محور المقاومة في مواجهة الانهيار.. وظهور الإرهاب الإيراني اللامركزي في أوروبا

الأحد 31/مايو/2026 - 10:38 ص
طباعة  محور المقاومة في حسام الحداد
 
في غضون أسابيع قليلة، تحوّل المشهد الأمني في الشرق الأوسط وامتداداته الأوروبية إلى خريطة عمليات متعددة الجبهات: حزب الله يُطلق طائراته المسيّرة الموجَّهة بالألياف الضوئية على قوات الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، وحماس تفقد قادة عسكريين ميدانيين في غارات متواصلة بينما يجلس وفد آخر منها على طاولة التفاوض في القاهرة، والحوثيون يواصلون تثبيت حضورهم في معادلة الردع الإقليمية، فيما تظهر جماعة إيرانية مجهولة الهوية في قلب المدن الأوروبية لتستهدف المجتمعات اليهودية بأسلوب هجمات موزعة اللامركزية. هذا التقرير يُحلّل هذه التطورات المتشابكة في سياقها الاستراتيجي الموحّد.
 محور المقاومة في
سلاح جديد يُعيد رسم قواعد الاشتباك
لم تتوقف الحرب على الجبهة اللبنانية بتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أبريل 2026. ومنذ دخوله حيز التنفيذ في 17 أبريل، قُتل أحد عشر جندياً إسرائيلياً، أربعة منهم على الأقل بطائرات مسيّرة. أما المفارقة الكبرى، فهي أن التقنية التي أربكت أحد أكثر الجيوش تطوراً في العالم ليست صاروخاً دقيقاً، بل طائرة مسيّرة رخيصة يمكن شراؤها عبر الإنترنت.
سلاح الألياف الضوئية: تهديد بلا تشويش
تكشف تقارير صادرة عن AP وCBC News أن حزب الله تحوّل إلى توظيف طائرات مسيّرة من نوع FPV (الرؤية الشخصية) مُزوَّدة بكابلات ألياف ضوئية بدلاً من الإشارات الراديوية اللاسلكية. والفارق الجوهري: ليس ثمة إشارة راديو تُشوَّش. كابل مادي يمتد بين الطائرة والمشغّل، مما يجعل منظومات التشويش الإلكتروني الإسرائيلية المتطورة — التي بنتها إسرائيل على مدى سنوات — غير ذات جدوى أمام هذا التهديد. وقد استُخدمت هذه التقنية بصورة واسعة في أوكرانيا، وهو ما يشير إلى قناة نقل معرفة تقنية تمتد عبر محاور جيوسياسية متعددة.
في 24 مايو، لقي الرقيب نيهوراي ليتسر، 19 عاماً، حتفه حين اخترقت طائرة مسيّرة ناقلة جنود مدرعة كان يقودها جنوب لبنان. وفي اليوم ذاته، استأنف الجيش الإسرائيلي ضرباته على البقاع ومواقع في الضاحية الجنوبية لبيروت. بيد أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أقرّ في مقطع مصور نشره على وسائل التواصل الاجتماعي بأن الجيش الإسرائيلي لم يجد حتى الآن حلاً ناجعاً لهذا التهديد، مشيراً إلى أن فرقة متخصصة تعمل على إيجاده.
« الطائرات المسيّرة الرخيصة أربكت أكثر منظومات الدفاع الجوي تطوراً في العالم — والجواب لا يزال معلقاً. »
التصعيد في 31 مايو: الجليل الأعلى تحت القصف
في اليوم ذاته الذي يصدر فيه هذا التقرير، شنّ حزب الله هجمات صاروخية ومسيّرة متعددة على شمال إسرائيل، مستهدفاً صفد وكريات شمونة وكرميئيل وبلدات الجليل الأعلى والغربي. وأفادت التقارير بأن مدارس عدة في مجتمعات حدودية أُغلقت بأمر من قيادة الجبهة الداخلية، فيما سُجّلت مشاهد مروّعة لمصطافين على شاطئ نهاريا يتدافعون نحو الملاجئ إثر ضرب صواريخ مياه البحر المتوسط قبالة المدينة. ووصف مسؤولون دبلوماسيون أمريكيون أن الوسيط الأمريكي أبلغ حزب الله مراراً بضرورة وقف إطلاق النار، دون استجابة.
 محور المقاومة في
بين الاستهداف الميداني والمناورة الدبلوماسية
تواجه حماس في مايو 2026 معادلة بالغة التناقض: الجناح العسكري يخسر قادة بالتتابع في غارات إسرائيلية موجهة، فيما يحتفظ الجناح السياسي بأوراق ضغط دبلوماسية في القاهرة. هذا التمايز بين الوجهين ليس عرضياً، بل يعكس استراتيجية واعية في تجاوز الضغط العسكري عبر الفضاء السياسي.
الاستهداف العسكري: قيادة اللواء في مرمى النيران
في نهاية مايو، أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل عماد أسليم، نائب قائد لواء مدينة غزة وقائد كتيبة الزيتون، في غارة جوية. وتُشير بيانات الجيش إلى أن أسليم كان قد أشرف على عمليات الكتيبة خلال هجوم السابع من أكتوبر 2023، وكان يُمثّل تهديداً ميدانياً مباشراً للقوات الإسرائيلية العاملة في غزة. وقبل ذلك بأيام، أُكّد مقتل إعزّ الدين بيك، قائد لواء شمال غزة، في الغارة ذاتها. يأتي هذا في سلسلة طويلة: محمد سنوار في مايو 2025، وعدد من قادة الكتائب طوال العام.
بيد أن التقييمات الاستخباراتية — كما تُوردها ACLED ووثائق الكونغرس الأمريكي — تُشير إلى أن حماس أعادت بناء بنيتها القيادية مرات عدة، ولا تزال تمتلك قدرات تنظيمية في عدد من أحياء غزة، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل تُفضي الضربات الرأسية إلى تفكيك المنظومة أم إلى إعادة إنتاجها بقيادات أكثر راديكالية؟
المسار الدبلوماسي: القاهرة ورهان الوقت
على الجبهة الأخرى، دعت مصر وفداً من حماس لمحادثات حول اتفاق وقف إطلاق النار. ووفق تقييم ACLED لمايو 2026، تُوظّف حماس مسار مفاوضات نزع السلاح مع هيئة السلام الدولية أداةً لتأخير الضغط العسكري وكسب الوقت قبيل الانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر. وفي المقابل، تُشير التقارير إلى أن واشنطن تُفضّل الحفاظ على الاستقرار في غزة على حساب تصعيد عسكري شامل.
 محور المقاومة في
من اليمن إلى معادلة الحرب الإقليمية
حين أطلق الحوثيون في 28 مارس 2026 أولى صواريخهم الباليستية نحو إسرائيل، لم يكن ذلك مجرد هجوم عسكري، بل كان إعلاناً عقائدياً: محور المقاومة يُقاتل بالتنسيق، لا بالمبادرة الفردية. وقد أعلن الحوثيون صراحةً أنهم يعملون بالتنسيق مع إيران وحزب الله، وأن هجماتهم ستتواصل «حتى توقف العدوان على كل جبهات المقاومة».
الأبعاد الاستراتيجية لهذا التحول أعمق من مجرد صواريخ باليستية. فبحسب تقييم ACLED لأبريل 2026، يُوظّف الحوثيون مشاركتهم العسكرية ورقةَ ضغط تفاوضية في آنٍ واحد: إن نجحت المفاوضات مع إيران، فبوسعهم الادعاء بأنهم ساهموا في تحقيق انتصار استراتيجي للمحور؛ وإن فشلت، يحتفظون بخيار التصعيد التدريجي عبر استئناف الهجمات في البحر الأحمر. وهذا بالضبط ما حدث: توقفت هجماتهم على إسرائيل عقب وقف إطلاق النار في أبريل، في إشارة إلى انضباط تكتيكي يخدم أجندة أشمل.
الأهم من ذلك أن عضواً بارزاً في المكتب السياسي الحوثي، محمد البخيتي، أعلن دراسة فرض حصار بحري على سفن الدول «المعتدية» — وهو تهديد يستهدف مباشرة ممرات الطاقة العالمية في مضيق هرمز والبحر الأحمر، ويجعل من الحوثيين ورقة ضغط اقتصادية كونية لا مجرد ميليشيا إقليمية.

إرهاب الجيل القادم على الأراضي الأوروبية
في مارس 2026، ظهر اسم جديد على قنوات تيليجرام المرتبطة بالجماعات الموالية لإيران: «حركة أصحاب اليمين الإسلامية» (HAYI). خلال أسابيع قليلة، أصبح الاسم المرتبط بأكثر من سبعة عشر هجوماً في سبع دول أوروبية على الأقل. لكن الأخطر من الهجمات ذاتها هو النموذج التشغيلي الذي تكشف عنه تحليلات معهد معهد الحوار الاستراتيجي (ISD) وGNET البحثية.
وعلى عكس التنظيمات التقليدية التي تعتمد هياكل هرمية مركزية، يبدو أن HAYI يعمل بطريقة مختلفة جذرياً: يتم تجنيد منفذين محليين — غالباً من ذوي السوابق الجنائية أو المحتاجين مالياً — لتنفيذ هجمات محددة مقابل مبالغ مالية، دون أن يعلم أغلبهم الجهة الحقيقية التي يعملون لصالحها. ويصف محللو ISD هذا النموذج بـ«إرهاب-كخدمة» (TaaS)، بأسلوب يُحاكي عمل تطبيقات التوصيل في الاقتصاد الرقمي.
في 15 مايو 2026، كشف مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي عن شكوى جنائية تُدين محمد باقر سعد داود الساعدي، قائداً في ميليشيا كتائب حزب الله العراقية المصنفة إرهابية. وتكشف الشكوى أنه حاول دفع مبالغ مالية لعميل متخفٍّ من FBI يتظاهر بأنه عضو في كارتيل مكسيكي لتنفيذ تفجيرات وحرائق في كنيس بنيويورك ومواقع في لوس أنجلوس وسكوتسديل. وفي المحادثات المسجلة، أقرّ الساعدي بمعرفته بـ18 هجوماً نفذتها HAYI في أوروبا. هذا هو الدليل الأكثر مباشرة حتى الآن على تورط إيراني عملياتي.
مسرح الهجمات: من لندن إلى مقدونيا الشمالية
تنوعت الأهداف والأساليب بصورة لافتة: تفجير كنيس لييج في بلجيكا (9 مارس)، حرق كنيس روتردام (13 مارس)، تفجير مدرسة أرثوذكسية يهودية في أمستردام، حرق أربع سيارات إسعاف تابعة لجمعية هاتصولا اليهودية في لندن (23 مارس)، هجوم بالسكين في غولدرز غرين (29 أبريل)، حرق مركز يهودي في سكوبيه، وتفجير مطعم في ميونيخ. وفي الأطار الأوسع، استهدفت مواقع إيرانية معارضة كمكاتب «إيران إنترناشيونال» في لندن، مما يُشير إلى أن القائمين على العمليات يوظّفون الغطاء الطائفي لخدمة أجندتَين في آنٍ واحد: الانتقام من الحرب على إيران، وملاحقة المعارضة الإيرانية.
أربعة أذرع لمحور واحد في مرحلة التكيّف
ما تكشفه هذه التطورات الأربعة مجتمعةً ليس مجرد صورة عن جبهات متعددة، بل عن منظومة واحدة تمر بمرحلة تكيّف استراتيجي بعد سلسلة ضربات جيوسياسية متلاحقة: مقتل قيادات حماس وحزب الله، والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وانهيار الوضع العسكري الإيراني في الإقليم.
ويمكن قراءة المشهد في ضوء ثلاثة اتجاهات كبرى: الأول، أن الأذرع الإيرانية تتحوّل نحو أسلحة وأساليب أصعب في الاستئصال — الطائرات المسيّرة المرتبطة بالألياف الضوئية التي لا تُشوَّش، والخلايا اللامركزية في أوروبا التي لا تمتلك هوية تنظيمية قابلة للاستهداف. الثاني، أن الثمن السياسي لإيران في الداخل والخارج يتراكم، مما يدفعها نحو التفاوض مع الولايات المتحدة بشأن الملف النووي — وهو ما يُخلق فرصة دبلوماسية نادرة. الثالث، أن منطق «محور المقاومة» لم ينهَر بانهيار الدولة الإيرانية العسكري، بل انتقل إلى نمط أكثر موزعية وأصعب احتواءً.
ويبقى السؤال المحوري مفتوحاً: هل تستطيع الولايات المتحدة وحلفاؤها مفاوضة إيران نووياً وملاحقة وكلائها ميدانياً وأمنياً في آنٍ واحد — أم أن كل صفقة دبلوماسية تمنح المحور فضاءً تنفسياً لإعادة هيكلة قدراته بأساليب أقل رؤية وأكثر استدامة؟

شارك