المشروع الأسود.. حينما تتحدث "أنابيب المصالح" في ذروة حروب الصواريخ
الثلاثاء 14/أبريل/2026 - 12:23 م
طباعة
حسام الحداد
يأتي كتاب "المشروع الأسود" للكاتبة سارة شريف في لحظة تاريخية فارقة، حيث تحول الصراع "المستتر" بين طهران وتل أبيب من حروب الظل والاغتيالات السيبرانية إلى مواجهة مباشرة وعلنية تكسر قواعد الاشتباك التقليدية. ففي ظل الانفجارات المتبادلة وضربات الصواريخ والمسيرات التي يشهدها عام 2026، تبرز الحاجة الملحة لفهم ما إذا كان هذا التصعيد هو نهاية لـ "اللعبة السوداء" التي يتحدث عنها الكتاب، أم أنه فصل جديد وأكثر دموية من فصول "تخادم المصالح" خلف الستائر الأيديولوجية. تنطلق الكاتبة من فرضية صادمة تجادل بأن الحقيقة غالباً ما تُذبح على عتبات الخطاب الثوري والوعيد العسكري، محاولةً تفكيك تلك المفارقة المحيرة: كيف لدولتين تتواعدان بالإبادة فجراً، أن تلتقي مصالحهما الاستراتيجية في ترتيبات إقليمية معقدة ليلاً؟
يربط الكتاب بذكاء بين هذا الصراع الراهن والجذور التاريخية العميقة، معتبراً أن ما نراه اليوم من صدام مسلح ليس سوى قمة جبل الجليد لمشروع يمتد لعقود. فبينما تشتعل الجبهات في لبنان وسوريا وتتساقط الصواريخ فوق المدن، تعود سارة شريف لتذكرنا بأن هذه القوى "المتعادية" تعتمد في شرعيتها الوجودية على وجود "العدو اللدود"؛ فإيران بحاجة لـ "البعبع الإسرائيلي" لتبرير نفوذها العسكري في العواصم العربية، وإسرائيل بحاجة لـ "الخطر الوجودي الإيراني" لضمان الوحدة الداخلية والدعم الغربي المطلق. هذا الربط يجعل من الكتاب مرجعاً حيوياً لقراءة أحداث الساعة، ليس كحرب دينية أو أيديولوجية فحسب، بل كعملية "ضبط زوايا" لموازين القوى في الغرف المظلمة التي تُدار منها شؤون الشرق الأوسط.
من التاريخ إلى "البراجماتية السوداء"
تأخذنا سارة شريف في رحلة بحثية تتجاوز القشور السياسية، حيث تعتمد منهجاً يزاوج بين السرد التوثيقي والتحليل المقارن، لتفكيك واحدة من أعقد علاقات الشرق الأوسط. ترفض الكاتبة الاكتفاء بقراءة المشهد من خلال الصواريخ والمسيرات الحالية، بل تعود بالقارئ إلى الجذور، وتحديداً إلى حقبة "الشاه"، لتشرح كيف تأسس "تحالف المحيط" الذي جعل من طهران الحليف الاستراتيجي الأقوى لإسرائيل. وتستعرض شريف أمثلة مفصلية تثبت أن هذه العلاقة لم تنقطع تماماً برحيل الشاه، بل تحولت إلى "قنوات خلفية"، مستشهدةً بوقائع تاريخية صادمة مثل صفقة "إيران - كونترا" في الثمانينيات؛ حيث تدفقت الأسلحة الأمريكية عبر وسيط إسرائيلي إلى قلب طهران في ذروة حربها مع العراق، وهو ما تعتبره الكاتبة الدليل الأبرز على أن لغة المصالح السرية قد تعلو فوق ضجيج العداء العلني.
أما فيما يخص عنوان الكتاب "المشروع الأسود"، فتقدم الكاتبة من خلاله نقداً بنيوياً عميقاً؛ فهي ترى أن العداء المعلن بين القطبين ليس مجرد صراع أيديولوجي، بل هو "وظيفة برغماتية" تخدم بقاء النظامين. وتضرب الكاتبة أمثلة حية لكيفية استغلال هذا التوتر؛ فإيران تستحضر "العدو الصهيوني" كغطاء أيديولوجي لتبرير تمددها الإقليمي وبناء ترسانتها العسكرية، بينما توظف إسرائيل "البعبع الإيراني" كفزاعة وجودية لضمان تدفق الدعم الغربي اللامتناهي وإسكات الأصوات المعارضة لسياساتها الأمنية. وبذلك، يخلص الكتاب إلى أن ما يجمعهما هو "تلاقي المصالح في صراع الهويات"، حيث يتحول هذا العداء إلى أداة لضبط التوازنات الداخلية والخارجية، مما يجعل بقاء "العدو" ضرورة استراتيجية لكليهما لاستمرار مشروعهما الخاص.
تفكيك الأيديولوجيا مقابل الواقع
يبرع الكتاب في تقديم مقارنة جريئة بين "العقيدة القومية اليهودية" و**"عقيدة ولاية الفقيه"**، مبيناً كيف يستخدم النظامان الدين كأداة براغماتية لشرعنة البقاء والحشد الجماهيري. وتضرب الكاتبة مثالاً صارخاً بملف "يهود إيران"؛ فبينما يرفع النظام الإيراني شعارات "الموت لإسرائيل"، فإنه يمنح اليهود الإيرانيين حقوقاً دينية ومقعداً في البرلمان، وهي مفارقة تفسرها سارة شريف بأنها "ورقة ضغط سياسية" ووسيلة للحفاظ على خيط رفيع مع الغرب وإسرائيل خلف الستار. وفي المقابل، توضح كيف توظف إسرائيل "البعبع الإيراني" لتعزيز الهوية اليهودية القومية وتبرير سياسات الاستيطان والتسلح تحت ذريعة "الخطر الوجودي"، مما يحول الأيديولوجيا من معتقد روحي إلى "درع سياسي" يخدم استمرار الأنظمة في السلطة.أما من الناحية النقدية، فبالرغم من نجاح الكتاب في كشف "تمثيلية" العداء المطلق، إلا أنه قد يبالغ في تجريد الصراع من واقعيته الملموسة.
فالكتاب يستشهد بـ "صفقة إيران-كونترا" (إيران جيت) كدليل تاريخي على أن التعاون العسكري قد يحدث رغم الصياح الأيديولوجي، لكنه يغفل أحياناً أن الصراع اليوم تجاوز حدود "المناورة السياسية" ليصبح واقعاً عسكرياً دموياً. فالتمدد الإيراني عبر الوكلاء على حدود إسرائيل لم يعد مجرد خطاب تعبوي، بل تحول إلى تهديد أمني مباشر يكسر قواعد "اللعبة السوداء" التي يتحدث عنها الكتاب، مما يجعل الأيديولوجيا هنا ليست مجرد غطاء للهروب من المواجهة، بل وقوداً حقيقياً لحرب استنزاف ميدانية لا تخضع دائماً لمنطق الصفقات السرية.
الملفات المسكوت عنها: يهود إيران وإيرانيو إسرائيل
ينتقل الكتاب من جفاف التحليل السياسي إلى عمق "الأنثروبولوجيا السياسية"، مسلطاً الضوء على المفارقة الديموغرافية التي تجعل من إيران وإسرائيل كيانين متداخلين إنسانياً رغم العداء الظاهري. تشرح الكاتبة كيف أن "يهود إيران" ليسوا مجرد أقلية، بل هم جزء أصيل من النسيج التاريخي الذي وظفه نظام الثورة الإسلامية بذكاء كـ "رهينة دبلوماسية" أو "صمام أمان"؛ وتضرب مثالاً بـ "المستشفى اليهودي (سفير)" في طهران، الذي يحظى بدعم رسمي وتبرعات من قادة إيرانيين، كرسالة مبطنة بأن الصراع هو مع "الصهيونية" لا مع "اليهودية". هذه الورقة، بحسب سارة شريف، تُستخدم في "المشروع الأسود" كأداة لتحسين صورة النظام أمام المجتمع الدولي والحفاظ على قنوات اتصال غير مباشرة مع الدوائر اليهودية العالمية التي تملك نفوذاً في تل أبيب وواشنطن.
وفي المقابل، تفكك الكاتبة ثقل "الجالية الإيرانية في إسرائيل"، التي تتجاوز مجرد كونها جالية مهاجرة لتصبح قوة محركة في صنع القرار والوجدان الإسرائيلي. وتستشهد الكاتبة بأمثلة لشخصيات من أصول إيرانية تبوأت أرفع المناصب السياسية والعسكرية، مثل "شاؤول موفاز" (وزير الدفاع ورئيس الأركان السابق) والرئيس الإسرائيلي الأسبق "موشيه كاتساف". ترى سارة شريف أن هؤلاء المسؤولين، الذين يتحدثون "الفارسية" في منازلهم ويحنون لثقافتها، يمثلون "خزاناً معرفياً واستخباراتياً" هائلاً لإسرائيل، وفي ذات الوقت يشكلون جسراً ثقافياً سرياً يمكن تفعيله في لحظات التسوية. فالكتاب يخلص إلى أن هذه الوشائج البشرية تحول الصراع من "حرب وجودية" مطلقة إلى "مباراة شطرنج إنسانية"، حيث يدرك كل طرف أن للآخر "جذوراً" عميقة في عقر داره، مما يجعل "المشروع الأسود" بينهما محكوماً بضرورات ديموغرافية لا تظهر في التصريحات الحربية.
فجوات الاقتباس والتوثيق
يواجه الكتاب معضلة منهجية حادة تلازم المؤلفات التي تقتحم "المناطق المحظورة" والعمليات الاستخباراتية؛ حيث تعتمد الكاتبة بشكل مكثف على "التقارير المسربة" والقصص الصحفية الإسرائيلية والغربية التي يصعب التحقق من دقتها بصورة قطعية. وتبرز هذه الفجوة بوضوح عند حديثها عن "التعاون النووي المزعوم" أو اللقاءات السرية بين مسؤولين من الطرفين في عواصم أوروبية؛ فبينما تسرد الكاتبة تفاصيل دقيقة حول "صفقات غامضة"، تظل هذه المعلومات أسيرة "الاستنتاج التحليلي" القائم على الربط بين أحداث متباعدة، دون وجود "وثيقة رسمية" (Official Document) تدعم هذه الادعاءات. هذا يجعل الكتاب يراوح أحياناً بين التحقيق السياسي الرصين وبين "أدب المؤامرة"، حيث تصبح "القرينة" هي الدليل الوحيد في غياب "النص الموثق".
وفي سياق متصل، تضرب الكاتبة أمثلة على "التعاون العسكري السري" إبان الحرب العراقية الإيرانية، مستندة إلى فضيحة "إيران-كونترا" (إيران جيت) كقاعدة صلبة للانطلاق نحو استنتاجات أوسع لم تعد موثقة بذات القوة. فبينما كانت "إيران جيت" حقيقة تاريخية كشفتها الوثائق لاحقاً، تميل سارة شريف لاستخدامها "كقياس" لإثبات وجود تعاون حالي في ملفات سيبرانية أو اقتصادية، معتمدة على "قصص استخباراتية" منشورة في صحف مثل "يديعوت أحرونوت" أو "نيويورك تايمز". نقدياً، هذا المنهج يضع القارئ أمام تساؤل: هل ما يجمعهما هو "مشروع أسود" مستمر، أم أن الكاتبة أسقطت أحداثاً تاريخية موثقة على واقع معاصر يحكمه عداء حقيقي؟ إن الاعتماد على "المصادر المجهولة" أو "التقارير العبرية" يمنح الكتاب إثارة وتشويقاً، لكنه يضعف في الوقت ذاته حجيته كمرجع أكاديمي نهائي في تأريخ العلاقات السرية بين طهران وتل أبيب.
في الختام، يظل كتاب "المشروع الأسود" دعوة جريئة لتمزيق حجاب "العاطفة العربية" التي تحصر الصراع في ثنائية الأبيض والأسود، مبرهناً على أن السياسة في إقليمنا هي فن إدارة "المصالح القاسية" تحت غطاء الشعارات الرنانة. ورغم ما قد يعتريه من فجوات توثيقية أو جنوح نحو التحليل الظني، إلا أنه ينجح في تقديم رؤية مغايرة تضع بقاء الأنظمة وتوازن القوى فوق أي اعتبار عقائدي؛ مما يجعله مرجعاً لا غنى عنه لفهم كيف يمكن لـ "حلفاء الأمس" أن يصبحوا "أعداء اليوم"، مع الاحتفاظ دائماً بخطوط رجعة سرية وممرات خلفية لا تبصرها عيون الشعوب الغارقة في ضجيج المعارك.
