حسام الحداد يكتب: إفريقيا في استراتيجية داعش.. إحياء السردية لتعويض الانحسار الميداني
السبت 06/يونيو/2026 - 05:46 م
طباعة
حسام الحداد
في محاولة استراتيجية لاستعادة وهجها الدعائي وتثبيت أقدامها كقوة عابرة للحدود، عمد تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) عبر منبره الإعلامي المركزي "النبأ" إلى نشر افتتاحية تحت عنوان "إفريقية بين الأمس واليوم" في العدد 550 والصادر مساء الخميس 4 يونيو 2026، لا يمثل هذا النص مجرد مادة تحريرية عابرة، بل هو وثيقة تهدف إلى إعادة صياغة سردية التنظيم التاريخية؛ حيث يستحضر "داعش" عبرها مفهوم "نصرة المسلمين" كغطاء أيديولوجي راديكالي لتبرير تواجده المسلح في القارة السمراء. ومن خلال هذا الخطاب، يعمل التنظيم على هندسة وعي أتباعه عبر تحويل الصراعات المحلية المعقدة في منطقة الساحل وحوض بحيرة تشاد، التي تتداخل فيها العوامل الإثنية والبيئية والاقتصادية، إلى "معركة وجودية" مقدسة ضد ما يصنفونه بـ "العدو الصليبي".
يأتي هذا الإصدار الإعلامي في توقيتٍ بالغ الحساسية، حيث يواجه التنظيم تحديات وجودية وضغوطاً أمنية دولية متزايدة بعد انحساره التاريخي في معاقله المركزية بالعراق وسوريا. ومن هنا، تبرز الافتتاحية كأداة تعبئة جوهرية يسعى من خلالها التنظيم إلى الانتقال من استراتيجية "الملاذ الخلفي" التي كانت توفر له الحماية، إلى استراتيجية "مركز الثقل العملياتي" الذي يضمن له الاستمرار والبقاء. إن هذا التحول في الأهداف –من استعادة أمجاد الماضي إلى الاستثمار في هشاشة الواقع الإفريقي– يكشف عن إدراك قيادة التنظيم لضرورة تأمين جغرافيا بديلة تمنحها شرعية ميدانية، مما يضع القارة الإفريقية أمام تحدٍ أمني متصاعد يهدد باستنزاف مواردها وتحويلها إلى ساحة صراع مفتوحة لا تتوقف آثارها عند الحدود الوطنية.
دلالات الخطاب وتوقيته
تعتمد افتتاحية "النبأ" على هندسة سردية تقوم على ما يمكن تسميته بـ "التأصيل الممتد"، حيث يعمل التنظيم بوعي على ربط مشهده الراهن في إفريقيا بإرثه الدعائي القديم، وتحديداً سلسلة "فرسان الشهادة" التي تعود لعام 1431هـ. يهدف هذا الربط الزمني إلى إرسال رسالة مفادها أن الوجود الحالي في نيجيريا ومالي وبوركينا فاسو ليس وليد الصدفة أو مجرد رد فعل لظروف أمنية طارئة، بل هو "خطة استراتيجية" متجذرة كانت تنتظر نضوج الظروف الميدانية. هذا الربط يخدم غرضاً جوهرياً وهو منح التمدد الإفريقي صبغة "الاستمرارية العقائدية"، مما يغلق الباب أمام التشكيك في جدوى أو شرعية هذا التوجه لدى القواعد التنظيمية.
تتمحور الدلالة الأبرز في الخطاب حول "شرعنة العنف"، حيث يحاول التنظيم تحويل العمليات المسلحة من مجرد صراعات دموية إلى أفعال "تعبدية" ومواقف أخلاقية. من خلال تصوير نفسه في موضع "المخلص" الوحيد الذي استجاب لنداءات المسلمين في إفريقيا إبان ما يصفه بـ "مجازر النصارى"، يشرعن التنظيم ممارساته العنيفة ويضعها في سياق "الاستجابة للاستغاثة". هذا التوظيف يجعل العنف "ضرورة شرعية" لا غنى عنها، محولاً المقاتل من عنصر في تنظيم محلي إلى "حامٍ للهوية والدين"، وهو تكتيك يهدف إلى تحصين العناصر من أي مراجعات أخلاقية أو فكرية حول وحشية أساليبهم.
يبرز في النص استخدام مكثف للغة العاطفة التي تتقاطع ببراعة مع التعبئة العسكرية المباشرة. يستخدم المحرر مفردات تلامس الوجدان الديني (مثل: الأخوة، نصرة المظلوم، الثبات) ليغلف بها الدعوات للقتال والقتل والتهجير. تهدف هذه الكيمياء اللغوية إلى إعادة ضخ الحماس في عروق مقاتلي التنظيم الذين يعانون من "إحباط المشرق" بعد انحسار نفوذ "الخلافة" في العراق وسوريا. إن إعادة شحن الروح المعنوية عبر استحضار "مظلوميات إفريقيا" يعمل كصمام أمان تنظيمي يحول دون انهيار البناء النفسي للأتباع، ويمنحهم هدفاً جديداً يبدو "نبيلاً" في نظرهم رغم طبيعته الدموية.
لا يأتي اختيار هذا التوقيت لنشر الافتتاحية من فراغ؛ فهو يعكس حاجة التنظيم الماسة لإثبات حضوره كلاعب دولي فاعل بعد سنوات من التراجع الاستراتيجي. ففي ظل غياب أي إنجازات ميدانية كبرى في معاقله التاريخية، يأتي الخطاب ليُعيد تعريف "المركز والأطراف" في خريطة التنظيم، حيث يتم تقديم إفريقيا كبديل استراتيجي وملاذ آمن. هذا التوجه يعكس قراءة قيادة التنظيم لواقع القارة التي توفر "بيئة خصبة" من الفقر والهشاشة الأمنية، مما يجعله توقيتاً مثالياً لإعلان "نقل الثقل"، ومحاولة لترميم الصورة الذهنية للتنظيم أمام أتباعه ومنافسيه على حد سواء.
التناقض بين الخطاب والواقع
تغلف الافتتاحية خطابها بمسحة من التضامن الإنساني والديني تجاه مسلمي إفريقيا، واضعةً التنظيم في دور "المنقذ"، إلا أن هذا السرد يغيب تماماً النتائج الكارثية الموثقة على الأرض. ففي حين يروج النص لقصص "النصرة"، تؤكد التقارير الأممية والدولية أن العمليات العسكرية التي يشنها تنظيم "داعش" وفروعه هي المحرك الرئيسي لموجات النزوح القسري والتهجير الداخلي في منطقة الساحل وحوض بحيرة تشاد. إن واقع الشعوب في هذه المناطق يكشف عن تحول مئات الآلاف من "المسلمين الذين يدعي التنظيم نصرتهم" إلى لاجئين ونازحين يعيشون في ظروف إنسانية قاسية، نتيجة مباشرة لاختيار التنظيم مناطقهم مسرحاً لعملياته الدموية.
يتجاهل الخطاب التحريري لـ "النبأ" حقيقة دامغة تمثل "المسكوت عنه" الأكبر في سردية التنظيم؛ وهي أن غالبية ضحايا عملياته في نيجيريا والنيجر ومالي هم من المسلمين المحليين أنفسهم. يتغاضى التنظيم عن حقيقة أن العنف الذي يمارسه لا يستهدف أطرافاً خارجية فحسب، بل يطال كل من يرفض مبايعته أو يرفض الانصياع لنهجه المتشدد، بما في ذلك أعيان القبائل، والعلماء التقليديين، والموظفين في مؤسسات الدولة. إن هذا "التغييب المتعمد" للضحايا المسلمين يكشف عن براغماتية دموية لا تتورع عن تصفية أبناء المجتمع الواحد لترسيخ نفوذها، مما ينسف جوهر ادعاءات التنظيم بكونه حامياً لهوية المسلمين.
تتعمد الافتتاحية اختزال تعقيدات الصراع في إفريقيا في صراع ديني "ثنائي" محض، في محاولة لنزع الصبغة السياسية والاجتماعية عن الأزمات المحلية. يسعى التنظيم من خلال هذا التبسيط المخل إلى طمس الأسباب الجذرية التي تغذي العنف، مثل التغير المناخي الحاد، والتصحر الذي أدى إلى تدمير سبل العيش للرعاة والمزارعين، فضلاً عن التنافس التاريخي على الموارد المحدودة وهشاشة هياكل الدولة الوطنية. عبر هذا "التضليل المنهجي"، يحاول التنظيم تحويل الأزمات الوجودية للمجتمعات الإفريقية إلى وقود لأيديولوجيته، مما يعرقل أي فرص للحلول السياسية أو التنموية الشاملة التي قد تعالج جوهر المعاناة.
إن الخطر الأكبر الذي يمثله خطاب "النبأ" لا يتوقف عند التضليل الإعلامي، بل يمتد إلى ضرب النسيج الاجتماعي والتعايش السلمي الذي طبع المجتمعات الإفريقية لقرون. فمن خلال إصرار التنظيم على تأطير النزاعات المحلية في إطار "حرب عقائدية"، فإنه يعمل على تغذية الانقسامات الأهلية وتأجيج مشاعر الكراهية والارتياب بين المكونات العرقية والدينية المختلفة. هذا التوظيف للخطاب المتطرف ليس مجرد وسيلة تجنيد، بل هو أداة استراتيجية لتمزيق المجتمعات من الداخل، مما يجعلها أكثر عرضة للانهيار وأكثر تبعية للمشاريع المتطرفة التي لا تعترف بحدود أو خصوصيات المجتمعات المحلية.
أثر الخطاب على الشعوب والمنطقة
يُعد الخطاب الذي تتبناه افتتاحية "النبأ" بمثابة محاولة لهدم التراكم التاريخي للتعايش السلمي في المجتمعات الإفريقية. فمن خلال إحياء مصطلحات قديمة كـ "الجزية" وفرض لغة استعلائية تجاه المكونات غير المسلمة، يسعى التنظيم إلى تحويل التنوع الديني والعرفي الإيجابي إلى بؤرة للتوتر والاحتراب. هذا التحريض المنهجي لا يستهدف فقط "الآخر" المختلف عقائدياً، بل يسعى لفرض واقع جديد تكون فيه الكراهية هي المحرك الأساسي للعلاقات البينية، مما يهدد بتمزيق الروابط الاجتماعية التي صمدت لقرون في وجه الأزمات والتدخلات الخارجية.
لا يقتصر أثر الخطاب المتطرف على استهداف غير المسلمين فحسب، بل يمتد ليشمل "تخوين" المجتمعات المسلمة التي ترفض نهج التنظيم أو تتمسك بنماذج التدين الوسطي المتجذر في إفريقيا. إن وصف من يخالف فكر التنظيم بـ "المرجئة" أو "الصوفية الغالية" أو "المتعاونين مع الكفار" هو أداة استراتيجية لكسر وحدة المجتمعات المسلمة. هذا التفتيت المتعمد يخلق حالة من "الاستقطاب الحاد" داخل البيت الواحد، حيث يُصبح المجتمع الإفريقي منقسماً بين "أتباع المنهج" وبين "الخونة المستباحين"، مما يسهل على التنظيم تنفيذ أجندته عبر إضعاف القدرة الجماعية للمجتمعات على المقاومة السلمية أو النقد الفكري.
يؤدي تأطير الصراعات المحلية في إطار "ديني عالمي" إلى تعقيد الحلول الأمنية بشكل غير مسبوق. فعندما تُختزل قضايا الفقر، وتوزيع الموارد، والنزاعات على الأراضي في إطار "حرب بين الإيمان والكفر"، تصبح المعالجات الأمنية التقليدية أو المبادرات السياسية والقبلية غير ذات جدوى. هذا التحول ينقل الصراع من ساحة يمكن التفاوض حولها إلى حلقة مفرغة من العنف المتبادل لا تقبل الحلول الوسط، مما يمنح الجماعات المتطرفة ذريعة للاستمرار في القتال بذريعة حماية "الهوية الدينية" من الأخطار الخارجية المزعومة.
تكمن الخطورة الكبرى في أن هذا الخطاب يعمل على تعطيل مسارات التنمية كأداة للتحصين المجتمعي. فكلما تغلغل الخطاب المتطرف في عقول الشباب والشعوب، تراجعت فرص الاستقرار اللازمة لجذب الاستثمارات أو بناء مؤسسات الدولة القوية. وبدلاً من أن تكون التحديات الإفريقية محط اهتمام دولي لحلها، تصبح القارة في نظر المنظومة الدولية مجرد "بؤرة إرهاب" تتطلب التدخل العسكري فقط. هذا المسار لا يخدم التنمية المستدامة، بل يحول القارة إلى ساحة استنزاف دائم، حيث تُهدر الموارد البشرية والمادية في صراعات لا تنتهي، مما يخدم غاية التنظيم في إدامة الفوضى التي يقتات عليها.
التداعيات الإقليمية والدولية
تسعى افتتاحية "النبأ" إلى إعادة تعريف الخريطة الجغرافية للعمل الجهادي العالمي، عبر تقديم إفريقيا باعتبارها "أرض التمكين" الجديدة. بعد انهيار "الخلافة" المكانية في العراق وسوريا، وجد التنظيم نفسه في حاجة ملحة لتقديم بديل مكاني يملأ الفراغ الوجداني والسياسي لدى أتباعه. إن تسويق القارة الإفريقية كبديل استراتيجي لا يهدف فقط إلى استيعاب بقايا المقاتلين الأجانب الذين فقدوا بوصلتهم، بل يهدف إلى خلق قاعدة خلفية جديدة قادرة على استقبال "الهجرة" التنظيمية، مما يحول الصراع المحلي في مناطق الساحل إلى مغناطيس لجذب العناصر المتطرفة من مختلف بقاع العالم، وبالتالي تهديد الأمن الدولي بنقل بؤر التوتر إلى مستويات أكثر تعقيداً ودموية.
لا تتوقف طموحات التنظيم عند حدود النفوذ الميداني، بل تمتد لتكريس "عولمة التجنيد"؛ حيث يسعى الخطاب إلى ربط الأزمات الإفريقية بالنسق الأيديولوجي العالمي للتنظيم. إن هذا التحول يعني تحويل النزاعات المحلية –التي كانت تحكمها في السابق حسابات قبلية أو سياسية– إلى أجزاء من معركة كبرى ضد "العدو البعيد". هذا التدويل المتعمد يُعقد مهام المجتمع الدولي في احتواء الإرهاب؛ إذ لم يعد التحدي مقتصراً على جماعات مسلحة محلية، بل بات مرتبطاً بشبكة عابرة للحدود، تستخدم إفريقيا كمنصة انطلاق لتهديد المصالح الدولية وتصدير الفوضى خارج الحدود الإقليمية للقارة.
تعد الافتتاحية رسالة مشفرة وموجهة بالدرجة الأولى إلى تنظيم "القاعدة" وفروعه المنتشرة في إفريقيا. فمن خلال إبراز "الالتزام العقائدي" و"المنهج الصريح"، يضع التنظيم نفسه في موضع المنافس الذي يمتلك "الشرعية الثورية" الأكثر تشدداً. إن التنافس بين "داعش" و"القاعدة" على كسب ولاء الجماعات المحلية لم يعد مجرد خلاف فكري، بل أصبح سباقاً ميدانياً محموماً؛ حيث يحاول كل طرف إثبات قدرته على القيادة والتمويل والعمليات النوعية. هذا التنافس يزيد من وتيرة العنف، حيث تتسابق التنظيمات لإثبات تفوقها عبر تنفيذ عمليات أكثر وحشية لاستقطاب المقاتلين الذين يميلون للولاء للطرف الأكثر "نجاحاً" و"تأثيراً".
إن التنافس بين القوى المتطرفة، مدفوعاً بخطاب "النبأ" التحريضي، ينذر بتآكل استقرار دول المنطقة بشكل أكبر، وهو ما يفرض تحديات وجودية على المنظومة الدولية. عندما تتصارع تنظيمات عالمية على أرض إفريقية، فإن الدولة الوطنية تصبح الضحية الأولى لهذا الصراع، مما يؤدي إلى تآكل سيادة الدول وانهيار مؤسساتها الأمنية والخدمية. هذه الديناميكية لا تهدد فقط السلم والأمن في إفريقيا، بل تفرض على القوى الدولية إعادة تقييم استراتيجياتها الدفاعية والأمنية، حيث تُجبر هذه الدول على التعامل مع "إرهاب عابر للقارات" يمتلك عمقاً بشرياً وجغرافياً جديداً، مما يجعل الحلول الأمنية التقليدية عرضة للفشل إذا لم تتبعها معالجات سياسية جذرية.
الخاتمة:
إن افتتاحية "النبأ" ليست مجرد مقال تحريري، بل هي "وثيقة استراتيجية" تعكس تحول داعش من طموح السيطرة المركزية إلى استراتيجية "اللامركزية المتوحشة". يراهن التنظيم على استغلال هشاشة الدول الإفريقية وتوظيف المظلوميات الاجتماعية لتوسيع نطاق نفوذه. إن استمرار هذا الخطاب في التمدد، إذا لم يقابل برؤية شاملة تعالج الجذور الأمنية والتنموية للتطرف، سيجعل من القارة الإفريقية ساحة استنزاف طويلة الأمد، قد تمتد آثارها لتتجاوز الحدود الوطنية إلى تهديد الأمن الإقليمي والدولي بشكل مباشر.
