استراتيجيات مكافحة التطرف والسياسات الأمنية لشهر يونيو 2026
الأحد 07/يونيو/2026 - 01:32 م
طباعة
حسام الحداد
تشهد السياسات الأمنية الدولية في عام 2026 تحولاً نوعياً في المقاربات المعتمدة لمواجهة التطرف، إذ لم تعد مكافحة الإرهاب تقتصر على الضربات العسكرية الميدانية أو ملاحقة الخلايا النشطة، بل باتت تمتد إلى محاولة تفكيك البنى الأيديولوجية والتمويلية التي تُغذّي هذه الظاهرة في جذورها. وتتصدر هذه التحولات إدارة ترامب بخطوات تشريعية وأمنية غير مسبوقة، تستهدف لأول مرة في التاريخ السياسي الأمريكي تصنيف شبكة الإخوان المسلمين العالمية بوصفها منظومة إرهابية متكاملة، لا مجرد جماعات منفصلة تُعامَل كلٌّ منها بمعزل عن الأخرى.
بيد أن هذه السياسات تواجه معضلة بنيوية عميقة؛ إذ تتصاعد التهديدات الجهادية في مناطق الهشاشة الحوكمية بمعدلات تفوق قدرة المنظومة الأمنية الدولية على المعالجة الفعلية. فبينما تُركّز واشنطن مواردها على الملفات الإقليمية المشتعلة في الشرق الأوسط، تتوسع رقعة التطرف في الساحل الأفريقي وآسيا الوسطى بصمت ومنهجية، مُكرِّسةً نمطاً من "التطرف المتشعّب" الذي يتجاوز آليات الاستجابة الأمنية التقليدية ويُعيد طرح السؤال الجوهري حول جدوى المقاربات الأمنية البحتة في غياب معالجة حقيقية للأسباب السياسية والاجتماعية الجذرية.
استراتيجية أمريكية جديدة لمكافحة الإرهاب تستهدف الإخوان
في السادس من مايو الماضي، أطلق البيت الأبيض استراتيجيته الشاملة لمكافحة الإرهاب لعام 2026، مُصنِّفاً جماعة الإخوان المسلمين بوصفها "جذر الإرهاب الإسلامي الحديث بأسره"، ومُعلناً عزمه "سحق التنظيم في كل مكان يعمل فيه". وتُمثّل هذه الاستراتيجية أكثر الحملات الأمريكية شمولاً وعمقاً ضد جماعة الإخوان في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية، إذ تُدرج لأول مرة التنظيمَ الأم مع فروعه الإقليمية المتعددة في إطار مؤسسي إرهابي واحد متكامل. FDD
وفي سياق تدريجي سبق إعلان الاستراتيجية، كانت وزارتا الخزانة والخارجية الأمريكيتان قد بادرتا في يناير 2026 إلى تصنيف الفروع اللبنانية والأردنية والمصرية لجماعة الإخوان منظماتٍ إرهابية، مستندتين إلى تقديمها دعماً مادياً مباشراً لحركة حماس. ورافق تصنيف الفرع اللبناني تحديدُ زعيمه محمد فوزي تقوش بالاسم ضمن قائمة الإرهابيين الدوليين المُعيَّنين بصورة خاصة، في رسالة واضحة بأن الملاحقة ستطال الأفراد لا التنظيمات فحسب. Counter Extremism Project
تعكس هذه الخطوات المتتالية منهجية حسابية متعمّدة؛ إذ تُمكّن واشنطن من بناء ملف تصنيفي تراكمي يصعب الطعن فيه قانونياً، بدلاً من تصنيف شامل مفتوح قد يصطدم بعقبات أمام المحاكم الأمريكية أو يُثير توترات دبلوماسية مع حلفاء يحتضنون فروع الجماعة. وقد أدرجت الاستراتيجية ذاتها أُطراً تشغيلية تشمل اليمن وأفريقيا، مُصنِّفةً إيران "التهديد الأكبر" في الشرق الأوسط، ومُشيرةً إلى الحوثيين بوصفهم تهديداً مباشراً للممرات الملاحية الاستراتيجية التي يرتبط بها الاقتصاد العالمي. Yemen Online |
تصنيف إخوان السودان منظمة إرهابية
أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في التاسع من مارس 2026 تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان "إرهابياً عالمياً مُعيَّناً بصورة خاصة"، مؤكدةً أن الجماعة توظّف "عنفاً غير مقيّد ضد المدنيين" بهدف إعاقة جهود حل النزاع السوداني وترسيخ أيديولوجيتها الإسلامية العنيفة، مع نيّة الإدارة الأمريكية المُعلنة تصنيفها فصيلاً إرهابياً أجنبياً بأثر رجعي اعتباراً من السادس عشر من الشهر ذاته. U.S. Department of State
والأبعد أثراً في هذا التصنيف هو ربطه الصريح بالحرس الثوري الإيراني؛ إذ أكد بيان الخارجية الأمريكية أن الجماعة أسهمت بما يزيد على عشرين ألف مقاتل في الحرب الأهلية السودانية، كثيرٌ منهم تلقّوا تدريبات ودعماً لوجستياً مباشراً من الحرس الثوري، مما يجعل القرار أداةً مزدوجة تستهدف في آنٍ واحد الإخوانَ في السودان وتضييقَ الخناق على الشبكات الإيرانية في أفريقيا. Fox News
وعلى الصعيد الإقليمي، رحّبت دولة الإمارات العربية المتحدة بالقرار ترحيباً رسمياً، مُعتبِرةً إياه انعكاساً للجهود الدولية المنهجية الرامية إلى وقف العنف المفرط ضد المدنيين ومعالجة الأنشطة الزعزعة لاستقرار السودان، وهو ما يُجسّد التقاطع بين السياسة الأمريكية لمكافحة الإرهاب والمصالح الاستراتيجية الخليجية في تطويق نفوذ الإخوان على المستوى الإقليمي. gulfnews
تحذيرات من تمدد البيئات الحاضنة للتطرف
تُجمع تقديرات الأمن القومي الأمريكي على أن أفغانستان وأجزاء من سوريا والعراق ومناطق واسعة من الساحل الأفريقي وأفريقيا الوسطى لا تزال توفّر بيئات حاضنة تتيح لجماعات كداعش-خراسان وداعش-الساحل وجماعة JNIM استمرار بنيتها التدريبية وحرية التنقل عبر الحدود واستقطاب عناصر جديدة، وذلك في ظل ضعف الحوكمة وغياب القدرات الأمنية المحلية وانعدام الإرادة السياسية للتصدي الحاسم لهذه الجماعات. HSToday
وتكشف التحليلات الأمنية أن أوجه التشابه بين هذه الجماعات تتجاوز الأيديولوجيا المشتركة لتشمل الأساليب التشغيلية؛ إذ تعتمد جميعها على الكمائن والعبوات الناسفة والعمليات المنسقة، وتستند إلى شبكات التدريب المحلية والعابرة للحدود لاستدامة قدراتها القتالية وإلهام الفروع المنتشرة في مناطق شتى. وفي ظل هذا التشابك، باتت الهزيمة الميدانية لتنظيم واحد لا تعني بالضرورة انحساراً فعلياً للتهديد الإجمالي. HSToday
ويُضيف محللون غربيون بُعداً تحذيرياً إضافياً، مُشيرين إلى أن الحرب الإسرائيلية-الحمساوية ومجريات الصراع الإقليمي الأوسع أسهمت في تسريع وتيرة التطرف وشجّعت المتطرفين في شتى أنحاء العالم، في ظل صعود موجة جديدة من الجهادية الراديكالية تتغذى على الغضب الشعبي إزاء الصراعات الدائرة وتوظّفها ذريعةً لتبرير العنف وتجنيد الأعضاء. Fox News
وأخيرا، يتضح من مجمل المعطيات الواردة في هذا القسم أن المنظومة الدولية لمكافحة الإرهاب تعمل في ظل فجوة استراتيجية متسعة بين طموح التصنيف القانوني وواقع التمدد الميداني؛ فبينما تُراكم واشنطن قوائم التصنيف وتُطلق الاستراتيجيات الشاملة، تواصل جماعات الساحل والجماعات الجهادية اللامركزية توسيع رقعتها الجغرافية وتعميق جذورها المجتمعية، مما يُرسّخ القناعة لدى شريحة واسعة من المحللين بأن أي مقاربة أمنية تفتقر إلى بُعد سياسي واجتماعي حقيقي ستظل قاصرة عن احتواء ظاهرة التطرف على المدى البعيد.
