قراءة في مآلات مدرستي الترابي والقرضاوي في الدولة الوطنية

الثلاثاء 02/يونيو/2026 - 12:21 م
طباعة  قراءة في مآلات مدرستي حسام الحداد
 
 تعد تجربة كل من حسن الترابي ويوسف القرضاوي محطة مفصلية في تاريخ الإسلام الحركي خلال القرن العشرين، حيث مثلت أفكارهما وممارساتهما محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الدين والمجال العام. لم تكن هذه الشخصيات مجرد رموز دعوية عابرة، بل كانت مهندسة لمشاريع شمولية سعت إلى إعادة هندسة الدولة والمجتمع وفق رؤى أيديولوجية، مما يجعل دراستهما ضرورة لفهم التجاذبات السياسية التي شهدتها المنطقة. إن أهمية هذا التحليل تكمن في تجاوزه للسرديات التقليدية نحو قراءة نقدية تكشف كيف تحولت "الفكرة" إلى أداة للحكم أو وسيلة للهيمنة، وكيف أدت في نهاية المطاف إلى اصطدامات وجودية مع مبادئ الدولة الوطنية الحديثة.
تستعرض هذه القراءة مسارات التباين والالتقاء بين "راديكالية التفكيك" التي انتهجها الترابي في السودان، و"وسطية التمكين" التي رسخها القرضاوي عبر مؤسساته العابرة للحدود. ومن خلال تحليل السياقات التأسيسية، والمنطلقات الفكرية، والمآلات السياسية، يتم تسليط الضوء على الأزمة البنيوية التي تعاني منها المدرستان في الواقع المعاصر. إن هذا الطرح يهدف إلى استيعاب الدروس المستفادة من تعثر هذه المشاريع، وتفكيك آليات اشتغالها، تمهيداً لتقديم رؤية استراتيجية تؤكد على أولوية المواطنة، وسيادة القانون، والمؤسسات الديمقراطية، كبدائل ضرورية تتجاوز أوهام الهيمنة الأيديولوجية التي أنهكت المجتمعات.

 قراءة في مآلات مدرستي
السياق التاريخي والظروف التأسيسية
لم تكن المسارات الفكرية لحسن الترابي ويوسف القرضاوي وليدة صدفة، بل كانت انعكاساً للبيئات السياسية التي احتضنت تكوينهما المعرفي. في مصر، نشأ يوسف القرضاوي في كنف جماعة الإخوان المسلمين، متأثراً بهيكليتها التنظيمية الصلبة التي تبلورت في مواجهة الاستعمار البريطاني وسلطة الملكية، مما صبغ تفكيره بصبغة "المركزية التنظيمية" والحرص على الحفاظ على كيان الجماعة. في المقابل، تفتحت مدارك حسن الترابي في السودان، بفسيفسائه العرقية والقبلية المعقدة، وهو ما فرض عليه منذ بداياته ضرورة التفكير في "إسلام جامع" يتخطى ضيق الأطر التنظيمية التقليدية، ليدمج الدين في مشروع حكم وطني استوعب تنوعات السودان الجغرافية والاجتماعية.
تجسد التمايز الجوهري بين الشخصيتين في مرجعياتهما التعليمية؛ فقد استقر القرضاوي في "أروقة الفقه" التقليدي (الأزهر الشريف)، حيث استمد شرعيته من كونه حارساً للثوابت ومجدداً لها في آن واحد، وهو ما جعله يميل دوماً نحو التوفيقية بين التراث والحداثة عبر أدوات "الفتوى". على النقيض، جاء الترابي متسلحاً بتكوين أكاديمي غربي رصين من جامعة السوربون، مما منحه أدوات نقدية جعلته يتجاوز "قداسة النص التاريخي" إلى "حركية الفكرة"، حيث تعامل مع الإسلام كمشروع سياسي استراتيجي قابل للتكيف مع تحديات الدولة الحديثة، وليس مجرد مدونة فقهية تنتظر التطبيق.
برز القرضاوي كمهندس لمشروع "القوة الناعمة" الإسلامية، حيث طوع فقهه لخدمة تمدد الجماعة عابرة للحدود، مبتكراً "فقه الأقليات" و"فقه الأولويات" لضمان بقاء التيار في المجتمعات الغربية والشرقية على حد سواء، وهو ما جعل مدرسته أقرب إلى مؤسسة إعلامية ودعوية عالمية تحاول الحفاظ على تماسك "الجماعة". في المقابل، اتجه الترابي نحو براغماتية السلطة؛ فقد رأى في "الحركة الإسلامية السودانية" أداة للسيطرة على مفاصل الدولة، فاندفع نحو التحالفات السياسية المباشرة، حتى وإن تطلب ذلك التخلي عن أدبيات الحركة التقليدية، محولاً الإسلام من "حالة دعوية" إلى "أداة حكم" عملية ومثيرة للجدل.
في قراءتي الاستراتيجية لهذه المسارات، يمكن ملاحظة أن كلتا الشخصيتين وقعتا في أفخاخ أيديولوجية؛ فبينما نجح القرضاوي في تأطير "وسطية" بدت في ظاهرها متصالحة مع العصر، إلا أنها في جوهرها ظلت حبيسة الأهداف التنظيمية للإخوان، مما أدى في لحظات الانعطاف التاريخي إلى اصطدامه بالواقع السياسي. أما الترابي، فقد كان "راديكاليةً في ثوبٍ حداثي"، حيث أدت ثقته المفرطة في قدرة "العقل التنظيمي" على هندسة المجتمع عبر الدولة إلى صراعات دموية وتفتيت للنسيج الوطني السوداني. إن التاريخ يثبت أن كلا المدرستين، رغم اختلاف الأدوات، ساهمتا في تعقيد مسارات التنمية السياسية في المنطقة، حيث غلب هاجس "الاستحواذ على المجال العام" على حساب بناء الدولة الوطنية القائمة على المواطنة والمساواة.

المنطلقات الفكرية والأيديولوجية
تبنى حسن الترابي رؤية صدامية مع المؤسسة الدينية التقليدية، مدفوعاً بنزعة "تجديدية" راديكالية لم ترَ في التراث إلا قيوداً تعيق التمدد السياسي. بالنسبة للترابي، لم تكن السلطة التزاماً أخلاقياً، بل كانت أداة ديناميكية تستوجب "ثورة دائمة" على كل ما هو مستقر، بما في ذلك المؤسسات التي ضمنت استقرار المجتمعات لقرون. هذا التوجه نحو تفكيك المرجعيات التقليدية لم يكن يهدف إلى حرية التفكير، بل كان يمهد الطريق لفرض "اجتهاد انتقائي" يخدم أجندة الحركة الإسلامية، مما أدى عملياً إلى تجريف الحياة السياسية السودانية من تقاليدها ومؤسساتها الرصينة لصالح "نظام" لم يجد حرجاً في استخدام القمع لفرض مشروعه.
على النقيض، اعتمد يوسف القرضاوي استراتيجية "الوسطية" التي تبدو في ظاهرها متصالحة مع مفاهيم العصر، لكنها في جوهرها كانت محاولة لإعادة إنتاج أيديولوجيا "الإخوان" بعباءة عصرية. طرح القرضاوي مفهوم "مدنية الدولة بمرجعية إسلامية" كصيغة توفيقية تهدف إلى استيعاب الحداثة السياسية دون التخلي عن الطموح الأيديولوجي للهيمنة. بالنسبة له، كانت الديمقراطية "وسيلة" وليست "غاية"، حيث استخدم الآليات الانتخابية كجسر للوصول إلى سدة الحكم وتطبيق رؤية فقهية أحادية، مما جعل "الوسطية" هنا ليست أكثر من تكتيك مرن للتكيف مع ضغوط الواقع، مع الاحتفاظ بصلابة الهدف الاستراتيجي المتمثل في "أسلمة المجتمع والدولة" من الأعلى.
تظهر المقارنة الاستراتيجية هنا تباين المنهج بين "مدرسة التمكين" و"مدرسة الهيمنة الفقهية". في مدرسة الترابي، خضعت كل المفاهيم (بما فيها الشورى) لمعيار "التمكين السياسي" المباشر، حيث تلاشت الحدود بين الدعوة والدولة، وأصبحت الفكرة مجرد تبرير للممارسة السلطوية القاسية. أما في مدرسة القرضاوي، فكانت الفتوى هي أداة الهيمنة؛ إذ وظف المنظومة الفقهية لخلق "شرعية موازية" تدعم توجهات التيار في الساحة الدولية والإقليمية. كلاهما -وإن اختلف المسلك- تعاملا مع مفاهيم العدالة والحرية كأدوات تابعة للهدف الأيديولوجي، وليست كقيم مطلقة ومستقلة عن هيمنة التنظيم.
إن التدقيق في منطلقاتهما يكشف عن مأزق تاريخي؛ فالترابي، بتجاوزه الفج للنظريات التراثية، فتح الباب أمام نوع من "الفوضى الفقهية" التي استخدمتها تيارات أكثر تطرفاً لاحقاً لتبرير ممارساتها. بينما القرضاوي، وبمحاولته مواءمة الفقه مع الديمقراطية عبر "مخارج شرعية"، ساهم في خلق حالة من الاستقطاب الفكري التي ترفض أي رؤية خارج إطار "المرجعية الجماعاتية". إن الخطر الحقيقي في كلتا المدرستين يكمن في تغليب "المنطق التنظيمي" على حساب الدولة الوطنية، مما جعل الحرية والعدالة رهينتين لمدى توافقهما مع أهداف الحركة، وهو جوهر الفكر الراديكالي الذي لا يقبل بوجود مواطنة مستقلة عن الأيديولوجيا.

نقاط التقارب والتباعد
يبرز التباين المنهجي بوضوح؛ فحسن الترابي تبنى نهجاً راديكالياً ثورياً لم يكتفِ بنقد الواقع، بل سعى لهدمه وإعادة بنائه وفق "هندسة اجتماعية" قسرية، مؤمناً بأن الوصول للسلطة هو غاية الوسيلة. في المقابل، اعتمد يوسف القرضاوي المنهج الفقهي الدعوي، متخذاً من "المؤسساتية" قناعاً لترسيخ نفوذ التيار. وبينما كان الترابي يندفع نحو حرق المراحل عبر الانقلابات والتحالفات المباشرة، كان القرضاوي يمارس "النفس الطويل" عبر بناء منظومات الفتوى والاتحادات العلمائية، لضمان اختراق المجتمع من القاعدة إلى القمة، وكلاهما في النهاية يسعى لفرض رؤية شمولية لا تعترف بتعددية المجتمع.
في تتبعنا للتوجه العام، نجد أن الترابي طوّر خطاباً ادعى فيه "الإصلاح الجذري"، وهو في حقيقته محاولة لتفكيك ركائز الدولة الحديثة لصالح أيديولوجيا "الدولة الدينية" المتطرفة، مما جعله يغرد خارج السرب التقليدي للإسلام السياسي. أما القرضاوي، فقد صاغ "وسطية" خادعة استهدفت استقطاب الجماهير وإيهامهم بإمكانية التوفيق بين الحداثة والموروث. إن هذا "التدرج" عند القرضاوي ليس إلا استراتيجية مراوغة للالتفاف على تحديات العصر، بينما كان "الراديكالية" عند الترابي محاولة لفرض تغيير قسري، وكلا التوجهين أديا إلى تآكل الثقة في المؤسسات الوطنية والشرعية السياسية.
فيما يخص التعامل مع الموروث الديني، نجد أن الترابي استخدم "نقد التراث" كأداة قفز لتجاوز المذاهب وشرعنة رؤيته السياسية الفردية، معطياً لنفسه حق إعادة تفسير العقيدة وفقاً لمقتضيات المصلحة السياسية. وعلى الجانب الآخر، وقف القرضاوي موقف "الوسيط التوفيقي"، محاولاً تطويع النص عبر "فقه المصلحة" ليخدم أهداف التنظيم. هذا الفارق، وإن بدا جوهرياً، يصب في مصلحة واحدة؛ وهي استغلال المرجعية الدينية لإضفاء شرعية على ممارسات سياسية بعيدة كل البعد عن روح التنوير أو البناء الوطني الحقيقي.
تتجلى ذروة الالتقاء بينهما في غاية العمل السياسي؛ فبينما غاص الترابي في وحل السلطة المباشرة والمشاركة في الحكم (وما تبعه من كوارث سياسية واجتماعية في السودان)، اكتفى القرضاوي بممارسة "القوة الناعمة" من خلال الفتوى والتوجيه الأيديولوجي عن بُعد. إن الفرق هنا ليس في الهدف، بل في الأدوات؛ فالترابي مثّل "الوجه الخشن" للحركة التي لا تتردد في استخدام العنف، بينما مثّل القرضاوي "الوجه الناعم" الذي يغلف الأهداف السياسية بطبقة دينية لجذب الحواضن الشعبية. وفي كلا الحالتين، كان النتيجة واحدة: محاولة اختطاف الدولة الوطنية وتحويلها إلى مجرد أداة لتطبيق مشاريع أيديولوجية ضيقة الأفق.

 الأثر والنتائج
يمثل حسن الترابي التجسيد الأكثر راديكالية لمحاولة تحويل "التنظيم الدعوي" إلى "جهاز دولة" عبر بوابة الانقلاب العسكري. لم يكتفِ الترابي بالسيطرة على مفاصل السلطة في السودان، بل عمل على هندسة المجتمع وفق رؤية أيديولوجية صدامية، مما أدى إلى عزلة دولية خانقة وصدامات داخلية مزقت النسيج الاجتماعي والعرق. إن إرث الترابي في "نظام الإنقاذ" لا يمثل إلا دليلاً دامغاً على عقم "الدولة الإسلامية التجريبية"؛ حيث انتهى طموحه الجامح إلى الفشل الذريع، تاركاً خلفه دولة منهكة تعاني من حروب أهلية وتفكك سياسي، مما يثبت أن محاولة فرض الأيديولوجيا عبر القمع لا تُنتج إلا الخراب.
على الجانب الآخر، نجح يوسف القرضاوي في بناء "إمبراطورية فقهية" عابرة للحدود، متخذاً من "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين" والمنصات الإعلامية ذراعاً لتوحيد الوعي الجمعي للإسلاميين وفق أجندة التنظيم. هذا "التأثير الناعم" لم يكن بريئاً؛ فقد تم توظيف الفتوى لخدمة الأهداف السياسية للجماعة، مما منح الشرعية لمواقف أيديولوجية أدت إلى استقطاب مجتمعي حاد. لقد أثبت القرضاوي أن التأثير الثقافي والديني، حين يُسخّر للعمل الحزبي، يمكن أن يكون أداة تفكيك للمجتمعات بدلاً من بنائها، خاصة عندما تُغلف الفتاوى السياسية بغلاف "الوسطية" لتبرير الانحيازات الأيديولوجية.
إن المآلات التي انتهت إليها كلا المدرستين تكشف عن فجوة عميقة بين الأطروحات النظرية والواقع الاستراتيجي. الترابي، الذي راهن على "الدولة" كأداة تغيير، اصطدم بصلابة الواقع الدولي والوطني، مما أدى إلى سقوط مشروعه في بؤرة الفشل الذريع. أما القرضاوي، الذي راهن على "الفتوى" كأداة تأثير، فقد انتهى به المطاف إلى خسارة شموليته كمرجعية إسلامية عامة، بعد أن غلّب التزامه التنظيمي على مقتضيات المصلحة الوطنية الشاملة. في الحالتين، أدت محاولة اختطاف المجال العام عبر الدين إلى تآكل الثقة في الخطاب الديني وتحويله إلى ساحة للصراعات السياسية.
في قراءة نقدية ختامية، نجد أن كلا المدرستين قد ساهمتا في تعقيد مسارات التنمية السياسية في العالم العربي. الترابي، عبر "راديكاليته التفكيكية"، والقرضاوي، عبر "وسطيته التنظيمية"، قدما نماذج أثبتت أن استحضار الدين في العمل السياسي لا يؤدي إلا إلى تمزيق الدولة الوطنية. إن الدرس الاستراتيجي المستفاد من تجاربهما يكمن في أن استقرار المجتمعات لا يتحقق إلا بتجاوز هذه الأيديولوجيات الشمولية التي تضع "الجماعة" فوق "الوطن"، و"الأجندة التنظيمية" فوق "المصلحة العامة"، مما يجعل التحرر من سطوة هذه التيارات الراديكالية ضرورة حتمية لإعادة بناء الدولة الوطنية الحديثة على أسس المواطنة والقانون.

الاستنتاج التحليلي
قد يبدو للناظر من الخارج أن مدرسة القرضاوي هي الأكثر "صموداً" بفضل التراكم المؤسسي الذي شيدته عبر العقود، ولكن هذا الصمود هو في جوهره "صمود هيكلي" وليس فكرياً. لقد نجح القرضاوي في التغلغل داخل النسيج الاجتماعي عبر "وسطية" بدت جاذبة للفرد العادي، لكنها في حقيقتها كانت تمثل "تجميداً" للخطاب الفقهي داخل إطار جماعاتي محدد. اليوم، تتداعى هذه المؤسسات لأنها افتقرت إلى القدرة على التجديد الحقيقي؛ فبمجرد أن اصطدمت هذه "الوسطية التنظيمية" باختبارات الواقع بعد "الربيع العربي"، انكشفت هشاشتها، وأصبح خطابها عاجزاً عن تقديم حلول حقيقية تتجاوز الولاء للتنظيم، مما وضعها في حالة أزمة شرعية عميقة أمام الأجيال الجديدة.
على النقيض تماماً، قدم الترابي محاولة "تطورية" أكثر جرأة، لكنها كانت محاولة انتحارية بامتياز. لقد طرح أسئلة كبرى حول الدولة والدين، لكنه -بسبب تضخم "الأنا" الفكرية والنخبوية- حوّل هذه الأسئلة إلى أدوات للهيمنة السياسية بدلاً من كونها مشاريع فكرية للبناء. إن إرث الترابي، الذي اتسم بالتعقيد النظري والانفصال عن الواقع الاجتماعي، انتهى إلى الفشل الذريع حينما حاول قسر الواقع السوداني ليطابق نظرياته المستوردة من أروقة السوربون. تلاشت هذه المدرسة بمجرد تغير موازين القوى في السودان، لأنها لم تكن يوماً متجذرة في وجدان الناس، بل كانت مشروعاً نخبوياً معزولاً اعتمد على "التمكين" لا على "الإقناع".
تعاني المدرستان اليوم من "أزمة شرعية" خانقة؛ فمدرسة الترابي لفظها الواقع السوداني بعد أن دفع ثمن تجاربه السياسية دماً ودماراً، بينما تعاني مدرسة القرضاوي من "شيخوخة الخطاب". لقد تطلبت مرحلة ما بعد الربيع العربي مرونة فقهية وفكرية أعمق بكثير مما وفره تراث القرضاوي الذي ظل حبيس "النمطية الجماعاتية". إن عجز كلا المدرستين عن التكيف مع متطلبات الدولة الوطنية الحديثة، التي تعلي من شأن المواطنة فوق الأيديولوجيا، هو خير دليل على أن هذه المشاريع قد استنفدت أغراضها التاريخية ولم تعد تمتلك ما تقدمه سوى الاجترار أو السقوط.
إن الاستنتاج الذي يجب أن نخلص إليه هو أن أياً من المدرستين لا تصلح لأن تكون بوصلة لمستقبل المنطقة. إننا نقف اليوم أمام ضرورة استراتيجية للتحرر من "قبضة الأيديولوجيا" التي مارستها مدرسة الترابي بالقوة المباشرة ومدرسة القرضاوي بالهيمنة الناعمة. إن مستقبلنا يكمن في بناء مؤسسات معرفية ووطنية وطنية تنبع من صميم احتياجاتنا كدول حديثة، وتضع "الدولة الوطنية" كمرجعية عليا فوق كل ولاء حزبي أو تنظيمي. لقد آن الأوان لإدراك أن تجارب الشخصيات الفكرية -مهما بلغت من البريق- لا يمكن أن تغني عن سيادة القانون، وديمقراطية المؤسسات، ومبدأ المواطنة الكاملة الذي هو صمام الأمان الوحيد في وجه التيارات الراديكالية.

شارك