من إعادة التسلح إلى حماية الديمقراطية.. هل تخشى ألمانيا اختراق الإسلام السياسي لمؤسساتها؟
الجمعة 05/يونيو/2026 - 01:25 م
طباعة
برلين ـ خاص بوابة الحركات الاسلامية
في لحظة تاريخية تعيد فيها ألمانيا رسم عقيدتها الأمنية، مع خطط حكومية لزيادة عدد أفراد الجيش الألماني وتعزيز قدراته الدفاعية في مواجهة التحديات الجيوسياسية المتصاعدة، يتوسع مفهوم الأمن القومي الألماني ليشمل ما هو أبعد من الدبابات والأسلحة.ففي برلين، لم يعد الخطر يُقاس فقط بالتهديدات العسكرية أو بعمليات التجسس التقليدية، بل أيضًا بمحاولات التأثير على المؤسسات الديمقراطية وبناء شبكات نفوذ داخل المجتمع والأحزاب السياسية.
وفي هذا السياق، يعود إلى الواجهة ملف الإسلام السياسي، وعلى رأسه جماعة الإخوان المسلمين، التي تصفها أجهزة حماية الدستور بأنها إحدى أبرز حركات "الإسلاموية القانونية" الساعية إلى تحقيق أهدافها عبر العمل المؤسسي طويل الأمد.هذا القلق لم يبقَ حبيس التقارير الاستخباراتية، بل وصل إلى قبة البرلمان الألماني عندما تقدم حزب البديل من أجل ألمانيا بالاستجواب البرلماني رقم 21/5514، مطالبًا الحكومة بالكشف عما إذا كانت هناك محاولات لاختراق الأحزاب والمؤسسات السياسية، وما هي الخطط الموضوعة لحماية الديمقراطية الألمانية من هذا النوع من النفوذ.وبينما تستعد ألمانيا لتوسيع قدراتها العسكرية وحشد مزيد من الجنود لحماية حدودها ومصالحها، يطرح هذا الجدل سؤالًا موازياً: كيف يمكن للدولة أن تعزز أمنها الخارجي، إذا كانت لا تولي الاهتمام نفسه لحماية جبهتها الداخلية ومؤسساتها الديمقراطية من محاولات التأثير الأيديولوجي؟من هنا، لا تبدو الوثيقة البرلمانية 21/5514 مجرد استجواب عابر، بل جزءًا من نقاش ألماني أوسع حول مفهوم الأمن الشامل، الذي يجمع بين قوة الجيش وصلابة المؤسسات وحماية النظام الديمقراطي من كل أشكال الاختراق أو النفوذ المنظم.ماذا أراد حزب البديل أن يعرف؟جاءت الوثيقة البرلمانية في إطار تساؤلات حول ما إذا كانت أجهزة الأمن الألمانية قد رصدت محاولات منظمة من جانب جماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسها الإخوان المسلمون، للتغلغل داخل الأحزاب السياسية أو التأثير على عملية صنع القرار.وطالب الحزب الحكومة بتوضيح حجم المعلومات المتوافرة لديها، ومدى وجود استراتيجية رسمية للتعامل مع هذا النوع من التهديدات.جاء رد الحكومة حذرًا، إذ أكدت أنها لا تمتلك معلومات تثبت وجود عمليات منظمة لاختراق الأحزاب الممثلة في البرلمان من قبل أعضاء أو مؤيدين لجماعات إسلاموية.لكنها، في المقابل، لم تقلل من خطورة الظاهرة، بل أشارت إلى أن بعض التنظيمات الإسلاموية تسعى إلى اكتساب نفوذ سياسي ومجتمعي، وتقديم نفسها ممثلًا للمسلمين في ألمانيا، وهو ما يتوافق مع تقييمات المكتب الاتحادي لحماية الدستور.وبذلك ميزت الحكومة بين أمرين: عدم وجود أدلة على اختراق حزبي منظم، مع وجود محاولات لبناء نفوذ طويل الأمد داخل المجتمع ومؤسساته.يرى المكتب الاتحادي لحماية الدستور أن جماعة الإخوان تمثل نموذجًا لما يعرف بـ"الإسلاموية القانونية"، أي الحركات التي لا تعتمد على العنف المباشر، وإنما على العمل المؤسسي والتدريجي للوصول إلى التأثير السياسي والاجتماعي.وتعتبر الأجهزة الأمنية أن خطورة هذا النموذج تكمن في سعيه إلى الاستفادة من الحريات الديمقراطية لبناء شبكات نفوذ قادرة على التأثير في النقاش العام وصنع القرار.
كيف استقبلت الأحزاب الألمانية هذا الملف؟الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU/CSU)تبنى على مدى السنوات الماضية موقفًا متشددًا نسبيًا تجاه الإسلام السياسي، ودعا مرارًا إلى تشديد الرقابة على الجمعيات والمنظمات المرتبطة بالإخوان، مع ضرورة عدم الخلط بين الإسلام كدين والإسلاموية كأيديولوجيا سياسية.الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD)ركز على أهمية حماية النظام الديمقراطي من جميع أشكال التطرف، مع التأكيد على أن أي إجراءات يجب أن تستند إلى الأدلة القانونية وألا تؤدي إلى وصم الجاليات المسلمة.حزب الخضريتبنى موقفًا مشابهًا يقوم على احترام الحريات الدينية مع دعم عمل أجهزة الأمن في مراقبة التنظيمات التي يشتبه في تعارضها مع النظام الدستوري، مع رفض التعميم على المسلمين.
كان الأكثر تحفظًا تجاه توسيع صلاحيات المراقبة الأمنية، محذرًا من تحويل ملف الإسلام السياسي إلى أداة للاستقطاب السياسي أو التضييق على العمل المدني.
يعتبر أن خطر الإسلام السياسي لا يقل عن أخطار التجسس أو التدخلات الخارجية، ويرى أن الدولة لم تتعامل بالجدية الكافية مع محاولات بناء النفوذ داخل المجتمع والمؤسسات، ولذلك دفع باتجاه طرح هذا الملف داخل البرلمان.
يأتي إحياء هذا النقاش في وقت تعيد فيه ألمانيا بناء قدراتها الدفاعية وتعمل على زيادة عدد أفراد الجيش وتعزيز جاهزية مؤسساتها الأمنية.فإذا كانت الحرب في أوكرانيا قد دفعت برلين إلى مراجعة استراتيجيتها العسكرية، فإن تصاعد الحديث عن النفوذ الأجنبي، وحملات التأثير، والإسلاموية القانونية، يدفعها أيضًا إلى مراجعة مفهوم الأمن الداخلي.سيناريوهات المستقبلالسيناريو الأول: استمرار الوضع الحالي، مع مواصلة أجهزة الأمن مراقبة التنظيمات دون اتخاذ إجراءات استثنائية، طالما لم تظهر أدلة على اختراق مباشر للأحزاب.السيناريو الثاني: تشديد الرقابة القانونية على الجمعيات والمنظمات التي ترى الدولة أنها تمثل واجهات للإسلام السياسي، مع تعزيز التنسيق بين أجهزة الأمن والأحزاب السياسية.السيناريو الثالث: في حال ظهور وقائع أو تحقيقات جديدة تثبت وجود محاولات منظمة للتأثير على الحياة الحزبية، فقد يتجه النقاش الألماني نحو تشريعات أكثر صرامة لحماية المؤسسات الديمقراطية.وفي جميع الأحوال، يبدو أن ألمانيا، وهي تعيد بناء جيشها وتستعد لعصر جديد من التحديات الأمنية، تخوض معركة موازية لا تقل أهمية
