ماذا يبقي من الدكتور حمدي زقزوق ؟

الأربعاء 20/مايو/2020 - 10:02 ص
طباعة ماذا يبقي من الدكتور روبير الفارس
 
في إطار الاهتمام بالكتابة عن القامات الفكرية الذين يعدون مجددون في الفكر الديني كتب الاستاذ الدكتور محمد احمد سرحان عن الراحل الدكتور محمود حمدي زقزوق  باعتباره جامعا بين  الأصالة والمعاصرة، وجمع  بين ثقافة الشرق والغرب، ذلكم هو الدكتور محمود حمدى زقزوق، أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين بالقاهرة. كان - رحمه الله - قامة كبيرة من قامات الفكر الإسلامى المعاصر، حاول التقريب بين ثقافة الشرق والغرب، وقد برز ذلك فى العديد من مؤلفاته التى تتسم بدقة العبارة، ووضوح التعبير، والبعد عن التعقيدات والتفريعات التى يتكلفها بعض الكاتبين، ولاسيما فى بعض المسائل فى الفلسفة وعلم الكلام، داعيًا إلى نهضة فكرية جديدة، وفلسفة إسلامية جديدة. وجاء في الدراسة التي نشرتها مجلة المصور  أظهر الدكتور زقزوق - رحمه الله - أثر علماء المسلمين على الحضارة الغربية.

وقد برز ذلك فى أطروحته للدكتوراه التى حملت عنوان «الشك المنهجى بين الغزالى وديكارت»، حيث بين فى أطروحته أن حجة الإسلام أبا حامد الغزالى - طيب الله ثراه - كان له الأثر البالغ على فلاسفة الغرب، بل إنه يعد مؤسسا لمذاهب فكرية عديدة، ظهرت على أيدى الفلاسفه الغربيين فيما بعد، وبالطبع إذا ذكر الغزالى، ذكر الفيلسوف الفرنسى الملقب بأبى الفلسفة الحديثة ديكارت الذى جاء بعده بقرون، والتطابق الواضح بينهما فى المنهج، كما ذكر ذلك الدكتور زقزوق فى أطروحته التى تقدم بها للدكتوراه، وذكر أن أطروحات فلاسفة الغرب فيما بعد ليست إلا انعكاسًا لأطروحات ديكارت نفسه الذى تأثر فى منهجه بحجة الإسلام الغزالى.

ولد د. زقزوق بقرية الضهرية التابعة لمركز شربين بمحافظة الدقهلية، وتُوفى والده وهو فى السابعة من عمره، وخيره أخوه الأكبر بين التعليم العام والتعليم الأزهرى فاختار التعليم الأزهرى. حصل على الإجازة العالية من قسم الفلسفة بكلية اللغة العربية بالأزهر عام ١٩٥٩. ثم الشهادة العالمية مع إجازة التدريس من كلية اللغة العربية بالأزهر عام ١٩٦٠. ثم دكتوراه الفلسفة من جامعة ميونخ بألمانيا عام ١٩٦٨. وعين مدرسًا للفلسفة الإسلامية بكلية أصول الدين جامعة الأزهر عام ١٩٦٩. ورُقى أستاذًا مساعدًا عام ١٩٧٤. ورقى أستاذًا عامًا ١٩٧٩. وعُين وكيلًا لكلية أصول الدين بالقاهرة ورئيسًا لقسم العقيدة والفلسفة من عام ١٩٧٨ حتى ١٩٨٠. ثم عميدًا لكلية أصول الدين بجامعة الأزهر فى الفترة من عام ١٩٨٧ حتى ١٩٨٩، ومن عام ١٩٩١ حتى ١٩٩٥. ثم نائبًا لرئيس جامعة الأزهر عام ١٩٩٥. ثم وزيرًا للأوقاف عام ١٩٩٦.

له العديد من المؤلفات منها: المنهج الفلسفى بين الغزالى وديكارت، الكويت عام ١٩٨٣. والإسلام فى تصورات الغرب عام ١٩٨٧. ومقدمة فى علم الأخلاق ١٩٩٣. ودراسات فى الفلسفة الحديثة ١٩٩٣. وتمهيد للفلسفة ١٩٩٤. ومقدمة فى الفلسفة الإسلامية. والإسلام فى مرآة الفكر الغربى عام ١٩٩٤. والدين والحضارة عام ١٩٩٦. والدين والفلسفة والتنوير ١٩٩٦. وتأثير الفكر الإسلامى فى الفلسفة الغربية.

أكد الدكتور زقزوق فى معرض حديثه عن تأثير الفكر الإسلامى فى الفلسفة الأوربية، أن العلماء فى أوربا عملوا جاهدين على ترجمة الفلسفة العربية والاسلامية إلى اللاتينية. بل وأشار إلى أن «تأثر إسبينوزا بالأفكار الإسلامية إما بطريق مباشر، أو عن طريق ابن ميمون، وكذلك إخوان الصفا، وكذلك أفكار ابن خلدون فى فلسفة التاريخ والفلسفة الاجتماعية».

وينسب للدكتور زقزوق إطلاق قضايا التجديد وموسوعات الفكر الإسلامى، وتربية جيل من أبرز الدعاة الشبان الذين شغلوا الساحة الإسلامية والإعلامية. كما أن له تاريخًا فلسفيًا وعلميًا فى مواجهة المتطرفين والملحدين، انتمى خلالها إلى مدرسة التجديد التى أنتجها الأزهر على يد العلامة الشيخ محمد عبده.

وفى عام ١٩٧٣ أصدر الدكتور زقزوق كتابه المهم «المنهج الفلسفى بين الغزالى وديكارت»، والذى كان فى الأصل أطروحة أكاديمية قدمها فى ألمانيا قبل هذا التاريخ بنحو ٥ أعوام. الأطروحة ما هى إلا مناقشة علمية حول التوافق فى مراحل التفكير بين الفيلسوف الإسلامى الإمام أبى حامد الغزالى، ورينييه ديكارت الفيلسوف، والرياضى الفرنسى الشهير، والملقب بـ»أبى الفلسفة الحديثة».

وقد حاول زقزوق فى كتابه الأهم أن يجد توافقًا فى مسلك كل منهما فيما عُرف بـ»الشك المنهجى»، وجاء بشواهد، ونصوص من مؤلفات الغزالى، وديكارت لتوضح الاتفاق فى خطوات منهج البحث عندهما اختار زقزوق، ديكارت، لأنه يحظى فى الغرب بتقدير عظيم، كذلك اختار حجة الإسلام الغزالى، بسبب مكانته الكبيرة أيضا من جهة، ومن جهة أخرى ربما لكونه فيلسوفًا قُوبل فى الشرق بالجحود والإهمال على المستوى الفلسفى، واتُهم بأنه قضى على الفلسفة فى الشرق قضاءً مبرمًا لم تقم لها بعده قائمة.

وأكد زقزوق أن الشك المنهجى عمل تأسيسى حاسم فى الفكر الغربى، لكنه كان مرتبطًا بالفلسفة الإسلامية قبل ظهور ديكارت بـ ٥ قرون. وأبرز زقزوق فى كتابه تطابقًا مدهشًا بين الأفكار الواردة فى كتاب «المنقذ من الضلال» للغزالى، وكتاب «التأملات» لديكارت، وأكد زقزوق فى مقدمة الكتاب أنه لم يقصد أبدًا من وراء كشفه عن الصلة بين منهجى ديكارت والغزالى مجرد إبراز أمجاد الأسلاف، وإبراز آثارهم على فلاسفة ومفكرى الغرب وإنما كان قصده التوجه بعقلانية لاستعادة الثقة فى أنفسنا وتراثنا بهدف أن يكون ذلك حافزًا لنا إلى الانطلاق من جديد نحو ترسيخ دعائم نهضة فكرية جديدة وبناء فلسفة إسلامية جديدة.

ورأى زقزوق فى كتابه أن الإسلام قام بتوفير الضوابط والشروط الضرورية لإحداث نهضة فكرية بين المسلمين، بل واستطاع الفكر الإسلامى أن يتفاعل مع ثقافات وفلسفات مختلفة، وحتى ما رفضه فلاسفته لم يرفضوه لمجرد الرفض، بل رفضوا منه ما لا يتوافق مع عقيدتهم الدينية. واستشهد زقزوق بكلام أبى بكر الرازى فى تعريفه للفلسفة على أنها بناء تشترك فيه الأجيال، ويضيف إليه كل جيل شيئًا جديدًا يمهد السبيل لم يجىء بعده، فالكلمة الأخيرة فى الفلسفة لم يقلها جيل بعينه وإلا أُصيب الفكر بالجمود، وحكم عليه بالعقم الأبدى.
وقال الدكتور سرحان 
لمست فى الدكتور زقزوق - رحمه الله - رحمة الأب وأبوة العالم منذ أن شرفت بالتلمذة على يديه والعمل معيدا بقسم التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بالقاهرة، وسأظل أذكر هذا الموقف الذى ذكرته به فى مؤتمر التجديد الذى حضره قبل وفاته، هذا الموقف الذى كان له بالغ الأثر فى حياتى العلمية والعملية، فقد تغيبت عن الكلية بسبب ظروف ألمت بي، أنا وبعض الزملاء، فاتصل بنا مدير مكتبه، وأخبرنا بأننا قد حولنا إلى التحقيق، وإننا ننتظر جزاءً رادعاً، فما كان مني، إلا أن ذهبت إلى مكتبه وشرحت له ما أعانيه من مشقة السفر، وتركت على مكتبه أبياتًا جاء فيها: رجاء القلب مصدوقُ.. لأن القلب محروقُ.. بذلنا طاقة الجهدِ.. يجف الجهد والريقِ.. وبعد الجهد تأتينا مساءلة وتحقيق.. فهلَّا رحمة يأتى بها الدكتور زقزوق. فما كان منه إلا أن نادى على قبل أن أخرج من مكتبه وأمسك بيدى وهدأ من روعى، وأخذ يحدثنى عن الصبر والتحمل فى سبيل العلم، وكان ذلك بحضور الأستاذ الدكتور محمد عبدالمنعم القيعى رئيس قسم التفسير، والأستاذ الدكتور عبدالمعطى بيومى - رحمه الله - فلم أجد من ثلاثتهم إلا الصدر الرحب، والقول الجميل.. وقد دعانى الدكتور بيومى إلى الاشتراك فى الجمعية الفلسفية المصرية التى كان يرأسها الدكتور زقزوق، حيث كنت حريصًا على حضور جلساتها ومؤتمراتها حتى سفرى معارًا إلى المملكة العربية السعودية.

انتقل الدكتور محمود حمدى زقزوق إلى رحمة ربه بعد عمر يناهز الـ٨٩ عامًا. وكان الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء، نيابة عن الرئيس عبدالفتاح السيسى قد كرم الدكتور زقزوق، فى نهاية يناير الماضى، بمؤتمر تجديد الفكر الدينى الذى عقده الأزهر الشريف، تقديرًا لجهوده فى تجديد الفكر الإسلامى، وتعزيز السِّلم العالمى، ونشر سماحة الإسلام.. وانتهت الرحلة الحافلة بعد فترة من المرض خلال تلقيه العلاج فى مصر وبعد إجرائه عملية جراحية بالمانيا.. رحم الله الدكتور زقزوق رحمة واسعة وأسكنه الفردوس الأعلى فى عليين ونفعنا بعلمه.

شارك