فشل الحوار في الصومال: كيف يهدد النزاع الانتخابي جهود مكافحة "حركة الشباب"؟
الثلاثاء 09/يونيو/2026 - 04:06 م
طباعة
علي رجب
في ظل تصاعد التوترات السياسية والأمنية في الصومال، حذر خبراء ومراقبون من أن النزاع الانتخابي المحتدم في البلاد قد يتطور إلى مواجهات مسلحة واسعة النطاق، سواء كانت ذات طابع سياسي، قبلي، أو جهادي. ومع تجاوز البلاد لاستحقاقات دستورية حساسة، بات المشهد الصومالي في يونيو 2026 يواجه مخاطر الانزلاق نحو أزمة شرعية قد تعصف بالاستقرار الهش الذي بُني على مدار سنوات.
أزمة دستورية ومأزق شرعية
انتهت ولاية الرئيس حسن شيخ محمود رسمياً في 15 مايو 2026، إلا أن التعديلات الدستورية الأخيرة –التي تضمنت تمديد الولاية لخمس سنوات وتعزيز حق الاقتراع العام– أثارت عاصفة من الجدل.
فبينما ترى الحكومة في هذه التعديلات خطوة نحو التحول من نظام "العشائر" (صيغة 4.5) إلى نظام "صوت واحد لكل شخص"، ترفض المعارضة هذه الخطوة وتعتبرها "انقلاباً دستورياً" لا تعترف بشرعيته، مما جعل البلاد رهينة لمأزق سياسي خانق.
فشلت كافة المحادثات بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة (المتمثلة في مجلس مستقبل الصومال/منتدى إنقاذ الصومال)، في حين تدهورت العلاقة بين مقديشو والولايات الفيدرالية الأعضاء؛ حيث قطعت ولايات مثل بونتلاند وجوبالاند وجنوب غرب الصومال علاقاتها مع المركز بسبب خلافات حول النماذج الانتخابية وتمركز السلطة.
مقديشو في مرمى النار
تحولت التوترات السياسية مؤخراً إلى واقع ميداني مؤلم. ففي الثالث من يونيو، شهدت أجزاء من العاصمة مقديشو اشتباكات عنيفة بين القوات الموالية للحكومة الفيدرالية وأفراد أمن مرتبطين بمرشحي المعارضة الرئاسية، مما أسفر عن سقوط ضحايا ونزوح الآلاف.
ويشير محمد داود، مساعد باحث أول لشؤون جنوب شرق أفريقيا، في مقاله له بمشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة (ACLED) إلى أن هذه الاشتباكات ليست مجرد صراع على السلطة، بل هي تحول خطير نحو "التعبئة العشائرية". فقد عمد قادة معارضون بارزون، بمن فيهم رؤساء سابقون، إلى نقل ثقلهم الأمني إلى مناطق يسيطر فيها أفراد عشائرهم في مقديشو، مثل أحياء عبديسيس وهولوداداغ وهودان. هذا الحشد العسكري على أسس قبلية يحول الخلاف السياسي حول الإصلاح الانتخابي إلى مواجهة طائفية وعشائرية، مما يهدد بتفتيت قوات الأمن الوطنية وتوزيع ولائها بناءً على الانتماءات القبلية.
"حركة الشباب": المستفيد الأكبر
لا يقتصر خطر النزاع على القوى المحلية المتصارعة، بل يمتد ليشكل "هدية استراتيجية" لحركة "الشباب" المرتبطة بتنظيم القاعدة. ويؤكد المحللون أن انشغال الحكومة بالخلافات الداخلية أدى إلى تراجع ملحوظ في جهود مكافحة التمرد. فالنظام السياسي المشظى يتيح للحركة فرصاً ذهبية لتكثيف هجماتها، واستعادة الأراضي التي فقدتها، وتنفيذ عمليات انتحارية نوعية بالتزامن مع توقيت التوترات الانتخابية، وهو ما يثبت أن انعدام الأمن السياسي هو الوقود الرئيسي لعودة التطرف.
تداعيات إقليمية ومخاوف دولية
تصنف مؤشرات الضعف الانتخابي الصومال ضمن الدول الأكثر عرضة لخطر العنف واسع النطاق في عام 2026. ورغم دعوات المجتمع الدولي، بما في ذلك الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والولايات المتحدة، لضبط النفس والجلوس إلى طاولة الحوار، إلا أن انعدام الثقة بين الطرفين جعل الوقت يمر دون تحقيق اختراق حقيقي.
ويرى المراقبون أن الصومال اليوم يقف أمام خيارين أحلاهما مر: إما العودة إلى مسار حواري جاد يضمن حلاً وسطاً بشأن خارطة الطريق الانتخابية وتحديد فترات الولاية وعلاقة الولايات بالحكومة المركزية، أو الانزلاق نحو سيناريوهات الحرب الأهلية التي شهدتها البلاد في مراحل تاريخية سابقة.
إن المأزق الحالي ليس مجرد نزاع على صناديق الاقتراع، بل هو اختبار لمدى قدرة مؤسسات الدولة الصومالية على الصمود في وجه التفكك العشائري والإرهاب الممنهج. ومع بقاء خيوط الأزمة معقدة، يبقى الحوار هو الطريق الأوحد لخفض التصعيد، لكن مراقبي الوضع يؤكدون أن نافذة الفرصة تضيق، وأن العواقب الأمنية لهذا الخلاف لن تتوقف عند حدود السياسة، بل ستطال استقرار القرن الأفريقي برمته.
