بعدهجوم الحسكة.. لماذا عادت "داعش" لضرب مراكز الثقل في سوريا؟

الخميس 18/يونيو/2026 - 02:23 م
طباعة بعدهجوم الحسكة.. علي رجب
 
في مؤشر جديد على هشاشة الوضع الأمني وتمدد التهديدات الإرهابية، أصيب نحو 10 عناصر من وزارة الدفاع في الحكومة السورية، صباح اليوم الخميس، إثر هجوم مباغت استهدف حافلة عسكرية كانت تقلهم على الطريق الواصل بين تل تمر وسري كانيه (رأس العين) في ريف محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا.

وأفادت مصادر إعلامية ميدانية أن مسلحين مجهولين نفذوا الهجوم باستخدام أسلحة رشاشة، مما أدى إلى وقوع الإصابات بين صفوف العناصر. وفور وقوع الحادث، شهدت المنطقة حالة من الاستنفار الأمني المكثف، حيث تحركت القوات العسكرية لتمشيط محيط الموقع، بينما بدأت الجهات المختصة تحقيقاتها لكشف هوية المهاجمين وملابسات الحادث. ورغم عدم إعلان أي جهة مسؤوليتها المباشرة عن الهجوم حتى اللحظة، إلا أن أصابع الاتهام تتجه نحو خلايا تنظيم "داعش" النائمة، التي كثفت من عملياتها النوعية في المنطقة خلال الآونة الأخيرة.

تحول استراتيجي في تكتيكات التنظيم
لا يمثل هجوم الحسكة حادثا معزولا، بل يأتي في سياق تصاعد مقلق وممنهج لنشاط تنظيم "داعش" في الأراضي السورية. فقد انتقل التنظيم من تكتيكات "حرب العصابات" التقليدية في مناطق البادية الوعرة إلى تنفيذ عمليات دقيقة ومؤثرة في قلب المدن الرئيسية، بما فيها الرقة ودمشق ومنبج. 
هذا التحول يعكس رغبة التنظيم في استغلال الظروف الدقيقة التي تمر بها سوريا حاليا، في ظل انشغال السلطات بإعادة ترتيب المؤسسات الأمنية والعسكرية ضمن مسار المرحلة الانتقالية، وهو فراغ أمني يحاول التنظيم ملأه لإثبات وجوده.

هجمات نوعية في مراكز الثقل
بلغ النشاط الميداني ذروته مؤخرا في ثلاث عمليات نوعية ومتباعدة جغرافيا، تبنى التنظيم مسؤوليتها بالكامل عبر وكالة "أعماق" التابعة له، هجوم الرقة الانتحار حيث استهدف التنظيم في 15 يونيو مقر قيادة الأمن الداخلي التابع لوزارة الداخلية في شارع الانتفاضة بمدينة الرقة. 
وبحسب التقارير، تمكن انتحاريان يرتديان زيا أمنيا من اختراق البوابة الرئيسية، مما أدى إلى اشتباكات عنيفة داخل المبنى قبل أن يفجر أحدهما حزامه الناسف. وقد أعلنت وزارة الداخلية مقتل عنصرين من قوى الأمن وإصابة آخرين، في خرق أمني اعتبر من الأكثر جرأة في الآونة الأخيرة.

و وفي تطور يعكس قدرة التنظيم على الوصول إلى محيط العاصمة، تعرضت سيارة رئيس قسم "القصر العدلي" في بلدة ببيلا، صلاح أحمد الصالح، لتفجير بعبوة لاصقة في حي "دف الشوك"، مما أسفر عن إصابته بجروح بالغة أدت إلى بتر ساقه. هذا الاستهداف لمسؤول قضائي في قلب الريف الدمشقي أثار مخاوف من تمدد أنشطة الخلايا داخل العاصمة.

و توسعت رقعة العمليات لتشمل منشآت اقتصادية، حيث تبنى التنظيم إطلاق نار مكثف على صهريج نفط قرب مدينة منبج، في إطار تكتيك يستهدف إلحاق خسائر اقتصادية مباشرة وفرض إتاوات، وهو نهج أضحى يشكل عبئا متزايدا على قطاع الطاقة.

التحديات الأمنية والظروف السياسية
يستفيد تنظيم داعش من حالة عدم الاستقرار والظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد، وانشغال السلطات بإعادة ترتيب مؤسسات الدولة في المرحلة الانتقالية. 
وتشير التقديرات الميدانية إلى أن داعش لم يعد يسعى للسيطرة الجغرافية على مساحات واسعة كما كان في ذروة تمدده، بل يعتمد الآن على "عمليات خاطفة" ذات تأثير إعلامي، تهدف إلى إرسال رسائل سياسية بوجوده، وتقويض هيبة المؤسسات الأمنية.

ورغم إعلان السلطات السورية عن توقيف أكثر من 235 مرتبطا بالتنظيم وتفكيك سبع خلايا في حملات دهم واسعة، إلا أن استمرار الهجمات يؤكد أن التنظيم لا يزال يحتفظ بهيكل تنظيمي مرن قادر على استغلال الثغرات الأمنية.

حملة "ثورة حتى القصر": عودة النشاط الدعائي
لم يقتصر تصعيد "داعش" على العمليات المسلحة، بل رافقه نشاط دعائي "فيزيائي" غير مسبوق منذ سنوات. فقد رصدت منشورات ورقية تحريضية في محافظات درعا وحلب وإدلب، تتبنى شعار "ثورة حتى القصر"، وتوجه انتقادات مباشرة وحادة للحكومة الانتقالية والرئيس السوري أحمد الشرع، متهمة إياهم بالابتعاد عن المنهج الديني والعمالة للغرب. هذا النشاط، الذي بدأ في درعا مطلع يونيو، بدأ يتخذ طابعا أكثر تنظيما وتحريضا، مما يثير تساؤلات حول أهدافه السياسية في هذا التوقيت الحساس.

مخاوف من انهيار الاستقرار
يرى مراقبون أن التحول في تكتيكات التنظيم يعكس رغبة في استغلال أي فراغ أمني محتمل، خاصة في ظل التحذيرات المستمرة من تقارير دولية حول هشاشة الشراكات الأمنية الإقليمية والمحلية في شمال شرق سوريا. 

انتقال الهجمات من البادية إلى المدن الكبرى (الرقة ودمشق) الحكومة السورية أمام اختبار صعب، حيث يتطلب الأمر تنسيقا ويضع استخباراتيا عالي المستوى وتفكيكا جذريا للخلايا قبل أن تتحول هذه العمليات إلى تهديد هيكلي للعملية السياسية الانتقالية.

وتظل مكافحة "داعش" حاليا في مقدمة التحديات التي تواجه سوريا، ليس فقط لضمان الأمن العام، بل لترسيخ استقرار الدولة وإعادة بناء مؤسساتها في وجه منظمة تسعى لإثبات أنها لا تزال تمتلك "القدرة على الضرب" رغم الضغوط الدولية والضربات التي تلقتها على مدار السنوات الماضية.

شارك