البنية المفاهيمية والآليات الحجاجية في خطاب تنظيم "داعش" الإعلامي
السبت 04/يوليو/2026 - 05:54 م
طباعة
حسام الحداد
تشكل الأدبيات الإعلامية الصادرة عن التنظيمات المتطرفة بؤرة ارتكاز أساسية في استراتيجيات التجنيد الحركي وبناء الشرعية الزائفة؛ إذ لم يعد الخطاب الراديكالي مجرد انعكاس عشوائي لأفكار معزولة، بل تحول إلى هندسة لغوية ونفسية بالغة التعقيد والخطورة. ومن هذا المنطلق، يكتسب تفكيك المقالات الافتتاحية لجريدة "النبأ" (اللسان الإعلامي لتنظيم داعش) أهمية بالغة، لكونها تمثل الموجهات الفكرية والسياسية المباشرة التي يضخها التنظيم في وعي أتباعه، مستغلا الرموز الدينية والمناسبات التاريخية الكبرى ليمرر من خلالها طروحاته الصفرية الصدامية.
تأتي هذه القراءة النقدية التفكيكية للمقال الافتتاحي المعنون بـ "ذكرى لأولي الألباب" (العدد 402) والصادر مساء الخميس 25 يونيو 2026، لتسليط ضوء تحليلي على البنية الإيديولوجية العميقة الكامنة وراء النص. لا تقف الدراسة عند السطح الوعظي البسيط للمقال، بل تغوص عميقا لتشريح آلياته الحجاجية والأسلوبية، واستكشاف الكيفية التي يعيد بها التنظيم صياغة المفاهيم الإسلامية المستقرة والتاريخ الحضاري للأمة، واختزالها في أطر حركية ضيقة تخدم أجندته العنيفة.
إن هذا التحليل يهدف بالدرجة الأولى إلى تعرية استراتيجيات "الاختزال والإقصاء الصارم" التي يمارسها التنظيم، ورصد الطرق النفسية التي يتلاعب عبرها بمشاعر المظلومية والإحباط لدى الأفراد، تمهيدا لتقديم العنف والانسلاخ عن المشتركات الإنسانية كحل وحيد ومحتوم لاستعادة مجد غابر متخيل.
الإطار العام والبيئة الدلالية للمقال
ينطلق المقال في فضاء الاستهلال عبر استغلال مناسبة دينية تتمثل في "مطلع العام الهجري الجديد"، متخذا منها دثارا وعظيا تقليديا يبدو في ظاهره مألوفا للمتلقي المسلم. غير أن هذا المدخل الروحاني لا يلبث أن يتحول سريعا، وعبر انحراف أسلوبي متعمد، إلى منصة إطلاق لإسقاطات حركية مؤدلجة تسعى لتسييس المناسبة الدينية. ومن خلال هذا الانتقال المفاجئ من الوعظ العام إلى التجييش الخاص، يعيد الكاتب صياغة مفهوم الهجرة النبوية من دلالاتها الإيمانية والحضارية الواسعة ليحصرها في أطر حركية متطرفة تخدم الأجندة القتالية للتنظيم.
وفي سبيل ترسيخ هذا الطرح، يشيد النص بنية سردية تقوم على "ثنائية زمنية حادة" تباعد بين ضفتين لا التقاء بينهما: ضفة الماضي وضفة الحاضر. يتجلى البعد الأول لهذه الثنائية في استدعاء صورة ذهنية متخيلة و"مثالية مطلقة" لعهد النبوة العتيق وزمن الخلافة الراشدة؛ حيث يقدم ذلك التاريخ بوصفه العصر الذهبي الذي بلغت فيه الأمة ذروة مجدها وسيادتها السياسية والعسكرية. بيد أن هذا الاستدعاء لا يأتي بغرض الاعتبار القيمي أو الأخلاقي، بل يختزل عمدا في اعتباره نتاجا حصريا لآليتين حركيتين هما "الجهاد المسلح والهجرة المادية"، مع إغفال تام لسياقات البناء المجتمعي، والتكامل الفقهي، والمعاهدات السياسية التي شكلت جوهر تلك الحقبة.
وعلى النقيض تماما من تلك الصورة المثالية، يبرز البعد الثاني للثنائية متجسدا في تصوير "الحاضر المأزوم والمعاش" كحالة مطبقة من الوهن والتمزق والانكسار. يستفيض المقال في رصد المحن والجرائم التي تلم بجسد الأمة المعاصرة، مستدعيا مفردات ومشاعر المظلومية والضعف لتوليد حالة من الإحباط النفسي والوجداني لدى القارئ. هذه اللوحة القاتمة للحاضر لا تعرض كظاهرة خاضعة للتحليل السياسي أو الاجتماعي التعددي، بل توظف كأداة صدمة وتنفير لدفع المتلقي نحو البحث عن مخرج راديكالي ينتشله من واقع المذلة المفترض.
وفي المحصلة، يربط المقال عبر هذه المقارنة الحدية بين قمة العز الماضي وقاع الذل الحاضر برابطة سببية تبسيطية حاسمة؛ إذ يعزو الكاتب كل هذا الهوان الراهن مباشرة إلى سبب واحد: وهو "تخلي المسلمين" عن النموذج الحركي الصارم واستبداله بخيارات مدنية بديلة. وبموجب هذا التشخيص، تصنف كل المحاولات المعاصرة للإصلاح أو التعايش كإنحرافات ضالة جلبت الشقاء، مما يضع القارئ أمام خيار صفري لا ثالث له: إما البقاء في مستنقع الهوان المعاصر، أو الالتحاق الفوري بالنموذج المتطرف باعتباره السبيل الأوحد والشرعي لاستعادة الأمجاد الغابرة.
التفكيك الإيديولوجي والبنية المفاهيمية
تقوم البنية الإيديولوجية للمقال على استراتيجية حتمية تهدف إلى هندسة الوعي عبر "الاختزال الإقصائي الصارم"، حيث يرفض النص بشكل قاطع الاعتراف بأي تعقيد سياسي أو اجتماعي في العالم المعاصر. ومن خلال هذه الرؤية الصفرية، يمارس الكاتب عملية تقسيم حاد وممنهج للمجتمعات والوسائل، فارضا ثنائيات تصنيفية مغلقة (مؤمن/كافر، حق/باطل، جهاد/جاهلية). هذا الاصطفاف المفتعل يمحو عمدا أي مساحات رمادية، أو قواسم مشتركة، أو خيارات وسطية بين الأفراد والدول، لخلق بيئة نفسية وفكرية تمنع المتلقي من إدراك الواقع إلا من خلال منظار الصدام والعداء المستمر مع كل ما يقع خارج حدود الجماعة.
وفي سياق هذا التقسيم الحاد، يشن المقال حملة "شيطنة" واسعة النطاق تستهدف كافة أدوات التغيير الحديثة والمنظومات المدنية المعاصرة، ساعيا براديكالية إلى إسقاط أي مشروعية دينية أو أخلاقية عنها. فالنص يصم المفاهيم والآليات السياسية المستقرة عالميا – مثل السلمية، والديمقراطية، والوطنية – بأنها "سبل غواية وشقاء" بل ويذهب إلى حد اعتبارها ضربا من "تأييد الطاغوت". تهدف هذه الصياغة الحادة إلى قطع الطريق تماما أمام أي فكر إصلاحي أو تطوري داخل المجتمعات المسلمة، وتجريد الشعوب من خيارات التعبير السلمي، تمهيدا لتقديم العنف المسلح والعمل التخريبي كمسار وحيد وأوحد لرفع الظلم وتحقيق التغيير المنشود.
ولم يقتصر الهجوم على الأدوات السياسية فحسب، بل امتد ليتصدى بضراوة للمشتركات الإنسانية العامة، معتبرا قيم "التعايش المشترك" و"رابطة الإنسانية" مجرد "أوهام" ومؤامرات فكرية خبيثة. يروج النص لمقولة إن هذه المفاهيم ليست سوى غطاء لـ "حرب عقائدية" ناعمة تستهدف تمييع الهوية الإسلامية ومساواة المسلم بغير المسلم في المنظومة القيمية. ومن هذا المنطلق، يتم تصوير أفكار العدالة الاجتماعية، والمدنية، وحقوق الإنسان كأفخاخ تدفع المرء لترك دينه، حيث يوظف الكاتب آيات التبرؤ والمفاصلة التاريخية وينتزعها من سياقاتها التشريعية والدينية المعتدلة، ليعيد توجيهها نحو صناعة "عزلة شعورية ومادية" كاملة تفصل أتباعه عن العالم الخارجي وتحولهم إلى كتل مصمتة يسهل قيادتها.
وفي المحصلة، يتوج المقال هذا الانغلاق المفاهيمي بـ "اختزال متعسف لأحكام الشريعة" ومسار التاريخ الإسلامي بأكمله، عبر حصر شروط النصر والتمكين في ثلاثة أركان حركية صلبة: التوحيد (وفق تفسيرهم الإقصائي التكفيري)، والهجرة المادية، والجهاد القتالي. يغفل هذا الطرح الضيق – تعمدا – القرون الطويلة العريضة من عمر الحضارة الإسلامية الممتدة، والتي لم تقم على السيف وحده، بل ازدهرت بمعمارها، وعلومها الطبيعية، وتطورها الفقهي والتجاري. لقد أغفل النص حقيقة أن تلك الحضارة قامت أساسا على التفاعل المثمر مع الأمم الأخرى، واستيعاب الخصوصيات المحلية عبر مفهوم "الدولة" وتطور فقه السياسة الشرعية المرن، ليقدم الكاتب بدلا من ذلك تاريخا مشوها لا يرى في الإسلام سوى ساحة حرب دائمة.
الآليات الحجاجية والأسلوبية
تعتمد الاستراتيجية الإقناعية في المقال على ترسانة من الأدوات اللغوية والنفسية المصممة بعناية للتأثير على عواطف القارئ المستهدف وتوجيه مساراته الفكرية. لا يخاطب النص العقل المنطقي أو النقدي، بل يتعمد استخدام آليات حجاجية تقوم على الشحن الرمزي والضغط النفسي لتمرير طروحاته الراديكالية؛ إذ يدرك الكاتب أن صياغة الأفكار المتطرفة تتطلب لغة مشحونة باليقين المطلق، تضع المتلقي أمام واقع اصطناعي مشوه يدفعه تدريجيا نحو تبني مواقف حادة ومتطرفة دون إتاحة فرصة للمراجعة أو التفكير الهادئ.
وتتجلى أبرز هذه الآليات في "التوظيف الانتقائي والمجتزأ للنصوص الشرعية"، حيث يمارس الكاتب عملية إنزال متعسف لآيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية خارج سياقاتها التاريخية وأسباب نزولها. يسلط النص الضوء حصريا على نصوص المفاصلة، والقتال، ومحاربة الكفار، ليسقطها إسقاطا مباشرا وجزافيا على الواقع المعاصر والمنظومات الدولية المعقدة اليوم. ويتعمد هذا الأسلوب الحجاجي تغييب ضوابط المقاصد الشرعية الكلية وقواعد السياسة الشرعية المستقرة، كما يمحو الفروق الجوهرية والدقيقة بين "فقه الدولة" بمؤسساتها ومسؤولياتها وبين سلوكيات "الجماعات المنحرفة"، مسبغا بذلك غطاء زائفا من المشروعية الفقهية على أعمال العنف.
ويعزز المقال خطابه الحجاجي بتبني نبرة قائمة على "الاستعلاء والوصاية الأبوية"، حيث يتقمص الكاتب دور المرشد الأعلى والناطق الرسمي باسم الشريعة. يظهر هذا بوضوح في التكرار النمطي لعبارات آمرة وموجهة مثل: "اعلمي أمة الإسلام" و"يحسن بنا أن نذكر"، مستخدما هذه الصيغ ليتحدث من منصة توجيهية عليا تدعي لنفسها احتكار "الحق المطلق" والمنهج الأصح دون سائر البشر. وفي مقابل هذا الادعاء بالكمال الفكري والروحي، يعمد النص إلى توبيخ بقية المسلمين وتوصيفهم بالوقوع في مستنقع "الذلة والمهانة والضعف"، رابطا هذا الهوان المزعوم بعدم سيرهم خلف المسار الحركي للتنظيم، وهي آلية نفسية تهدف إلى إشعار القارئ بالذنب والدونية لدفعه نحو الامتثال.
وفي الختام، يبرع النص في توظيف "العاطفة واستدعاء وتر المظلومية" كأداة قوية للتحريك الحركي؛ إذ يربط بذكاء خبيث بين الاستهداف العسكري المادي الملموس (مثل مشاهد قتل الأبناء وهدم المنازل في بؤر الصراع) وبين ما يسميه الاستهداف الفكري والعقدي (قيم التعايش والإنسانية). يهدف هذا الربط التعسفي إلى استغلال المشاعر الإنسانية الطبيعية، والآلام الصادقة التي تعتصر قلوب المسلمين جراء الأزمات الواقعية في العالم الإسلامي، ليقوم براديكالية بتحويل ذلك الغضب العاطفي والوجع الإنساني وتوجيهه نحو تبني "العنف والقتال" كاستجابة وحيدة ومخرج وحيد متاح لرفع الظلم واستعادة الكرامة المسلوبة.
أخيرا يمثل المقال وثيقة واضحة على الجمود الأيديولوجي والخطاب الانغلاقي المتطرف؛ فهو لا يرى في العام الهجري الجديد فرصة للبناء والتنمية أو مراجعة الذات والتطوير الإنساني، بل يراه مناسبة لشحذ الهمم نحو العزلة والقتال.
إن خطورة هذا الخطاب تكمن في قدرته على اللعب على أوتار العاطفة الدينية للأفراد المحبطين من الأزمات السياسية والاجتماعية، ليقدم لهم صيغة متبسطة ومحرفة للتاريخ والدين تعفي الفرد من تعقيدات البناء الحضاري والمدني، وتختصر واجباته في الانخراط في صراع صفري دائم مع "الآخر" الداخلي والخارجي على حد سواء.
