حسام الحداد يكتب: مالي تواجه سيناريو الانهيار بعد تنسيق "القاعدة والانفصاليين"

الإثنين 27/أبريل/2026 - 11:03 ص
طباعة حسام الحداد يكتب: حسام الحداد
 
لم يكن فجر السابع والعشرين من أبريل مجرد يوم آخر في رزنامة الاضطرابات المالية، بل كان استفاقة على واقع جيوسياسي مرير أثبت أن العاصمة باماكو، التي ظلت طويلاً بمنأى عن جحيم الشمال، باتت اليوم في عين الإعصار. إن الهجمات المنسقة التي استهدفت المربع الأمني العسكري والمنشآت السيادية، لم تكن مجرد استعراض للقوة، بل كانت "زلزالاً" مدروساً بعناية فائقة، كشف عن ثغرات استخباراتية هائلة في جسد النظام الحالي. هذا المشهد الدامي يعيد مالي إلى نقطة الصفر، حيث تلاشت الخطوط الفاصلة بين التمرد الانفصالي والإرهاب العابر للحدود، ليتحول المشهد إلى حرب استنزاف شاملة تضع وحدة التراب المالي ومستقبل المجلس العسكري على حافة الهاوية.
وعلى وقع دوي الانفجارات في قاعدة "كاتي" العسكرية، سقطت الأقنعة عن رهانات أمنية راهنت عليها باماكو طويلاً، وفي مقدمتها البديل الروسي الذي بات اليوم مطالباً بمواجهة تحالف "هجين" لم تعهده المنطقة من قبل. إن مقتل وزير الدفاع، ساديو كامارا، في قلب حصنه، يبعث برسالة تتجاوز حدود الاغتيال السياسي لتصل إلى تقويض مفهوم "الدولة الضابطة" للأمن. نحن أمام مرحلة جديدة من الصراع، لا تعتمد فقط على المواجهات المباشرة، بل تستخدم سلاح الحصار الاقتصادي والحرب النفسية لزعزعة استقرار المركز، مما يجعل من الصعب التكهن بقدرة السلطة الحالية على استعادة زمام المبادرة دون تقديم تنازلات سياسية أو عسكرية مؤلمة.

ضربة في قلب النظام: رحيل "مهندس التحالف الروسي"
لم يكن استهداف منزل الجنرال ساديو كامارا في قلب قاعدة "كاتي" العسكرية مجرد عملية اغتيال عابرة، بل مثل اختراقاً استخباراتياً وأمنياً من العيار الثقيل لـ "عرين الأسد" الذي انطلقت منه انقلابات مالي الأخيرة. العملية التي نُفذت بسيارة مفخخة شديدة الانفجار، لم تكتفِ بتصفية وزير الدفاع، بل طالت الدائرة اللصيقة به، مما يبعث برسالة دموية مفادها أن التحصينات العسكرية الأكثر مناعة في البلاد باتت مكشوفة أمام تكتيكات الجماعات المسلحة. هذا الهجوم يضع المجلس العسكري بقيادة الجنرال أسيمي غويتا في مأزق سيادي، حيث باتت قدرة الدولة على حماية رموزها في قلب العاصمة محل تساؤل كبير، مما قد يفتح الباب أمام إعادة ترتيب موازين القوى داخل المؤسسة العسكرية نفسها.
يتجاوز مقتل كامارا الخسارة البشرية ليصل إلى تقويض الأعمدة الاستراتيجية لعلاقات مالي الدولية، فالرجل كان يُعرف بـ "مهندس التحالف الروسي" والعراب الأول لدخول قوات "فاغنر" (أفريكا كوربس حالياً) إلى منطقة الساحل. وبوصفه حلقة الوصل الموثوقة بين باماكو وموسكو، كان كامارا يدير ملف التنسيق الميداني واللوجستي الذي تعول عليه السلطة لفرض سيطرتها بعيداً عن المظلة الفرنسية والأوروبية. لذا، فإن غيابه المفاجئ في هذا التوقيت الحرج يمثل "فجوة استراتيجية" قد تؤدي إلى ارتباك في التنسيق مع الحليف الروسي، ويحرم المجلس العسكري من شخصية قيادية كانت تتمتع بنفوذ واسع وقدرة على ضبط التوازنات بين الطموحات السياسية والعمليات العسكرية المعقدة في الشمال والوسط.

تنسيق "نادر وخطير": القاعدة والطوارق في جبهة واحدة
يمثل التنسيق الميداني بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) وجبهة تحرير أزواد (FLA) تحولاً جيوسياسياً وصفه المراقبون بـ "المنعطف المرعب" في مسار الصراع المالي. فبعد سنوات من التوجس أو التصادم أحياناً، يبدو أن الطرفين قد وصلا إلى صيغة "عملياتية مشتركة" تهدف إلى تقويض سلطة باماكو في آن واحد. هذا التناغم لم يقتصر على تبادل المعلومات، بل تجلى في "توزيع أدوار" احترافي؛ حيث تولت عناصر الطوارق اقتحام المدن الشمالية وتثبيت السيطرة عليها كحق تاريخي، بينما ركزت جماعة "نصرة الإسلام" جهودها على ضرب العمق الاستراتيجي والعاصمة لإرباك القيادة العسكرية ومنع وصول التعزيزات، مما خلق حالة من الشلل التام في قدرة الجيش على الاستجابة السريعة لمراكز النزاع المتعددة.
على الأرض، تُرجم هذا التنسيق إلى نتائج ميدانية خاطفة؛ حيث استعادت جبهة تحرير أزواد سيطرتها على مدينة كيدال، المعقل الرمزي والتاريخي للطوارق، في خطوة تعيد إحياء طموحات الانفصال التي بدأت عام 2012. وبالتزامن مع المعارك الضارية في غاو، كانت مدن الوسط والشمال مثل موبتي وبوريم وسيفاري تسقط تباعاً بين سيطرة كاملة وجزئية للمسلحين، مما قطع أوصال البلاد جغرافياً. ولم يتوقف الأمر عند الأطراف، بل امتدت "أذرع الكماشة" لتطال المرافق السيادية في باماكو، باستهداف مطار "موديبو كيتا" الدولي وقاعدة "كاتي"، في هجمات انتحارية وانغماسية متزامنة جعلت من العاصمة المالية ساحة قتال مفتوحة لأول مرة بهذا الزخم، مما يضع الدولة أمام واقع جديد قد يجبرها على تقديم تنازلات مؤلمة أو مواجهة خطر الانهيار الشامل.

باماكو تحت "حظر التجوال" والجيش يحاول استعادة التوازن
تحولت شوارع العاصمة باماكو إلى ثكنة عسكرية مهجورة بعد إعلان السلطات حظراً تجوال شاملاً لمدة ثلاثة أيام، في محاولة لاحتواء حالة الذعر وسد الثغرات الأمنية التي تسلل منها المهاجمون. وبينما ساد سكون حذر في المركز، كانت الأحياء الضاحية والمحيطة بقاعدة "كاتي" والمطار الدولي مسرحاً لاشتباكات عنيفة ودوي انفجارات متقطعة، حيث خاضت وحدات النخبة في الجيش المالي معارضا شرسة لتطهير جيوب المسلحين. وأكدت رئاسة الأركان في بيانات "طمأنة" متلاحقة أنها تمكنت من صد الموجات الانتحارية الكبرى، معلنةً عن تحييد مئات "الإرهابيين" في حصيلة تعكس ضراوة المعارك واستخدام المهاجمين لكثافة نارية غير معهودة داخل النطاق الحضري للعاصمة.
في ظل الضغط الميداني الهائل، استعانت القيادة المالية بالغطاء الجوي المكثف عبر مروحيات قتالية روسية تابعة لـ "أفريكا كوربس"، والتي شوهدت وهي تنفذ طلعات منخفضة وتقصف مواقع مفترضة للمسلحين في ضواحي باماكو ومدن الوسط مثل "سيفاري". هذا التدخل الجوي الروسي لم يكن مجرد إسناد عسكري، بل كان بمثابة "طوق نجاة" لمنع انهيار الخطوط الدفاعية الأولى ولتأمين النقاط الاستراتيجية والحيوية التي كانت على وشك السقوط. ورغم تأكيدات الجيش على استعادة التوازن، إلا أن الاعتماد الكثيف على القوة الجوية والضربات الصاروخية داخل المناطق المأهولة يكشف عن حجم التحدي الذي تواجهه القوات الأرضية في مواجهة حرب عصابات منظمة ومنسقة تهدف إلى شل قدرة النظام على الحركة والسيطرة.

قراءة في التداعيات: الساحل أمام مفترق طرق
تجمع القراءات التحليلية في كبريات الصحف العالمية، مثل "نيويورك تايمز" و"لوموند"، على أن مالي لم تعد تواجه مجرد تمرد عابر، بل تعيش ارتدادات زلزال جيوسياسي أعاد تشكيل خارطة الصراع في منطقة الساحل. هذا التصعيد "الانتحاري" الذي استهدف قلب السلطة، يُنظر إليه كحصيلة تراكمية لانهيار التوازنات التقليدية، مما يضع المنطقة برمتها أمام مفترق طرق خطير؛ فإما التماسك عبر استراتيجيات دفاعية جديدة، أو الانزلاق نحو فوضى شاملة تتجاوز الحدود المالية لتطال دول الجوار.
يأتي هذا الانهيار الميداني كنتيجة مباشرة لـ "الفراغ السيادي" الذي خلفه الانسحاب المتسارع لبعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي (مينوسما). هذا الانسحاب لم يكن مجرد مغادرة لقوات دولية، بل كان تفكيكاً لمنظومة الرقابة والوساطة التي كانت تمنع الصدام المباشر والشامل. ومع اعتماد المجلس العسكري شبه الكامل على الدعم الروسي المتمثل في "أفريكا كوربس"، كشفت الهجمات الأخيرة أن هذا البديل، رغم قوته النارية، يفتقر إلى الانتشار الجغرافي والقدرة الاستخباراتية التي كانت توفرها المنظومة الدولية، مما جعل المساحات الشاسعة في الشمال والوسط لقمة سائغة للتنظيمات المسلحة.
لم تكن الهجمات العسكرية سوى "رأس الحربة" لاستراتيجية أوسع تعتمد على الاستنزاف الاقتصادي الممنهج. فمنذ أشهر، فرضت الجماعات المسلحة حصاراً خانقاً على طرق الإمداد الحيوية المؤدية إلى باماكو، مما تسبب في نقص حاد في الوقود والسلع الأساسية وارتفاع جنوني في الأسعار. هذا الضغط المعيشي أدى إلى تآكل الحاضنة الشعبية للمجلس العسكري وإضعاف الروح المعنوية، حيث أدرك المهاجمون أن ضرب "البنية التحتية لليأس" داخل المدن الكبرى لا يقل أهمية عن السيطرة على الثكنات العسكرية، مما جعل العاصمة باماكو تبدو كجزيرة معزولة اقتصادياً قبل أن تُستهدف عسكرياً.
يمثل الاندماج العملياتي بين "الطموح الانفصالي" القومي لجبهة تحرير أزواد، و"العقيدة الجهادية" العابرة للحدود لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، تحولاً استراتيجياً غيّر قواعد اللعبة. هذا التحالف الهجين وضع الدولة المالية أمام "حرب استنزاف متعددة الجبهات" تتجاوز طاقتها البشرية واللوجستية؛ فبينما يقاتل الجيش لتثبيت الهوية الوطنية في الشمال ضد الطوارق، يجد نفسه مضطراً لمواجهة هجمات استنزافية في الوسط والجنوب من قبل القاعدة. هذا التشتت في الموارد العسكرية يجعل من الصعب على باماكو حسم أي جبهة بشكل نهائي، ويحول البلاد إلى ساحة استنزاف دائم قد تؤدي في النهاية إلى إنهاك مؤسسة الجيش وتفكك سلطة الدولة المركزية.

ردود فعل دولية: تحذيرات من كارثة إنسانية
أثارت المشاهد القادمة من باماكو وكيدال موجة من القلق العارم في أروقة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، حيث صدرت تحذيرات شديدة اللهجة من انزلاق المنطقة نحو كارثة إنسانية محققة. ومع توسع رقعة القتال، تتصاعد المخاوف من موجات نزوح جماعي لآلاف المدنيين العالقين بين مطرقة الهجمات الجهادية وسندان القصف الجوي، مما قد يؤدي إلى ضغط هائل على دول الجوار التي تعاني أساساً من هشاشة أمنية واقتصادية. وحذر خبراء الإغاثة من أن استمرار "حصار المدن" وتوقف سلاسل الإمداد سيقود حتماً إلى مجاعة تضرب وسط وشمال مالي، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وقانوني للتدخل وتوفير ممرات آمنة، في وقت تبدو فيه آليات العمل الدولي التقليدية مشلولة نتيجة التوترات السياسية مع المجلس العسكري.
على الصعيد السياسي، يمثل هذا التصعيد اللحظة الأكثر حرجاً للجنرال أسيمي غويتا ومجلسه العسكري منذ استلامهم السلطة في عام 2020؛ إذ لم تعد "شرعية الأمر الواقع" التي يستمدونها من مكافحة الإرهاب كافية لإقناع الشارع المالي في ظل اختراق العاصمة واغتيال رموز القيادة. وبينما تدعو القوى الإقليمية إلى "ضبط النفس" والعودة للحوار، يبدو أن مالي قد دخلت بالفعل نفقاً مظلماً يعيد تعريف توازنات القوى في منطقة الساحل برمتها. إن نجاح "تحالف الأضداد" في هز أركان الدولة يضع استراتيجية الاعتماد الكلي على الحليف الروسي في مهب الريح، ويفتح الباب أمام تساؤلات وجودية حول قدرة باماكو على الحفاظ على وحدة ترابها الوطني، أو الاضطرار للقبول بخارطة نفوذ جديدة تفرضها القوة على الأرض.
وفي النهاية تظل مالي اليوم عالقة في "عنق الزجاجة"، حيث أثبتت أحداث أبريل أن القوة العسكرية وحدها، مهما بلغ دعم الحليف الروسي، لن تكون كافية لاحتواء طموحات الانفصاليين أو تمدد الجهاديين في ظل الفراغ السياسي والهشاشة الاقتصادية. إن "اختبار باماكو" هو في الحقيقة اختبار لشرعية المجلس العسكري وقدرته على حماية السيادة الوطنية؛ فإما أن تدفع هذه الصدمة السلطة نحو إعادة النظر في تحالفاتها واستراتيجياتها الأمنية، أو أن تنزلق البلاد نحو سيناريو "الصوملة" حيث تتعدد مراكز النفوذ وتتآكل سلطة الدولة المركزية. وفي كلتا الحالتين، فإن خارطة النفوذ في منطقة الساحل قد رُسمت من جديد بدموع النازحين ودخان الانفجارات، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من تسويات مريرة أو مواجهات أكثر دموية.

شارك