اهداء الكنائس من الكاثوليك إلى الأقباط.. «جميل» أوروبي يتجاوز الخلافات العقائدية

الإثنين 27/يوليو/2026 - 10:20 ص
طباعة اهداء الكنائس من روبير الفارس
 



تسلّمت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية رسميًا كنيسة «اللازارستين» Lazaristenkirche، الواقعة في شارع كايزر شتراسه بحي نويباو، الدائرة السابعة في فيينا، بعد توقيع اتفاق نقل الملكية في يونيو الماضي.
وتعود الكنيسة إلى رهبنة «اللازارستيين»، وقد شُيدت في القرن التاسع عشر، ووُضع حجر أساسها عام 1860، قبل أن تُكرَّس عام 1862 على اسم الحبل بلا دنس. وفي عام 1939 تحولت إلى كنيسة رعوية.
وبموجب الترتيب الجديد، انتقلت ملكية الكنيسة إلى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، بينما انتقل الآباء اللازارستيون الذين كانوا يخدمون فيها إلى مدينة غراتس، مع احتفاظ الرهبنة بمساحات داخل المبنى تستمر في استخدامها كمقر إقليمي لها. 
وبذلك أصبحت «اللازارستين» رابع كنيسة في فيينا تنتقل إلى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.هي 

 1 ـ كنيسة السيدة العذراء المنتصرة
وهي أهم هذه الكنائس وربما أشهرها، وتقع في الدائرة الثانية والعشرين من فيينا.
انتقلت الكنيسة إلى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بعد اتفاق ملكية وُقّع في 9 ديسمبر 2015، وقام البابا تواضروس الثاني بتدشينها في 20 مايو 2016 باسم كاتدرائية السيدة العذراء والقديس ميخائيل.

وفي مايو 2026، احتفلت الكنيسة بمرور عشر سنوات على تدشينها، بحضور البابا تواضروس الثاني والكاردينال كريستوف شونبورن، الذي كان أحد أبرز الشخصيات الكاثوليكية التي دعمت انتقال الكنيسة إلى الأقباط.
 2 ـ «الكنيسة الروسية» بالقرب من مقر الأمم المتحدة
في عام 2003، انتقلت كنيسة كانت تعرف باسم «الكنيسة الروسية» إلى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، لتكون أول كنيسة كاثوليكية في فيينا تنتقل إلى الأقباط ضمن هذه السلسلة.

 3 ـ كنيسة دير «جمعية المعاونات» في الدائرة الثامنة عشرة

في عام 2010، انتقلت كنيسة دير تابعة لجمعية «المعاونات» إلى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.

 4 ـ كنيسة اللازارستين

وهي أحدث عملية انتقال، وتمت رسميًا في يوليو 2026.

وتؤكد المصادر الكاثوليكية والنمساوية أن الكنيسة القبطية أصبحت، مع انتقال «اللازارستين»، صاحبة أربع عمليات انتقال كنسي من الكنيسة الكاثوليكية في العاصمة النمساوية. 

لماذا تتخلى ا الكاثوليكية عن  كنائسها؟
لا ينبغي فهم هذه العمليات باعتبارها «بيعًا لعقيدة» أو تخليًا عن المسيحية، بل باعتبارها نتيجة لتحولات ديموغرافية واجتماعية عميقة في أوروبا.
ففي مناطق كثيرة من أوروبا الغربية، انخفض عدد الممارسين الكاثوليك، وأصبح عدد من الكنائس التاريخية أكبر من قدرة الرعايا المحلية على تمويلها وصيانتها وتشغيلها.
ومن هنا تظهر مشكلة مزدوجة:
 كنائس تاريخية تحتاج إلى صيانة مكلفة. ورعايا كاثوليكية يتراجع عدد أفرادها. وايضا كهنة ورهبان أقل عددًا.
الأمر الذي يؤدي إلي موارد مالية محدودة. و مبانٍ دينية لم تعد تُستخدم بكامل طاقتها.

في المقابل، توجد جماعات مسيحية مهاجرة، ومنها الأقباط، تحتاج إلى كنائس ومراكز للخدمة والتعليم والأنشطة الاجتماعية.

ولهذا وصف الكاردينال كريستوف شونبورن نقل الكنائس التي لم تعد الكنيسة الكاثوليكية في حاجة إليها إلى طوائف مسيحية أخرى بأنه «الطريق الصحيح»، معتبرًا أن ذلك يتيح للمسيحيين الآخرين «موطنًا كنسيًا» ويضمن استمرار استخدام المبنى للصلاة والعبادة. كما أشاد بقوة الإيمان في الكنيسة القبطية، معتبرًا أنها يمكن أن تثري الكنائس الأخرى. 

 كنائس  خارج النمسا؟
في أوروبا انتقلت كنائس أخري للأقباط 
لكن هنا يجب التمييز بين «الإهداء» و«نقل الملكية» و«الشراء».
ففي هولندا، على سبيل المثال، أقامت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ديرًا في مدينة ليفيلده بمقاطعة خيلدرلاند، بعد شراء مبنى كان ديرًا كاثوليكيًا سابقًا عام 2015، وبدأ ثلاثة رهبان قبطيين استخدامه في 2016. وهذا مثال مهم على أن توسع الكنيسة القبطية في أوروبا لم يعتمد دائمًا على الهبات، بل أيضًا على شراء مبانٍ دينية كاثوليكية سابقة وإعادة توظيفها. 
كما أن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تمتلك اليوم شبكة واسعة من الإيبارشيات في أوروبا، تشمل النمسا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وهولندا وإنجلترا وأيرلندا واليونان ودولًا أخرى، ما جعل الحاجة إلى كنائس ومراكز رعوية وديرية تتزايد بصورة مستمرة.
لكن، وفق ما أمكن توثيقه، تظل فيينا الحالة الأوضح والأكثر انتظامًا في أوروبا من حيث انتقال عدد كبير من الكنائس الكاثوليكية إلى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، إذ وصلت إلى أربع كنائس.

 من الغرب للمسيحية الشرقية 

المشهد يحمل مفارقة شديدة الدلالة.
فكنيسة «اللازارستين» شُيدت في القرن التاسع عشر لخدمة جماعة رهبانية كاثوليكية، في قلب مدينة أوروبية مسيحية تاريخية. وبعد أكثر من 160 عامًا، تنتقل إلى كنيسة شرقية قديمة تعود جذورها إلى القرن الأول الميلادي.
وهنا لا يختفي تاريخ المبنى، بل يتغير مستخدموه.
فالكنيسة القبطية لا تهدم العمارة الكاثوليكية، ولا تمحو تاريخها، بل تعيد تشغيلها باعتبارها مكانًا للصلاة والقداس والخدمة المسيحية.

وهذا هو المعنى الأعمق لهذه العمليات: أن مبنى كان مهددًا بأن يتحول إلى عقار مهجور أو مبنى إداري أو مشروع تجاري، يستمر في أداء وظيفته الدينية، حتى لو اختلف التقليد الكنسي الذي يستخدمه.

هل يدرك الأقباط قيمة هذا الجميل؟

هنا يجب أن تكون الإجابة صريحة: على مستوى الكنيسة القبطية وقيادتها، يبدو أن هذا الجميل مُقدَّر بوضوح.

فالبابا تواضروس الثاني، خلال زيارته للنمسا في مايو 2026، شارك في الاحتفال بمرور عشر سنوات على تدشين كاتدرائية السيدة العذراء المنتصرة، بحضور الكاردينال شونبورن، الذي كان له دور في انتقال الكنيسة إلى الأقباط.

كما أن الخطاب القبطي الرسمي تجاه هذه العمليات يستخدم بوضوح لغة الشكر والتقدير والأخوة المسيحية، لا لغة «الانتصار» على الكنيسة الكاثوليكية. 
لكن على مستوى الأقباط العاديين، ربما لا يعرف كثيرون حجم هذا التاريخ.
فالقبطي الذي يذهب إلى كنيسة جديدة في أوروبا قد يرى المبنى باعتباره «كنيسة قبطية» وحسب، دون أن يعرف أنه كان في الأصل كنيسة كاثوليكية، وأن وراء انتقاله قرارات كنسية، وتفاوضًا، وتعاونًا، وثقة متبادلة، وربما تضحيات مالية كبيرة.

ومن هنا فإن الكنيسة القبطية مطالبة، في رأيي، بأن تجعل هذا التاريخ جزءًا من الوعي القبطي.

ليس بهدف صناعة «دين» أو «مديونية» تجاه الكاثوليك، وإنما من أجل ترسيخ ثقافة الاعتراف بالجميل.

 وهل تلغي الخلافات العقائدية قيمة هذا الجميل؟

بالتأكيد لا.

هناك خلافات تاريخية ولاهوتية حقيقية بين الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والكنيسة الكاثوليكية، رغم أن الحوار اللاهوتي خلال العقود الأخيرة أدى إلى تقارب كبير في فهم جذور الخلافات القديمة، وتطورت العلاقات بين الكنيستين بصورة ملحوظة.

لكن الاعتراف بالجميل لا يعني التنازل عن العقيدة.
يمكن للقبطي أن يقول في الوقت نفسه:

«أنا متمسك بعقيدتي وتراث كنيستي، لكنني أقدر ما قدمه لي أخي الكاثوليكي».

وهذا ليس تناقضًا.

فالمسيحية لا تختزل في الخلافات العقائدية، كما أن الخلاف العقائدي لا يمنع التعاون في الدفاع عن الإيمان المسيحي، ولا يمنع إكرام الآخر، ولا يمنع الاعتراف بموقف نبيل.

بل ربما يكون أجمل ما في هذه الوقائع أن كنيسة كاثوليكية، في لحظة تراجع داخلي، لم تسمح بأن تختفي الكنيسة من المكان، بل سلمتها إلى جماعة مسيحية أخرى قادرة على ملئها بالصلاة والحياة.

«الكنيسة التي أعطت.. والكنيسة التي حفظت»

ربما يكون من الظلم أن ينظر الأقباط إلى هذه الكنائس باعتبارها مجرد «عقارات حصلوا عليها».
فكل كنيسة من هذه الكنائس تحمل قصة:
رهبان خدموا فيها.
أجيال كاثوليكية صلت داخلها.
أطفال تعمدوا فيها 
عائلات عاشت أفراحها وأحزانها بين جدرانها.

ثم جاء يوم لم تعد فيه الجماعة التي بنتها قادرة على الاستمرار في استخدامها.

فانتقلت إلى جماعة مسيحية أخرى.

وهنا تقع مسؤولية الأقباط: ألا يكتفوا بامتلاك المبنى، بل أن يحافظوا على كرامة تاريخه.
أن يتذكروا دائمًا أن هذه الكنائس لم تأتِ من فراغ.
وأن يظل في كل كنيسة قبطية كانت يومًا كاثوليكية ركن غير مكتوب يقول:

«هنا صلى مسيحيون قبلنا، ونحن الآن نصلي هنا».

وهذه في حد ذاتها ذاكرة مسيحية مشتركة، ربما تكون أعمق من كثير من الحوارات الرسمية.

شارك