ترامب والبابا .. لماذا يتجدد الصدام بين البيت الأبيض والفاتيكان بسبب إيران؟
الثلاثاء 02/يونيو/2026 - 11:41 ص
طباعة
روبير الفارس
عاد التوتر بين الإدارة الأمريكية والفاتيكان إلى الواجهة مجددًا بعد تصريحات للرئيس الأمريكي ترامب انتقد فيها مواقف البابا لاون الرابع عشر بشأن الملف الإيراني، في مشهد أعاد إلى الأذهان سنوات من الخلافات بين واشنطن والكرسي الرسولي حول قضايا الهجرة والحروب والسياسات الدولية.
وجاءت تصريحات ترامب عقب لقاء جمع عمدة مدينة شيكاغو بالبابا في الفاتيكان، حيث تناولت المحادثات ملفات الهجرة والتوتر المتصاعد مع إيران. وقال الرئيس الأمريكي إن «أحدًا يجب أن يشرح للبابا أن عمدة شيكاغو شخص عديم الفائدة، وأن إيران لا يمكن أن تمتلك سلاحًا نوويًا»، في إشارة فُهمت على نطاق واسع باعتبارها انتقادًا غير مباشر لموقف الفاتيكان الداعي إلى الحلول الدبلوماسية.
خلاف حول الوسائل لا الأهداف
ورغم محاولة بعض الأوساط السياسية تصوير الخلاف على أنه نزاع بين الفاتيكان وواشنطن حول الخطر النووي الإيراني، فإن الوقائع تشير إلى أن الجانبين يتفقان في الجوهر على رفض امتلاك إيران للسلاح النووي، لكنهما يختلفان بشأن الوسائل الكفيلة بمنع ذلك.
فالكنيسة الكاثوليكية تتبنى منذ عقود موقفًا ثابتًا يرفض الأسلحة النووية من حيث المبدأ، سواء امتلكتها إيران أو أي دولة أخرى. وقد أكد البابا لاون الرابع عشر في أكثر من مناسبة أن الكنيسة تعارض جميع الأسلحة النووية وتعتبرها تهديدًا للإنسانية وللسلام العالمي.
كما شدد أمين سر دولة الفاتيكان، الكاردينال بيترو بارولين على أن الكرسي الرسولي يدعم نزع السلاح النووي عالميًا، ويدعو إلى معالجة الأزمات الدولية عبر التفاوض والحوار وليس عبر التصعيد العسكري.
موقف حازم من انتهاكات إيران
وفي الوقت نفسه، لا يمكن اعتبار الفاتيكان متساهلًا تجاه سياسات الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فالكرسي الرسولي عبّر مرارًا عن قلقه من انتهاكات حقوق الإنسان، ودعا إلى احترام الكرامة الإنسانية والحريات الأساسية، كما تابع باهتمام أوضاع الأقليات الدينية والمسيحية داخل إيران.
وتنسجم هذه المواقف مع رفض الكنيسة الكاثوليكية لعقوبة الإعدام، وهو موقف أصبح أكثر وضوحًا خلال السنوات الأخيرة. وفي ظل تصاعد أعداد الإعدامات في إيران، تؤكد الدبلوماسية الفاتيكانية باستمرار ضرورة احترام الحق في الحياة والبحث عن بدائل قانونية وإنسانية للعقوبات القاسية.
رفض الحرب أيضًا
لكن النقطة الأكثر حساسية في الخلاف الحالي تكمن في موقف الفاتيكان من احتمال اندلاع مواجهة عسكرية واسعة مع إيران.
فالكنيسة الكاثوليكية تنظر بقلق بالغ إلى أي تصعيد عسكري جديد في الشرق الأوسط، وتخشى أن يؤدي اندلاع حرب إقليمية إلى موجات جديدة من العنف والتهجير وانهيار الاستقرار في المنطقة، بما في ذلك أوضاع الأقليات المسيحية التي دفعت أثمانًا باهظة خلال العقود الماضية في العراق وسوريا ولبنان.
ومن هذا المنطلق، يدعو البابا لاون الرابع عشر إلى إعطاء الأولوية للمسار الدبلوماسي، مع ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية وقانونية لمنع الانتشار النووي، بدلًا من اللجوء إلى الحل العسكري.
إرث خلافات قديمة
التوتر الحالي ليس الأول من نوعه بين الفاتيكان وترامب. فمنذ ولايته الرئاسية الأولى، شهدت العلاقة بين الطرفين محطات خلافية عديدة، أبرزها ملف الهجرة وبناء الجدار الحدودي مع المكسيك، إضافة إلى قضايا اللاجئين والسياسات الدولية المرتبطة بالنزاعات المسلحة.
واليوم يبدو أن الملف الإيراني يعيد إنتاج المشهد ذاته؛ إذ يصر ترامب على ضرورة تبني موقف أكثر صرامة تجاه طهران، بينما يتمسك الفاتيكان بمبدأ رفض السلاح النووي من جهة، ورفض الحرب والتصعيد العسكري من جهة أخرى.
وبذلك لا يقف البابا في صف إيران كما يحاول بعض خصومه تصوير الأمر، بل يتمسك بموقف كاثوليكي تقليدي يقوم على ثلاثة ثوابت متوازية: رفض امتلاك أي دولة للسلاح النووي، ورفض انتهاكات حقوق الإنسان والإعدامات، ورفض اللجوء إلى الحرب باعتبارها الطريق الأسوأ لحل الأزمات الدولية.
