بين الدعاية السياسية والواقع الميداني.. كيف يمكن تقييم إعلان ترامب إنهاء الحرب مع إيران؟
السبت 13/يونيو/2026 - 12:52 م
طباعة
فاطمة عبدالغني
في تطور لافت أثار جدلًا واسعًا داخل الولايات المتحدة وخارجها، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الحرب مع إيران قد انتهت، مؤكدًا أن الضغوط العسكرية والضربات الأمريكية الأخيرة دفعت طهران إلى العودة لطاولة المفاوضات والتوصل إلى ما وصفه بـ"اتفاق عظيم"، إلا أن هذا الإعلان قوبل بحالة من التشكيك، في ظل غياب تفاصيل واضحة بشأن الاتفاق المزعوم واستمرار التساؤلات حول مدى قدرته على معالجة الملفات الأساسية التي أشعلت الأزمة، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني وأمن الملاحة في الخليج.
وبحسب تحليل نشرته شبكة CNN للكاتب ستيف كولينسون، فإن تقييم مزاعم ترامب يتطلب النظر إلى الوقائع السياسية والعسكرية بعيدًا عن التصريحات المتفائلة، خاصة أن الرئيس الأمريكي سبق أن أعلن مرارًا قرب التوصل إلى اتفاق مع إيران دون أن تترجم تلك التصريحات إلى نتائج ملموسة.
إعلان مفاجئ بعد ساعات من التصعيد
شهدت الساعات التي سبقت إعلان ترامب تناقضًا واضحًا في الموقف الأمريكي، ففي الوقت الذي لوّح فيه الرئيس بإمكانية استهداف جزيرة خرج الإيرانية، أحد أهم مراكز تصدير النفط في البلاد، عاد بعد ساعات ليؤكد أن الحرب انتهت وأن اتفاقًا بات وشيكًا.
ويرى التقرير أن أي اتفاق قادر على وقف التصعيد وضمان عدم امتلاك إيران لسلاح نووي سيشكل إنجازًا دبلوماسيًا كبيرًا، ليس فقط لأنه سينهي مواجهة عسكرية هزت الشرق الأوسط، بل لأنه قد يخفف أيضًا من تداعيات أزمة الطاقة العالمية وارتفاع أسعار الوقود والتضخم.
لكن رغم هذه المكاسب المحتملة، يؤكد محللون أن الإعلان الأمريكي ما زال يفتقر إلى الأدلة الملموسة التي تسمح باعتباره تحولًا استراتيجيًا حقيقيًا في مسار الحرب.
شكوك واسعة حول طبيعة الاتفاق
حتى الآن لم ينشر البيت الأبيض النص الكامل لمذكرة التفاهم التي تحدث عنها ترامب، الأمر الذي فتح الباب أمام تكهنات عديدة بشأن مضمونها الحقيقي.
ويرجح بعض المراقبين أن يكون الاتفاق مرتبطًا بإعادة فتح مضيق هرمز مقابل تخفيف الإجراءات الأمريكية البحرية، مع تأجيل القضايا الأكثر تعقيدًا، وعلى رأسها مستقبل البرنامج النووي الإيراني، إلى مراحل تفاوضية لاحقة.
ونقل التقرير عن فرانك كيندل، وزير القوات الجوية الأمريكي السابق في إدارة جو بايدن، قوله إن ما يجري الحديث عنه لا يمثل اتفاقًا نهائيًا لإنهاء الحرب، بل قد يكون مجرد تمديد لوقف إطلاق النار لفترة مؤقتة تسمح باستمرار المفاوضات.
كما أبدى عدد من الجمهوريين تحفظات مماثلة، مطالبين بالكشف عن تفاصيل الاتفاق قبل الحكم عليه، وهو ما يعكس وجود حالة من الترقب داخل الأوساط السياسية الأمريكية.
البرنامج النووي.. الاختبار الحقيقي للاتفاق
يؤكد التقرير أن معيار النجاح الأساسي لأي اتفاق أمريكي إيراني يتمثل في قدرته على معالجة الملف النووي بصورة قابلة للتحقق والرقابة الدولية.
فمجرد الاتفاق على بدء محادثات جديدة لا يعني بالضرورة تحقيق اختراق حقيقي، خاصة أن المفاوضات النووية السابقة استغرقت سنوات وشهدت تعقيدات كبيرة قبل التوصل إلى اتفاق عام 2015.
وتزداد أهمية هذه النقطة لأن ترامب نفسه انسحب عام 2018 من الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، رغم إقرار مؤسسات أمريكية آنذاك بأن إيران كانت ملتزمة ببنوده.
ويشير التحليل إلى أن قضايا مثل مستويات تخصيب اليورانيوم وآليات التفتيش والتخلص من المخزونات الحالية قد تتحول إلى عقبات رئيسية قد تعرقل أي تفاهم مستقبلي.
العقوبات والأموال المجمدة.. ملف حساس سياسيًا
من بين القضايا التي قد تحدد مصير الاتفاق أيضًا مسألة العقوبات الاقتصادية والحوافز المالية التي قد تحصل عليها طهران مقابل التزاماتها الجديدة.
فالاقتصاد الإيراني يعاني منذ سنوات من ضغوط شديدة نتيجة العقوبات الأمريكية، فيما تطالب طهران بالإفراج عن مليارات الدولارات المجمدة في الخارج كجزء من أي تسوية شاملة.
ويحذر التقرير من أن أي تنازلات مالية كبيرة قد تضع ترامب في موقف سياسي حرج، خاصة أنه انتقد باستمرار إدارة أوباما بسبب تقديمها ما اعتبره حوافز اقتصادية لإيران مقابل الاتفاق النووي السابق.
كما أن تمرير أي اتفاق نهائي قد يتطلب دعمًا من أعضاء الحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ، وهو أمر قد لا يكون مضمونًا إذا تضمن الاتفاق تخفيفًا واسعًا للعقوبات.
إسرائيل وإيران.. عقدتان قد تعرقلان المسار
رغم التنسيق الوثيق بين واشنطن وتل أبيب خلال الحرب، فإن المصالح الأمريكية والإسرائيلية بدأت تتباين خلال الأسابيع الأخيرة.
فبينما يركز ترامب على التوصل إلى تسوية سياسية توقف الحرب وتحد من تداعياتها الاقتصادية، تتمسك إسرائيل بمطالب أكثر تشددًا تشمل تفكيك البنية التحتية النووية الإيرانية والحد من برنامج الصواريخ وإنهاء دعم طهران لوكلائها الإقليميين.
وفي المقابل، لم تظهر إيران حتى الآن أي مؤشرات رسمية تؤكد موافقتها على الرواية التي يطرحها ترامب، بل إن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي وصف التقارير المتعلقة باتفاق نهائي بأنها "مجرد تكهنات"، مؤكدًا أن بلاده لم تتخذ قرارًا نهائيًا بشأن أي تفاهم.
هذا التباين بين التصريحات الأمريكية والمواقف الإيرانية يعزز الشكوك حول مدى التقدم الفعلي الذي تحقق على طاولة المفاوضات.
ويرى المراقبون أن إعلان ترامب انتهاء الحرب مع إيران لا يزال سابقًا لأوانه، في ظل غياب وثيقة رسمية معلنة وتباين المواقف بين الأطراف المعنية، فنجاح أي اتفاق لن يقاس بالتصريحات السياسية أو الاحتفالات الدبلوماسية، بل بمدى قدرته على معالجة الملفات الجوهرية، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني وأمن الملاحة في الخليج والعلاقات الإقليمية المعقدة المرتبطة بإسرائيل ووكلاء طهران، وحتى تتضح تفاصيل الاتفاق وآليات تنفيذه، سيبقى الحديث عن "إنهاء الحرب" أقرب إلى إعلان سياسي متفائل منه إلى حقيقة استراتيجية مكتملة الأركان.
