعد عن التكهنات، ليغوص في عمق الاستراتيجيات التي تديرها القوى الكبرى والإقليمية في واحدة من أعقد أزمات القرن الحادي والعشرين.

تحليل السيناريو "الأسوأ" (الحصار والخنق الاقتصادي)
أكد الدكتور عبد الرحيم علي في معرض تحليله لمآلات التصعيد، أن المنطقة لم تعد على أعتاب السيناريو الأسوأ، بل إنها تعيش في قلبه بالفعل، مشيراً إلى أن سياسة "الخنق" التي ينتهجها دونالد ترامب أحدثت تحولاً جذرياً في قواعد الاشتباك. وأوضح أن العقوبات الحالية تجاوزت صيغتها التقليدية المعتمدة على ملاحقة الحسابات البنكية، لتتحول إلى "قوة عسكرية ميدانية" تباشر تفتيش السفن وتجفيف منابع تهريب النفط بالقوة، وهو ما يراه "علي" تغييراً جوهرياً يهدف إلى حرمان النظام الإيراني من أي هوامش للمناورة الاقتصادية.
وأضاف رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط أن الهدف الاستراتيجي من هذا الحصار المحكم هو الوصول بالداخل الإيراني إلى حالة "الشلل التام"، حيث يعجز النظام عن سداد الرواتب أو تشغيل المرافق الأساسية كالكهرباء والمياه، مما يدفع الشارع للانفجار من الداخل. كما أشاد "علي" بما وصفه بـ"ذكاء المناورة الأمريكية" في إقامة الحجة على طهران دولياً؛ إذ ركز ترامب ضغوطه على ملفين يحظيان بإجماع عالمي وهما السلاح النووي وتأمين الملاحة في مضيق هرمز، متجاوزاً بذلك مؤقتاً ملفات الأذرع العسكرية والصواريخ الباليستية لكسب شرعية دولية تضع القوى الكبرى، بما فيها الصين، في موقف الداعم للإجراءات الأمريكية أو الصامت عنها على أقل تقدير.

أزمة الأذرع الإقليمية (لبنان نموذجاً)
وانتقل الدكتور عبد الرحيم علي في تحليله إلى الجبهات المشتعلة، مسلطاً الضوء على "أزمة الأذرع الإقليمية" ومعضلة المواجهة في لبنان، حيث قدم رؤية نقدية لمفهوم "الإنهاء العسكري" الذي تروج له القيادة الإسرائيلية. وأكد "علي" أن محاولة القضاء على تنظيمات عقائدية مسلحة مثل حزب الله أو حماس "للمرة واحدة وإلى الأبد" هي ضرب من المستحيل من الناحية العملية، مستشهداً بالتاريخ العسكري المرير لإسرائيل في الجنوب اللبناني؛ إذ جرب نتنياهو والقيادات التي سبقته الخيار العسكري على مدار عقود (في الأعوام 2000 و2006 وما بعدها)، ليخرج في كل مرة بنتيجة واحدة مفادها أن القوة العسكرية وحدها لا تنهي وجود هذه التنظيمات التي تتداخل مع البنية الاجتماعية والسياسية، بل قد تمنحها زخماً جديداً تحت مسمى المقاومة.
وفي سياق متصل، توقف "علي" عند الأبعاد النفسية والرمزية للصراع الحالي، مشيراً إلى معركة "بنت جبيل" كنموذج لصدام الإرادات و"حرب الرموز" بين الطرفين. واستعاد في حديثه مفارقة تاريخية؛ فبينما كانت هذه المدينة شاهداً على خطاب "خيط العنكبوت" الشهير لحسن نصر الله عام 2000، والذي وصف فيه إسرائيل بالوهن، يحاول نتنياهو اليوم من خلال التوغل في ذات المنطقة وتدمير جسورها إرسال رسالة مضادة مفادها أن إسرائيل "بيت من فولاذ" وليست بيت عنكبوت. وشدد "علي" على أن هذه المعارك، رغم ضراوتها الميدانية، تظل محكومة بصراع على الصورة الذهنية والردع، حيث يسعى كل طرف لترسيخ روايته التاريخية فوق تضاريس الجنوب المعقدة.

"الخطوط الحمراء" العربية والدولية
شدد الدكتور عبد الرحيم علي على أن أي تسوية سياسية قادمة لن يكتب لها النجاح ما لم تعالج أربعة ملفات مفصلية اعتبرها "خطوطاً حمراء" لا تقبل المساومة من وجهة نظر المجتمع الدولي ودول الخليج على حد سواء. ويأتي في مقدمة هذه الملفات "المعضلة النووية"، حيث يرى "علي" أن المطلب العربي والدولي تجاوز مجرد الرقابة إلى ضرورة منع التخصيب كلياً داخل الأراضي الإيرانية ونقل اليورانيوم المخصب إلى الخارج لضمان عدم العودة لنقطة الصفر. كما توقف بوضوح عند خطر "البرنامج الباليستي"، مؤكداً أن تطوير صواريخ بمديات تصل إلى 4000 كيلومتر وأكثر لم يعد مجرد شأن دفاعي، بل بات تهديداً مباشراً للعمق العربي والأوروبي، وهو ما يجعل من تقليص هذه المديات شرطاً أساسياً لأي تهدئة مستدامة.
وعلى صعيد النفوذ الإقليمي، أكد "علي" أن هناك رفضاً عربياً ودولياً قاطعاً لاستمرار حالة "اختطاف" القرار السيادي في عواصم عربية مثل بيروت وبغداد وصنعاء لصالح الأجندة الإيرانية، معتبراً أن رهن استقرار دول بأكملها لقرار "الوكلاء" هو أمر لم يعد مسموحاً به في الترتيبات الأمنية الجديدة للمنطقة. واختتم الضيف رؤيته بالتشديد على "أمن الملاحة" كخط أحمر رابع، موضحاً أن العالم لن يقبل بفرض "رسوم عبور" غير قانونية أو تحويل مضيق هرمز إلى أداة ابتزاز سياسي، مؤكداً أن هذه الملفات الأربعة تمثل "سلة واحدة"؛ إذ إن التغاضي عن أي منها يعني ببساطة تأجيل الصراع لا إنهاءه، والدخول في دورة قتال جديدة في مستقبل قريب.

السيناريو "المتفائل" وفرص الحل
رغم قتامة المشهد العسكري، أشار الدكتور عبد الرحيم علي إلى وجود "بصيص أمل" يلوح في الأفق من خلال تحركات دبلوماسية مكثفة تقودها أطراف إقليمية وازنة، وفي مقدمتها مصر وباكستان وتركيا، للحيلولة دون الانزلاق إلى صدام شامل. وكشف "علي" عن ملامح "مقايضة كبرى" قد تشكل أساساً لأي جولة مفاوضات قادمة؛ حيث تبلورت الرؤية حول إفراج الولايات المتحدة عن كامل الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج، مقابل التزام طهران بغلق المفاعلات وأجهزة الطرد المركزي ونقل المخزون المخصب للخارج، مع فرض رقابة صارمة تمتد إلى 20 عاماً لضمان عدم العودة للنشاط العسكري، وهو ما يراه الضيف مخرجاً قد يرضي الأطراف الباحثة عن تهدئة طويلة الأمد.
ومع ذلك، لم يغفل "علي" تسليط الضوء على "المعضلة الجوهرية" التي تعرقل هذا المسار، موضحاً أن النظام الإيراني لا يزال يتعامل مع الملف النووي بوصفه رمزاً لـ"الكرامة الوطنية" وأداة لا غنى عنها في مشروع الدولة، مما يجعل التنازل عنه قراراً مصيرياً شديد الصعوبة. وأضاف أن طهران بدأت تمارس "الهروب إلى الأمام" من خلال اختلاق أزمات جديدة لاستخدامها كأوراق ضغط، مثل التلويح بفرض رسوم أو إغلاق مضيق هرمز، وهي ملفات لم تكن مطروحة أصلاً على طاولة التفاوض التقليدية. واختتم "علي" تحليله بالتأكيد على أن لجوء إيران لتوظيف أمن الملاحة العالمية كمناورة للتفاوض على ملفاتها العسكرية جعل المفاوضات أكثر تعقيداً، واضعاً الوسطاء أمام تحدي الموازنة بين الحقوق السيادية للدول وأمن الطاقة العالمي.

الخاتمة
وفي المحصلة، تبرز الرؤية التحليلية للدكتور عبد الرحيم علي اتساماً بالواقعية السياسية الصارمة التي تتجاوز القراءات العاطفية، مرسخةً حقيقة أن "القتال ليس سوى جزء من الحرب، وليس الحرب كلها". وتظل الرسالة الأبرز لهذا الحوار هي أن الاستقرار المستدام في الشرق الأوسط لن يكتب له النجاح عبر "مسكنات" دبلوماسية أو اتفاقات جزئية هشة، بل يتطلب معالجة حاسمة لجذور الأزمة، وعلى رأسها إنهاء المشروع التوسعي والقدرات غير التقليدية لطهران، لضمان مستقبل آمن يمنع تجدد دورات العنف في المنطقة.

شارك