بين نزع السلاح والمواجهة الشاملة.. مستقبليات المشهد الجيوسياسي في غزة

الثلاثاء 18/أغسطس/2026 - 11:27 ص
طباعة بين نزع السلاح والمواجهة حسام الحداد
 
تأتي المبادرة الدبلوماسية الأمريكية الراهنة المقترنة بمحادثات العلمين واجتماعات القدس لتشكل تحولاً فارقاً في نمط التعاطي الدولي والإقليمي مع القضية الفلسطينية؛ إذ تخرج بالصراع من دوائر الاحتواء العسكري المؤقت وإدارة الأزمات التقليدية إلى محاولة إعادة رسم الهندسة الأمنية لقطاع غزة بأسلوب أكثر شمولاً وراديكالية. إن هذا الحراك، الذي يقوده المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر بدعم إقليمي ومشاركة من "مجلس السلام"، يضع ملف "تجريد غزة من السلاح" في مركز الثقل التفاوضي، محاولاً مقايضة القدرات الهجومية لفصائل المقاومة بإنهاء الحصار وإعادة الإعمار، وهو ما يحول القطاع من ساحة مواجهة مسلحة محتدمة إلى نقطة ارتكاز لإعادة ترتيب موازين القوى في الشرق الأوسط.
ولا يمكن تفكيك أبعاد هذا الحراك المعقد بمعزل عن الحسابات الاستراتيجية الدقيقة والدوافع البنيوية للفاعلين الأساسيين؛ فالولايات المتحدة تسعى لتوظيف ثقلها الدبلوماسي لفرض واقع أمني جديد يمهد لاستئناف مسارات التطبيع الإقليمي، بينما تخوض حركة حماس مناورة عالية المخاطر لمقايضة ورقة السلاح بانتزاع اعتراف دولي بشرعيتها وفتح الآفاق الاقتصادية للقطاع، في وقت يواجه فيه بنيامين نتنياهو ضغوطاً سياسية مركبة بين استرضاء ائتلافه اليميني والحفاظ على الحليف الأمريكي. من هنا، فإن "صفقة العلمين" لا تمثل مجرد جولة تفاوضية لتثبيت الهدنة، بل هي اشتباك جيوسياسي عالي السقف يرتكز على هشاشة الضمانات الدولية وتضارب أجندات الأطراف، مما يجعل أثرها ممتداً ليشكل ملامح الأمن الإقليمي لعدة عقود قادمة.

التحليل الجيوسياسي للدوافع والمناورات:
تقتضي الدراسة الاستراتيجية الدقيقة لواقع التحركات الدبلوماسية الراهنة، عقب محادثات العلمين واجتماع القدس، تجاوز القراءة السطحية للأحداث نحو تفكيك الدوافع والمحركات الثاوية خلف سلوك الفاعلين الأساسيين والإقليميين. إن المشهد الحالي ليس مجرد محاولة لتبادل الأسرى أو فرض تهدئة مؤقتة، بل هو اشتباك تفاوضي عالي المخاطر يعيد رسم حدود المناورة والقوة لجميع الأطراف؛ فالولايات المتحدة تحاول استثمار الردع لحسم ملف غزة استراتيجياً عبر التجريد من السلاح، بينما تسعى حماس لفرض شرعيتها كطرف ندّي ومقايضة السلاح بوجود سياسي واقتصادي مستدام. ويقبع نتنياهو بين مطرقة الضغوط الأمريكية وسندان الحفاظ على ائتلافه اليمني، مستخدماً "نزع السلاح" كدرع سياسي، في ظل مخاوف إقليمية متزايدة من تداعي ثقة الأطراف في آليات التنفيذ والضمانات الدولية، مما يجعل هذه المرحلة محطة مفصلية سترسم معالم الأمن الإقليمي لعقود قادمة.
حماس وسلاحها: 
يُمثّل لقاء جاريد كوشنر النادر والمباشر برئيس المكتب السياسي لحركة حماس، خليل الحية، في مدينة العلمين، انعطافة دراماتيكية وتحولاً جوهرياً في المقاربة الأمريكية لملف غزة. فبعد سنوات من محاولات الإقصاء والتهميش واعتبار الحركة مجرد "فصيل إرهابي" خارج السياق السياسي، يُشكل هذا الجلوس العلني اعترافاً أمريكياً ضمنياً وواقعياً بأن حماس باتت ركيزة أساسية وعصية على التجاوز في أي ترتيبات أمنية أو سياسية مستقبلية للقطاع. هذا الاعتراف يمنح الحركة شرعية تفاوضية غير مسبوقة دولياً، ويضعها في موضع الندّ القادر على الاشتباك مع القوة العظمى، مستفيدة من فشل الخيارات العسكرية الإسرائيلية والأمريكية المتتالية في استئصال قوتها أو تحييد تأثيرها على الأرض.
في المقابل، تدرك قيادة حماس بدقة أن مطالبة كوشنر بـ "خطوات ملموسة وقابلة للتحقق" هي الشيفرة الدبلوماسية لبدء عملية "نزع السلاح". ومن هنا، ترتكز استراتيجيتها التفاوضية على اعتبار السلاح "الورقة الحمراء" والتفاوضية الأخيرة التي لا يمكن التفريط بها إلا بمقابل وجود طموح ونهائي. وتسعى الحركة لـ "إلزام" إسرائيل والوسطاء بخارطة طريق وجدول زمني محدد للتنفيذ، بهدف انتزاع ثمن باهظ يتجاوز التهدئة المؤقتة نحو "رفع كامل للحصار" وضمانات اقتصادية وسياسية بفتح القطاع على العالم. وستواجه الحركة أي ضغط للتسليم الفوري للسلاح بمقاومة شرسة ما لم تتلقَ ضمانات دولية قاطعة بحمايتها كحركة وكجسم سياسي، وربما ستدفع نحو صيغ بديلة محفوفة بالمخاطر مثل "دمج السلاح ضمن جهاز فلسطيني وطني مشترك" بدلاً من تسليمه المباشر لجنرال أمريكي، خوفاً من تجريدها من عنصر قوتها الحقيقي وقاعدتها الجماهيرية المؤيدة.
إسرائيل ونتنياهو: 
يجد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفسه في خضم عاصفة سياسية مركبة عقب رفضه العلني النادر لخطة السلام الأمريكية المكونة من 15 نقطة. إن هذا "التحدي" لإدارة ترامب الحليفة أضعف من مصداقيته داخلياً، حيث بدأ المعارضون وشرائح من الجمهور يتساءلون عن قدرته على إدارة الحلف الاستراتيجي الأهم لإسرائيل. من هنا، يمثل الإجماع على اتفاق "نزع سلاح غزة" وإشراف جنرال أمريكي عليه طوق نجاة سياسي لنتنياهو. فهو يحاول صياغة هذا الاتفاق كـ "نصر استراتيجي حاسم" لم يسبقه إليه أحد، وتسويقه للداخل الإسرائيلي القلق، الذي يطالب بضمانات أمنية طويلة الأمد وعميقة تتجاوز مجرد التهدئة، معتبراً أن نزع سلاح حماس هو الكفيل الوحيد بتحقيق ذلك.
علاوة على ذلك، يستثمر نتنياهو هذا "التحدي العلني" وموقفه الرافض للخطة الأمريكية السابقة لاستعادة هامش مناورته السياسية المتآكل. فهو يريد إظهار قدرته على فرض شروطه حتى على أقوى حلفائه، متذرعاً أمام ترامب والجمهور الإسرائيلي على حد سواء بأن "نزع السلاح الحقيقي والفعلي" من غزة هو الشرط الشارط والوحيد لأي انسحاب عسكري إسرائيلي أو تخفيف للضغط الأمني على القطاع. هذا الموقف يسمح له بمواجهة ضغوط حلفائه في الائتلاف اليمني المتطرف، الذين يرفضون أي تنازل للفلسطينيين، من خلال تقديم اتفاق أمني يجرّد حماس من سلاحها كإنجاز تاريخي يُبرر أي خطوات سياسية أو اقتصادية مصاحبة قد تتضمنها خارطة الطريق.
الدور الأمريكي: 
 يعكس تحرك جاريد كوشنر المكوك مك وك بين العلمين والقدس محاولة أمريكية طموحة لإعادة إحياء "صفقة القرن" بنسخة جديدة تركز كلياً على الأبعاد الأمنية لقطاع غزة كمدخل للتسوية الشاملة. فبعد تعثر الأبعاد السياسية والخلافات العميقة حول وضع القدس واللاجئين، تحاول واشنطن مقاربة الملف من البوابة الأمنية عبر التجريد من السلاح ووضعه تحت إشراف أمريكي ومراقبة إقليمية. وتعتبر الإدارة الأمريكية أن ضمان استقرار أمني طويل الأمد في غزة هو المفتاح الأساسي لترميم الثقة وكسر الجمود القائم، مما يُمهد الطريق مجدداً نحو استئناف مسار التطبيع الإقليمي الأوسع، الذي تشكل القضية الفلسطينية حجر عثرة أمامه، ويُحقق لإدارة ترامب إنجازاً دبلوماسياً كبيراً في الشرق الأوسط يُعزز من رصيدها قبيل الانتخابات.
إلا أن هذا التوجه الأمريكي الطموح يواجه معضلة هيكلية تتمثل في مطالبة كوشنر لخطوات "ملموسة" وفعالة من حماس للتنازل عن سلاحها. فواشنطن تضع نفسها أمام تحدي إقناع الحركة بالتخلي عن أهم وأقوى أوراق قوتها ووجودها دون تقديم تنازلات إسرائيلية جوهرية موازية. فكيف يمكن لحماس أن تقبل بنزع سلاحها في غياب التزام إسرائيلي واضح وموثق برفع كامل للحصار وفتح المعابر، أو حتى الاعتراف بحقوق سياسية أساسية؟ غياب هذا التوازن في "المقايضة الاستراتيجية" يهدد بفشل المقاربة الأمريكية ويجعل من مطالبة كوشنر مجرد ضغط يفتقر لآليات الترغيب الفعالة، مما قد يدفع الحركة للتمسك بسلاحها أكثر كدرع لمواجهة الغموض في خارطة الطريق.
الفواعل الإقليمية ومجلس السلام: 
تعكس مشاركة كل من مصر وقطر وتركيا، إلى جانب الفواعل الإقليمية التقليدية مثل السعودية والإمارات، القلق العميق الذي يسود العواصم الإقليمية جراء استمرار الأزمة في غزة وتداعياتها الكارثية على الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط. إن حضور "مجلس السلام" ببلير وملادينوف يوفر "غطاءً دولياً" للوساطة ويُضفي عليها طابعاً متعدد الأطراف يُقلل من انفراد واشنطن بالملف. الدعوات الصادرة من السعودية والإمارات لاتخاذ "تدابير فورية وملموسة" لمنع أي طرف من "العرقلة" تشير بوضوح إلى عدم ثقة العواصم الخليجية بقدرة الأطراف المباشرة (إسرائيل وحماس) على تنفيذ التزامات خارطة الطريق في حال التوصل لاتفاق.
ويتجلى دور "مجلس السلام" في هذه المرحلة في محاولة صياغة "صيغة تسوية" تكون مقبولة ومضمونة دولياً، قادرة على طمأنة حماس بشأن أمنها ورفع الحصار، وطمأنة إسرائيل بشأن تجريد الحركة من قدراتها العسكرية. ومع ذلك، فإن قدرة هذا المجلس على "إلزام" الأطراف بتنفيذ الالتزامات تظل موضع تساؤل كبير. فإسرائيل سبق وأن ضربت بالقرارات والتعهدات الدولية عرض الحائط، وحماس لديها تاريخ من الممانعة العسكرية. غياب آليات تنفيذية قوية وعقوبات واضحة على المعرقلين يجعل من دعوات مجلس السلام مجرد "تمنيات دبلوماسية" قد لا تصمد أمام واقع الممارسة الاستراتيجية الحادة على الأرض.

الأثر على الأمن الإقليمي:
لا يمكن النظر إلى الحراك الدبلوماسي الراهن بين كوشنر وحماس ونتنياهو بمعزل عن السياق الجيوسياسي الأوسع لمنطقة الشرق الأوسط؛ إذ إن قطاع غزة، على صغر مساحته، يمثل لغماً استراتيجياً قادراً على تفجير الاستقرار الإقليمي أو التحول إلى حجر زاوية لبناء نظام أمني جديد. بناءً على ذلك، فإن مآلات هذه المحادثات، سواء توجت بالنجاح أو انتهت إلى الفشل، لن تقف حدود تأثيرها عند الجغرافيا الفلسطينية-الإسرائيلية المباشرة، بل ستترك بصمة عميقة وهيكلية على موازين القوى، وتحالفات المنطقة، ومستقبل التطبيع، وشكل الصراع العربي-الإسرائيلي لعقود قادمة.
سيناريو النجاح (النسبي): 
ينطلق هذا السيناريو من فرضية طموحة تتمثل في نجاح الوسطاء ومجلس السلام في انتزاع اتفاق تاريخي حول "نزع سلاح" غزة، وتحديداً الأسلحة الثقيلة والصاروخية لحماس، ووضعها تحت إشراف وضمانات أمريكية-دولية قاطعة، مقابل رفع كامل للحصار وبدء جدول زمني لإعادة إعمار شاملة. جيو-استراتيجياً، سيؤدي هذا النجاح إلى تقويض هيكلي لنفوذ إيران وحلفائها في المنطقة، وتحديداً "محور المقاومة"، عبر تجريد أحد أهم أذرعه الفاعلة من قدراته الهجومية، مما يكسر حلقة التصعيد العسكري القادمة من غزة. هذا التحول سيسمح بإعادة دمج القطاع في المنظومة الاقتصادية والسياسية الفلسطينية والإقليمية، ويحول النزاع من مواجهة عسكرية مفتوحة إلى مسار سياسي-اقتصادي للحل.
على الصعيد الإقليمي الأوسع، سيُشكل هذا الاتفاق انتصاراً استراتيجياً لمحور الدول العربية الباحثة عن التسوية والاستقرار (مثل السعودية والإمارات ومصر والأردن)، حيث سيُثبت نجاعة المقاربة القائمة على الدبلوماسية والمقايضات السياسية-الاقتصادية بدلاً من المواجهة المسلحة. هذا النجاح سيفتح أفاقاً واسعة وبقوة دفع غير مسبوقة لمسار التطبيع الإقليمي، حيث سيزيل ملف غزة كعقبة رئيسية أمام بناء تحالفات أمنية واقتصادية علنية بين إسرائيل ودول عربية كبرى. كما أنه سيعزز من مصداقية الولايات المتحدة كراعية للسلام تحت إدارة ترامب، ويخلق بيئة إقليمية أكثر استقراراً وجاذبية للاستثمار، قائمة على تنسيق أمني أعمق لمواجهة التهديدات المشتركة.
سيناريو الفشل: 
فقرة أولى (في التفاصيل): في المقابل، يمثل سيناريو الفشل، سواء عبر عجز الأطراف عن التوصل لاتفاق أمني "مقبول" حول السلاح، أو عبر انهيار تنفيذ خارطة الطريق لاحقاً بسبب غياب الثقة، وصفة كارثية للأمن الإقليمي. إن عودة الأمور إلى المربع الأول ستعني حتماً تجدداً وشيكاً وأكثر عنفاً للمواجهات العسكرية الشاملة في قطاع غزة، مما سيفاقم الأزمة الإنسانية المتدهورة إلى مستويات غير مسبوقة. جيو-استراتيجياً، سيُشكل هذا التصعيد انتصاراً كبيراً لجمهورية إيران وحلفائها الذين يراهنون على فشل المقاربات السلمية لترسيخ دورهم كـ "قادة لمحور المقاومة" الوحيد القادر على مقارعة إسرائيل عسكرياً، مما سيزيد من نفوذهم وتأثيرهم على العواصم العربية المحيطة.
على الصعيد السياسي، سيؤدي فشل المفاوضات إلى تعميق العزلة الدولية لإسرائيل، حيث ستتحمل مسؤولية عرقلة الحلول السلمية، وربما تآكل الدعم الغربي لها تحت وطأة المشاهد الإنسانية القاسية في غزة. كما سيضع إدارة ترامب أمام فشل دبلوماسي كبير، ويقوض طموحاتها في الشرق الأوسط. إقليمياً، سيزيد هذا السيناريو من هشاشة الدول العربية الباحثة عن الاستقرار، حيث سيتسبب التصعيد العسكري وغياب الأفق السياسي في تغذية مشاعر الإحباط والغضب العارم بين الفلسطينيين والعرب، مما قد يولد موجات جديدة من عدم الاستقرار السياسي ويُضعف شرعية الأنظمة الداعية للتسوية، مانحاً قوى التطرف وقوداً جديداً للاستقطاب والتجنيد.

رؤية مستقبلية استراتيجية:
تُشير القراءة المركبة لمعطيات المشهد الراهن، والدوافع المتضاربة للفواعل الأساسيين، إلى أن الحراك الدبلوماسي الذي يقوده جاريد كوشنر، ورغم طموحه غير المسبوق لكسر الجمود التاريخي، يواجه عقبات هيكلية وجوهرية قد تُعيق وصوله إلى صيغة "حل نهائي" مستدام. إن الفجوة العميقة في ملف نزع السلاح، وانعدام الثقة المتبادل، وتداخل الحسابات السياسية الداخلية لكل من نتنياهو وحماس، تفرض واقعاً تفاوضياً معقداً وسيالاً. بناءً على هذا التقييم الاستراتيجي، يتجه المسار التفاوضي مستقبلاً نحو التبلور ضمن أحد السيناريوهات الجيوسياسية الثلاثة التالية:
سيناريو "التسوية الأمنية الجزئية" (السيناريو الأكثر ترجيحاً)
ينطلق هذا السيناريو من حقيقة أن الأطراف قد تجد نفسها مجبرة على قبول حل وسط كـ "أهون الشرين"، نظراً لعدم قدرة أي طرف على حسم الصراع عسكرياً بشكل نهائي أو تحمل كلفة الفشل الشامل للمفاوضات. ووفقاً لهذا المسار، يتم التوصل لاتفاق أمني "محدود التوافق" يرتكز على مبدأ "التجريد الجزئي مقابل الرفع الجزئي". يتضمن ذلك تجميد ترسانة حماس الصاروخية وتسليم نوعي ومحدد للأسلحة طويلة المدى والقدرات الهجومية المتقدمة، تحت مراقبة آلية إشرافية "أمريكية-إقليمية" مشتركة، مقابل التزام إسرائيلي بجدول زمني لرفع جزئي ومنظم للحصار البحري والبري، وتسهيل عبور البضائع والأشخاص عبر المعابر الحيوية.
استراتيجياً، يُعتبر هذا السيناريو "مخداً أمنياً" يُوفر فترة هدوء مؤقتة ضرورية لإعادة الإعمار والتقاط الأنفاس للأطراف كافة، ويسمح لإدارة ترامب بتسويق "إنجاز دبلوماسي" أولي. ومع ذلك، فإن هذه المقاربة لا تحل "جوهر الأزمة" المتمثل في الشرعية السياسية وحق تقرير المصير، بل تؤجله. إن التسوية الجزئية ستخلق واقعاً "هشاً" وقابلاً للانهيار عند أول سوء تقدير ميداني أو أي اشتباك حدودي بسيط، نظراً لبقاء البنية التحتية للمقاومة (الأنفاق والأسلحة الخفيفة) قائمة، وبقاء القيود على الحركة والاقتصاد موجودة، مما يُبقي الأزمة مفتوحة على كافة الاحتمالات.
سيناريو "المواجهة الشاملة"
يمثل هذا السيناريو "كابوساً استراتيجياً" لا يمكن استبعاده، بل تزداد فرص تحققه في حال عجزت المفاوضات عن إنتاج أي اختراق "مرضٍ" لطموحات الأطراف أو في حال فشل تنفيذ بنود خارطة الطريق بشكل دراماتيكي يُعيد الثقة إلى نقطة الصفر. إن إصرار نتنياهو على "نزع السلاح الكامل" كشرط مسبق، مقابل إصرار حماس على "الجدول الزمني لرفع الحصار" كشرط أولي، قد يؤدي إلى انسداد سياسي شامل، يليه تجدد متسارع وغير مسبوق للتصعيد العسكري على الأرض، حيث سيلجأ الطرفان إلى استخدام "أقصى القوة العسكرية" لفرض الوقائع على طاولة المفاوضات.
جيوسياسياً، لن يقف هذا السيناريو عند حدود غزة؛ بل سيؤدي لتدهور أمني "خطر جداً" في المنطقة، مانحاً نفوذاً واسعاً لقوى "محور المقاومة" (وتحديداً إيران وحزب الله) التي ستجد في فشل المقاربات الأمريكية فرصة لترسيخ دورها كـ "راعية للمقاومة" وزيادة ضغوطها العسكرية والسياسية على العواصم الإقليمية. هذا السيناريو قد يستدعي تدخلاً إقليمياً ودولياً واسعاً لاحتواء الانفجار، مما سيخلق واقعاً جديداً كلياً ويُعيد صياغة موازين القوى في الشرق الأوسط بشكل قد يُطيح بمنظومات التطبيع وبآمال الاستقرار الهشة.
سيناريو "المراوحة والاستنزاف"
يتأسس هذا السيناريو على فرضية قبول الأطراف بحالة "الاستنقاع الدبلوماسي" كبديل عن الانفجار الشامل، حيث تستمر المفاوضات لفترات طويلة ومتقطعة دون تحقيق "اختراق استراتيجي حقيقي". فبسبب الخوف من كلفة المواجهة الشاملة وعجزها عن التوصل لاتفاق أمني شامل، ستلجأ الأطراف إلى استراتيجية "كسب الوقت" والمناورة السياسية. هذا المسار سيتضمن فترات تهدئة "مؤقتة ومتقطعة" قابلة للكسر، مقابل تسهيلات اقتصادية جزئية وغير منتظمة، مع بقاء أوراق الضغط الأساسية (الحصار والسلاح) قائمة ومفعلة.
استراتيجياً، سيُبقي هذا السيناريو الأزمة "مفتوحة على كافة الاحتمالات"، ويُحول ملف غزة إلى أداة لـ "استنزاف" الأطراف المعنية. فالجيش الإسرائيلي سيظل في حالة استنفار دائم، وحماس ستواجه ضغوطاً داخلية هائلة جراء استمرار تدهور الوضع الإنساني، والوسطاء الإقليميون سيواجهون صعوبات جمة في الحفاظ على التهدئة. مخاطر التصعيد العسكري المفاجئ ستظل قائمة بقوة في غياب أفق سياسي حقيقي أو آليات تنفيذية موثوقة، مما يجعل هذا السيناريو حالة مستمرة من "عدم اليقين الاستراتيجي".
في المحصلة الاستراتيجية، يتضح أن المقاربة الأمريكية والإقليمية المرتهنة باختزال الأزمة في أبعادها الأمنية ومسألة "نزع السلاح" تظل محاولة محفوفة بالمخاطر وغير قابلة للصمود على المدى الطويل إذا ما جُردت من جوهرها السياسي والعدالة التاريخية. إن الرهان على فرض الهدوء وإعادة بناء النظام الأمني في قطاع غزة عبر الترتيبات التكنوقراطية والرقابة الدولية، مع إغفال الحقوق السياسية المشروعة للشعب الفلسطيني وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة المستقلة، لن ينتج سوى استراحة محارب أو تسويات جزئية هشة سرعان ما تنهار أمام أدنى هزة ميدانية. بناءً على ذلك، فإن نجاح أي مسار تفاوضي – سواء أفضى إلى اتفاق العلمين أو غيره – يظل مرهوناً بالانتقال الجذري من منطق "إدارة الصراع" والتسكين الأمني إلى إطار استراتيجي شامل يحقق السلام العادل والتوازن المستدام في المنطقة.

شارك