تحالفات مشبوهة: دراسة تكشف تعاون الإخوان مع عصابات المخدرات في أمريكا اللاتينية.
السبت 18/أبريل/2026 - 05:26 م
طباعة
علي رجب
أعد محمد توحيدي، مستشار شؤون مكافحة التطرف والإرهاب لدى تريندز للأبحاث والاستشارات وعضو مجلس إدارة المجلس العالمي للأئمة في كندا، دراسة موسعة ترصد أبعاد تغلغل ونفوذ جماعة الإخوان المسلمين في أمريكا اللاتينية، مع التركيز على شبكاتها المالية والتهديدات الأمنية الناشئة المرتبطة بها.
وتشير الدراسة إلى أن الجماعة، التي أسسها حسن البنا عام 1928 في مصر، لم تعد محصورة في الشرق الأوسط، بل توسعت عالميا مستفيدة من بيئات سياسية واقتصادية هشة، بما في ذلك أمريكا اللاتينية. ورغم أن المسلمين يشكلون نسبة صغيرة من سكان المنطقة، فإن مواقعهم الجغرافية والاقتصادية جعلتهم عنصرا مهما في استراتيجيات النفوذ العابر للحدود.
الجذور التاريخية ومسارات التغلغل الأيديولوجي
توضح الدراسة أن الوجود الإسلامي في أمريكا اللاتينية يعود إلى قرون، بدءا من وصول العبيد الأفارقة المسلمين في الحقبة الاستعمارية، مرورا بموجات الهجرة من بلاد الشام في أواخر القرن التاسع عشر. وقد اندمجت هذه الجاليات في المجتمعات المحلية، مركزة على النشاط التجاري والاقتصادي أكثر من العمل السياسي.
لكن التحولات الحديثة، خاصة بين فئات الشباب والمتحولين الجدد إلى الإسلام، فتحت المجال لتأثيرات أيديولوجية خارجية. وتستند جماعة الإخوان المسلمين في استراتيجيتها إلى استغلال هذه الفئات عبر خطاب ديني واجتماعي يجمع بين العمل الخيري والنشاط السياسي.
وتبرز منطقة “الحدود الثلاثية” بين الأرجنتين والبرازيل وباراغواي كنقطة حساسة، حيث تنتشر أنشطة اقتصادية غير مشروعة مثل التهريب وغسل الأموال. وقد أشار خبراء أمنيون إلى أن هذه المنطقة تستخدم كقناة محتملة لتمويل جماعات متطرفة، بما في ذلك حزب الله، مع احتمال تداخل شبكاتها مع شبكات مرتبطة بالإخوان.
كما تؤكد شهادات أمام الكونغرس الأمريكي أن جماعة الإخوان المسلمين تمتلك شبكة عالمية واسعة، مع فروع في أكثر من 70 دولة، بعضها مرتبط بتنظيمات متشددة مثل القاعدة. وتظهر هذه الشبكة قدرة عالية على التكيف، ما يجعلها قادرة على العمل في بيئات مختلفة، بما فيها أمريكا اللاتينية.
الشبكات المالية وآليات العمل غير المباشر
تلفت الدراسة إلى أن نفوذ جماعة الإخوان المسلمين في أمريكا اللاتينية لا يظهر غالبا في شكل تنظيمات علنية، بل عبر شبكات غير مباشرة تعتمد على التمويل والعمل المجتمعي. وتشمل هذه الشبكات مؤسسات خيرية، ومراكز ثقافية، ومبادرات للحوار بين الأديان.
وتشير تقديرات إلى أن جزءا من التبرعات المالية، بما فيها أموال الزكاة والتحويلات من الجاليات المسلمة، قد يعاد توجيهه – بشكل مباشر أو غير مباشر – لدعم أنشطة مرتبطة بالجماعة أو منظمات متطرفة أخرى. ويقدر حجم هذه التدفقات بعشرات الملايين من الدولارات سنويا.
كما تسلط الدراسة الضوء على العلاقة بين هذه الشبكات والجريمة المنظمة في أمريكا اللاتينية، حيث تتعاون بعض العناصر مع عصابات محلية في مجالات مثل تهريب المخدرات وغسل الأموال. ويعزز هذا التعاون قدرة هذه الشبكات على العمل بعيدا عن الرقابة، ويوفر مصادر تمويل إضافية.
وفي هذا السياق، تظهر مناطق مثل جزيرة مارغريتا في فنزويلا، ومدينة مايكاو في كولومبيا، كمحطات رئيسية في هذه الشبكات المالية. كما أشار تقرير إلى استخدام مؤسسات مالية في الخارج سابقا، مثل بنك التقوى، كوسيلة لغسل الأموال المرتبطة بأنشطة إسلامية سياسية.
التهديدات الأمنية والتداعيات الإقليمية
ترى الدراسة أن التهديدات الأمنية المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين في أمريكا اللاتينية تتسم بالتعقيد والتداخل مع عوامل محلية ودولية. فوجود شبكات مالية غير شفافة، إلى جانب التعاون مع الجريمة المنظمة، يخلق بيئة خصبة لتنامي التطرف.
وتستحضر الدراسة حوادث تاريخية مثل تفجير السفارة الإسرائيلية في بوينس آيرس عام 1992، وهجوم مركز AMIA عام 1994، اللذين نسبا إلى حزب الله، كأمثلة على استخدام المنطقة كقاعدة لوجستية لعمليات إرهابية. وتشير إلى أن مثل هذه السوابق تبرز المخاطر المحتملة في حال توسع شبكات مشابهة.
كما تحذر من أن الخطاب الأيديولوجي للجماعة، الذي يمزج بين العمل الاجتماعي والدعوة السياسية، قد يؤدي إلى تقويض النظم العلمانية في بعض الدول، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية وعدم الاستقرار السياسي.
وتؤكد الدراسة أن بعض الأنظمة في المنطقة، خاصة تلك التي تتبنى مواقف معادية للغرب، قد توفر بيئات أكثر تساهلا مع هذه الأنشطة، مما يزيد من احتمالات استخدامها كمنصات للتأثير الإقليمي أو الدولي.
نحو استراتيجية مواجهة متعددة الأبعاد
توصي الدراسة بضرورة تبني استراتيجية شاملة لمواجهة هذا التحدي، تشمل تعزيز الرقابة على التدفقات المالية، وتكثيف التعاون الدولي، وتطوير برامج لمكافحة التطرف تعتمد على التعليم والتنمية الاقتصادية.
كما تدعو إلى تحسين قدرات الدول في ضبط الحدود ومنع تزوير الوثائق، وهي ثغرات استغلت سابقا في دعم أنشطة غير مشروعة. وتشدد على أهمية التمييز بين الجماعات المتطرفة والمسلمين المعتدلين، لتجنب خلق بيئات خصبة للتجنيد.
وفي الختام، ترى الدراسة أن أنشطة جماعة الإخوان المسلمين في أمريكا اللاتينية، رغم طابعها غير المباشر، تمثل تحديا استراتيجيا يتطلب متابعة دقيقة، خاصة في ظل هشاشة بعض المؤسسات في المنطقة. وتؤكد أن التعامل مع هذا الملف يجب أن يكون متوازنا، يجمع بين الحزم الأمني والانفتاح المجتمعي، لضمان استقرار المنطقة وعدم تحولها إلى ساحة نفوذ لصراعات أوسع.
