سجن البحيري وحرية الرأي والتعبير

الثلاثاء 29/ديسمبر/2015 - 07:06 م
طباعة سجن البحيري وحرية
 
في اللحظة الراهنة يقبع الباحث المصري في التراث الإسلامي و مقدم البرامج الدينية "إسلام البحيري" في ظلمة وبرودة زنزانته بعد أن قضت محكمة جنوب القاهرة "زينهم" بحبسه عامًا واحدا بعد قبول استئناف تقدم به ضد حكم سابق بسجنه خمس سنوات، بعد إدانته بازدراء الدين الإسلامي.
والذي قال في المحكمة " إن برنامجه للدفاع عن الإسلام فكيف أزدريه .
وأضاف لو أن هناك ازدراء لكن الأَوْلى أن يرفع دعوى ضدي، كما استشهد بحيثيات حكم البراءة الصادر بحقه من محكمة جنح أكتوبر.
وقال البحيرى إن هناك عددًا من الأئمة لا يستحقون لفظ إنسان، مضيفاً أن ابن القيم يخترع دين جديد مطالبا بضرورة مراجعة ما جاء من تراث اسلامي جاء من ورائهم مؤكدا أن البخاري ليس ملكا لا يخطئ، كما قام البحيرى بعرض بعض المقاطع لبرنامجه على هيئة المحكمة مستشهداً بها"
ويحق للبحيري النقض على الحكم الأخير بسجنه عاما، لكن ذلك - وطبقا لسير أعمال محكمة النقض - قد يأخذ شهورا قبل إصدار حكم.

سجن البحيري وحرية
وتعود وقائع القضية إلى بدايات 2015، عندما تقدم محامون ببلاغات ضد البحيري يتهمونه فيها بازدراء الدين الإسلامي عبر برنامج كان يقدمه على إحدى الفضائيات المصرية الخاصة. وشكك البحيري في برنامجه في بعض كتب وروايات التراث الديني الإسلامي ومؤلفيها، وهي من المراجع الأساسية لدى المؤسسات الدينية المصرية والإسلامية عموما. 
وازدراء الأديان، تهمة يتعرض لها كل من يختلف عقائدياً أو فكرياً مع المؤسسة الدينية في مصر أو مع تلك الجماعات الإسلامية التي يتبناها النظام، ورغم أن الدستور المصري والدساتير السابقة تكفل حرية العقيدة والتعبير، الا انه بين فترة وأخرى نسمع عن القبض على أحد أفراد جماعة القرآنيين أو الشيعة أو البهائيين أو غيرهم، وكأن العقيدة بين الفرد وربه يتم تحديدها في محاضر النيابة وتخضع للتحقيق الجنائي، كما نسمع دائماً عن إقامة أحد الشيوخ دعوى قضائية ضد أحد المفكرين أو الكتاب بتهمة ازدراء الدين أو سب الذات الإلهية، وهناك العديد من النماذج، أشهرهم نوال السعداوي التي طالب مجمع البحوث الإسلامية بإسقاط الجنسية المصرية عنها بعد نشر إحدى مسرحياتها والشاعر حلمي سالم بسبب قصيدته "شرفة ليلى مراد" وسحبت منه جائزة الدولة، والدكتور نصر حامد أبو زيد الذى تم اتهامه بالكفر بسبب أبحاثه التي تقدم بها لنيل درجة الأستاذية وحكم فيها بالتفريق بينه وبين زوجته، وعلاء حامد بسبب "مسافة في عقل رجل .. محاكمة الإله" التي حكم عليه فيها بالسجن 8 سنوات وغرامة 2500 جنيه.
التهم كثيرة والعقوبات مختلفة، ورغم أن القانون المصري يكفل حرية العقيدة والتعبير فإنه يعاقب عليها، لكننا تحديداً نريد الوقوف عند مجموعة من النقاط، وهى معنى ازدراء الأديان في القانون، وما هي المادة التي تنظم تلك الجريمة، والعقوبة المحددة لها، والأفعال التي تندرج تحت هذه التهمة.
فيقوم بتعريف تلك التهمة الدكتور صلاح زيدان أستاذ الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، حيث يقول إن ازدراء الأديان هو الإساءة للدين وللرسول ومهاجمة العقيدة الإسلامية بالباطل، ويقوم به مجموعة من غير المسلمين فقدوا المقومات الصحيحة للتفكير، وذلك مثل تصريحات البابا بنديكت التي هاجم فيها الإسلام، والرسوم المسيئة للرسول، بالإضافة لكل الكتاب والأدباء الذين يتناولون القضايا الدينية بالإساءة في أعمالهم الأدبية، ويتناولون حياة الرسل بشيء من السخرية. وأضاف زيدان: يزدري الدين كل من ينكر جزءاً معلوماً من الدين، ومن يدعى أنه مسلم، ويعتقد عقيدة مختلفة مثل الشيعة والبهائيين والقرآنيين، لأن موقفهم يمثل انحرافاً دينياً، فمهاجمة السنة والإساءة للصحابة والإيمان بانحرافات لا علاقة لها بالدين، وهو ما يقع تحت مفهوم الازدراء للدين الإسلامي. ومن خلال هذا التعريف يمكن للسلطات المصرية ان تقوم بالقبض على كل من الذين ينتمون لهذه المذاهب دفعة واحدة "شيعة وبهائيين وقرآنيين"، والسؤال الملح هنا والذي أثاره هذا التعريف ما هي حرية العقيدة والفكر والتعبير التي يحافظ عليها الدستور المصري ضمن مواده، هل حرية العقيدة ان اكون مسلم سني أتبع المنهج الأشعري الذي يتبعه الأزهر؟
ليس اسلام البحيري الأول الذي يسجن بهذا الاتهام بل سجن قبله الروائي، كرم صابر، ارتكب جُرما عظيما حين كتب مجموعة قصصية اسمها "أين الله"، بها 13 قصة قصيرة تُمثل ما يعانيه المواطن المصريّ من ظلم وقهر باحثا ومتسائلا عن رحمة الله؟ لولا عنوان الرواية ما كان كرم صابر ليمثل أمام المحكمة في تهمة ازدراء أديان، وما كانت المحكمة لتحكم عليه بأقصى العقوبة. فقد حُكم على كرم صابر بالسجن 5 سنوات، استند القاضي لقانون العقوبات المصريّ لا لقانون تنظيم الدولة "داعش" في الإدانة خاصة بعدما اطلع على تقرير الأزهر الذي أدان الروائي، أما الطامة الكبرى أن الكنيسة متمثلة في مطرانية بني سويف كتبت تقريرا يدين الكاتب. 

سجن البحيري وحرية
ومن أمثلة استخدام هذا القانون في تصفية الحسابات الشخصية، نجد قضية عمرو عبد الهادي، الشاب الشيعي المذهب، الذي اختلف مع أحد المُنتَمين للمُدافِعين عَن أهل السُنَّة والجَمَاعَة بالإسكندرية، حيث أفحمه عمرو بردوده ومنطقه في أحد اللقاءات على قناة من القنوات الفضائية، فتربص به الرجل أثناء زيارة عمرو لضريح الحُسين، لينفذ الرجل تهديده لعمرو، فيقتاده إلى نٌقطة الشرطة بالمكان، ولم يخرج عمرو إلا وقد نال حُكماً بالسجن خمس سنوات، على الرغم من تقديم كل ما يفيد بأن الأمر ما هو إلا انتقام شخصي. كما نجد في بعض الحالات استخدام هذه الفقرة من القانون لتصفية الحسابات السياسية، كما حدث مع طالب الأزهر كريم عامر، الذي لم ينتقد سوى أساتذته في جامعة الأزهر والمناهج التربوية والعلمية وطرق التدريس في الجامعة، كما انتقد جماعة السُنة في منطقة العامرية، محل سكنه، حين كانوا يدعون إلى انتخاب المخلوع مبارك أميراً للمؤمنين! فكتب الشاب على مدونته الخاصة، «أميراً للاستبداد»، وكان هذا كافياً للزج به في قضية سياسية، وقضية ازدراء للأديان، لينال أقصى عقوبة بالسجن لخمس سنوات.
واخيرا هناك مقولة للمؤسسة الدينية لا نجد لها تفسيرا ولا شرحا وتدخل من يخالف هذه المؤسسة غياهب السجون وهي ما حكم على أساسها على الباحث اسلام البحيري الا وهي " يزدري الدين كل من ينكر جزءاً معلوماً من الدين" فما هو الذي يعلم من الدين وما هي الثوابت التي يتحدثون عنها ليل نهار؟ لقد اصبحت تلك الثوابت " الصحابة و التابعين اليهم بإحسان والائمه و الفقهاء والبخاري و كتابه وابن تيميه و افرازاته الفكرية والازهر و رجاله وحوائطه ودورات المياه الخاصة به" كل هذا أصبح من ثوابت الدين الذي لا يستطيع باحث الاقتراب منها، بل وتحولت الى مقدسات أي اقتراب منها يهدد الإسلام، ونقول لهؤلاء الذين يخشون من الاجتهاد وأعمال العقل ونقد التراث "إن دين يعطي للمجتهد المخطئ أجر لهو دين ثابت في الرسوخ ولا يخشى عليه"
وأخيرا هل تحول قانون ازدراء الأديان إلى قانون ازدراء الإسلام السني، بعدما أصبح أداة في يد الأصوليين ليرفعوا به ما أرادوا من قضايا تكفير ضد خصومهم؟

شارك

موضوعات ذات صلة