كتاب جديد.. الإعلام ساهم في تحقيق ثورة عارمة في الحقل الديني

الإثنين 08/يوليه/2019 - 12:01 م
طباعة كتاب جديد.. الإعلام روبير الفارس
 
يتميز كتاب " الدين والاعلام في سيسولوجيا التحولات الدينية " الصادر عن مجلة الفيصل السعودية  للباحث رشيد جرموني  .بانه لم يكتفي بالتنظير بل قدم قراءة فعلية لعدد من القنوات الدينية  وبحث في تاثير ذلك علي الفتوي  والمتلقي في ظل سقوط حركات الاسلام السياسي وكيف غير الاعلام الكثير من المفاهيم الدينية المتداولة 

الكاتب 
رشيد جرموني باحث وأكاديمي مغربي، حاصل على الدكتوراه في علم الاجتماع، جامعة محمد الخامس، الرباط. متخصص في علم الاجتماع الديني. يعمل أستاذًا في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة مولاي إسماعيل، مكناس. نشر العديد من الدراسات في مجلات وطنية وعربية، وشارك في عدد من الملتقيات العلمية داخل المغرب وخارجه.
الكتاب 
لا شك أن المتتبع لما جاء في هذه الدراسة، يتأكد له أن الحقل الديني شهد مجموعة من التحولات والتغيرات والانتقالات، التي مسَّت مجموعة من العناصر المكونة لهذا الحقل، ولعل أهمها – في المرحلة الأخيرة الممتدة من مرحلة التسعينيات من القرن الماضي إلى الآن، التحول الذي طال مسألة إنتاج وإعادة المعارف والممارسات والمعتقدات والمسلكيات والاتجاهات والقيم والمفاهيم والرؤى وغيرها. وقد كان لظهور ما يسمى اليوم في الأدبيات السوسيولوجية «الإعلام الديني»، الأثر البالغ في ترسيخ مجموعة من هذه التحولات. ولعلنا نجازف بالقول: إن هناك توجهين أساسيين برزا من خلال الإعلام الديني: قيم الاستهلاك الديني، وبروز الردكلة.بقصد الرديكالية الاصولية 
ويقول الباحث نحن نعتقد أن هناك ثلاثة عوامل أساسية ساهمت في بروز هذا الإعلام الديني:
أولًا: المعطى السوسيوسياسي، الذي يتجلى في التحولات التي عرفتها حركات الإسلام السياسي؛ إذ فقدت بريقها، وبهت مشروعها التغييري، وذلك عبر عملية نزع القداسة عن مؤسساتها. أو من خلال التمكين للخطاب السلفي الوهابي من تأسيس العديد من المنابر الإعلامية، لإضفاء نوع من الشرعية على بعض الأنظمة، وأيضًا لمواجهة حركات الإسلام السياسي التي تشارك في العملية السياسية.
ثانيًا: المعطى الاقتصادي، عبر الاستثمار في الحامل الديني، واستغلال الحماس الديني لدى شرائح متعددة من المستهلكين؛ إذ المطلوب ليس هو أن ننشد الفضائل المطلقة من منطلقات دينية، ولكن عبر بيعها من خلال فاعليتها الاجتماعية. ولعل هذا ما يقربنا من حالة الانتعاش القوي للاقتصاد الديني واستفادة الكثير من الهيئات والمؤسسات والشركات والأفراد والجماعات من أموال طائلة في ترويج «منتجات» سميت بدينية، أو عبر ما سماه أحد الباحثين بـ « Religious Commodification ».
ثالثًا: المعطى الفكري والفلسفي – رغم أنه غير معلن لكنه فاعل في هذا التحول – حيث يمكن عدّ – تحلل التقليدي La detraditionnalisation ، وبروز مفهوم «السيولة»، أي «إزالة الحمولة الثقافية للدين». كل هذه العوامل ساهمت في بروز الإعلام الديني. والدراسة الحالية، سعت لتقديم بعض العناصر المفسرة لهذا التحول، وذلك بهدف الوقوف ليس عند مجرد تحليل هذه الأسباب، بل دراسة أهم الفاعلين المؤثرين في هذا الإعلام، وثانيًا، الوقوف عند تأثير هذا الإعلام على تدين المجتمعات المسلمة، باستعمال منهجية كمية وكيفية، بتحليل المضمون (الخطاب المروج في عينة من القنوات والإذاعات، والمواقع الإلكترونية) ورصد تمثيلات واتجاهات ومواقف وسلوكيات عينة الدراسة، عبر منهج المسح الاجتماعي بواسطة الإستمارة.
ويجب التأكيد من الناحية المنهجية، أن العينة غير شاملة، وليست معبرة عن كل المنطقة العربية الإسلامية، لكنها تشكل في الآن نفسه، منظورًا لمجتمع مصغر تتفاعل فيه العديد من التحولات التي نعتقد أنها تشمل كل المنطقة العربية الإسلامية، لكوننا نعيش في زمن بلا حدود وبلا حواجز، وفي زمن عولمة الظاهرة الدينية.
بالموازاة مع ذلك، فإذا كانت العوامل المفسرة لبروز سوسيولوجيا الإعلام الديني، تمثل – في اعتقادنا – ثورة عارمة في الحقل الديني، فإن النتائج والآثار المترتبة على ذلك لا تقل تثويرًا عن سابقاتها، وذلك لأن الإعلام الديني، غيَّر الشيء الكثير في تدين المسلمين، سواء في الأبعاد المعتقدية أو الطقوسية أو المعرفية أو السلوكية أو حتى الأبعاد الوجودية، وهو ما سمح لنا بالحديث عن «تدين جديد». فما أهم الخصائص التي تميز هذا النوع من التدين؟ وكيف يمكن قراءة الخريطة الدينية في المنطقة العربية – الإسلامية؟
أولًا: شكل الانفتاح على التكنولوجيا ومنتجاتها من طرف العديد من الأديان، ومنها بطبيعة الحال الإسلام، ثورة حقيقية في الحقل الديني، فبعدما كان الخطاب والممارسة والطقوس تمارس في الفضاءات الضيقة والمحدودة والمحصورة، انتقل ذلك للفضاء العام الذي يمكن أن نسميه بالفضاء العمومي الإسلامي تجاوزًا. هذا الفضاء أنتج خطابًا جديدًا ودعاة جددًا ونموذجًا جديدًا للتدين.
ثانيًا: أبرزت النتائج، بشكل ملحوظ، تماهي المجتمعات المسلمة مع موجة التدين الافتراضي العولمي، عبر مجموعة من الدعاة الجدد، في حين انحسر الاهتمام بالدعاة والعلماء الرسميين، وهو ما يؤشر إلى وجود «أزمة» وتصدع في النماذج. وإعادة خلخلة البنيات المؤسساتية التقليدية، من دون القدرة على بناء مؤسسات جديدة تتجاوب مع تطلعات المجتمعات المسلمة، ولا حتى مع أنماط التدين الجديد.
ثالثًا: أمكننا من خلال متابعتنا لمجمل النتائج، وكذلك التفسيرات التي عززنا بها تحليلاتنا، أن نتأكد من الفرضية المطروحة، وهي أن الإعلام الديني، خصوصًا في شقه الافتراضي، ولِّد ما يسمى بالتدين الفردي، وهذه المسألة، تعني أن التدين الحالي، سينطبع – بحكم ما توافر لدى أغلبية هذه المجتمعات – من إمكانيات لولوج عالم النت، ولإمكانية بناء الأفكار والمعلومات وكذلك الاختيارات...، قد تحول إلى مستهلك للمنظومات الرمزية، ومنها الدين، بجميع تلاوينه واختلاف مشاربه وتوجهاته. وقد بدأ نوع من الانفصال عن الواقع السوسيولوجي والتاريخي، ومحاولة بناء هويات جديدة، تجد ضالتها في العالم الافتراضي. ولهذا خلصنا إلى أن العلاقة بين ما هو افتراضي وواقعي، لم تمر بالشكل السلس في التجربة العربية الإسلامية.
رابعًا: إن مقولة التقنية تقتل الدين، غير صالحة لتفسير التحولات التي عرفها الحقل الديني في علاقته بالتكنولوجيا المتطورة، فرغم كون عالم النت، العالم الذي يذكرنا بالقيم المادية وبالتفوق والذكاء الإنسانيين، فإن حضور الدين، شكل أحد الجوانب الجديدة في علاقته بالعالم الافتراضي. وقد بيَّنَّا من خلال الدراسة المسحية العلمية لمؤسسة الفكر العربي، كيف أن فئة الشباب، تستدعي القيم الدينية وتوظفها في حياتها، رغم التفضيل الذي لقيه عالما الموسيقا والأفلام. فإن ذلك لا يعني بناء هوية دينية متماسكة، بقدر ما يؤشر إلى نوع من الإستراتيجيات التي ينهجها العقل المسلم التائه وسط هذا التدفق الهائل من التكنولوجيا الحديثة. ولعل ذلك ما يزكي الخلاصة التي توصلنا إليها من قبل، وهي أن العالم الافتراضي، خلق هوَّة بين الفرد والجماعة، وبالتالي يمكننا الحديث عن نوع من «شخصنة الدين».
خامسًا: تسمح معطيات الدراسة وكذلك التفسيرات التي قدمناها، أو عززنا بها دراستنا، بأن الخريطة الدينية بالمنطقة العربية – الإسلامية تبدو مركبة جدًّا وشديدة التعقيد، إذ دخلنا موجة «التشظي الإسلامي»، حيث نجد تعايشًا حذرًا بين الإسلام الواقعي المعيش، والجهاديين المتشددين والصوفيين التقليديين والسلفيين المحافظين والسلفيين الراديكاليين ودعاة الإسلام السياسي والإسلام الفردي والشخصي... كل ذلك يدفع في اتجاه الحديث عن وجود حالات من التدين، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نؤطرها في أي من النمذجات التي صاغها الباحثون سابقًا، كالتدين الرسمي، أو الحركي، أو الشعبي، أو السلفي، بل أصبحنا أمام تعددية في نمطية التدين تنفلت من كل تنميط.

شارك