«الخلافة الإسلامية».. مُصْطَلَحٌ تَارِيخِيٌّ أم هدف مستقبلي؟

الأربعاء 30/مايو/2018 - 12:49 م
طباعة «الخلافة الإسلامية».. هناء قنديل
 
لا يمكن إنكار أن الخلافة الإسلامية -سواء في دولة بني أمية، أو دولة بني العباس- شهدت فترات عاش فيها المجتمع المسلم أفضل وأزهى عصوره على الإطلاق، حتى إن عهد الوليد بن عبدالملك، في الخلافة الأولى، وهارون الرشيد في الثانية، شهدا أكبر اتساع لرقعة الدولة الإسلامية في تاريخها.

وفي المقابل أيضًا فإن الخلافة الإسلامية، لم تحمِ الدولة مترامية الأطراف، من التراجع والاضمحلال ومن ثم الانهيار، حتى إنها في عهدها الأخير على يد بني عثمان، سُمِّيت «رجل أوروبا المريض»!

وبرؤية المشهد وتحليله من هذه الزاوية المهمة، يتضح أن العبرة ليست في الخلافة ذاتها كنظام لحكم الدولة، إنما في السياسة التي انتهجها الخلفاء وحكموا بها، أيًّا كانوا وأيًّا كانت الطريقة التي وصلوا بها إلى الحكم، خاصة أن فترات الخلافة -منذ نهاية عهد الراشدين الأربعة، وبدء الملك العضود والتقاتل والتناحر عليها- شهدت الكثير من المؤامرات لتولية وعزل خلفاء، بل واغتيال بعضهم، ولعلَّ أشهر عمليات الاغتيال التي وقعت، كانت قتل سليمان بن عبدالملك، ومن بعده عمر بن عبدالعزيز، وكذلك المؤامرات المتتالية التي حاول بها البرامكة القضاء على هارون الرشيد، وكذلك مؤامرة ابنه المأمون، لقتل شقيقه الأمين والانفراد بحكم دولة بني العباس، وتسبق ذلك مؤامرة الخيزران وقتلها ولدها موسى الهادي، لإخلاء الطريق للرشيد لكي يتولى الحكم.

وما بين نجاحات الخلافة الإسلامية وإخفاقاتها، وما بين بلوغها عنان السماء وسقوطها في فخِّ التخلف والتراجع، يظل السؤال مطروحًا ومشروعًا، في ظلِّ حالة الرعب الذي تعيشه المجتمعات الغربية من فكرتها، واحتمالات عودتها، وهو: هل الخلافة مجرد مصطلح تاريخي؟ أم هي هدف مستقبلي هناك من يسعى لإحيائها؟

المصطلح التاريخي
هناك من يرى أن الخلافة الإسلامية ليست سوى مصطلح تاريخي، لم يعد له مكان هذه الأيام، وليس له أنصار يعملون على عودته، في ظلِّ أنها ليست سوى نظام حكم ارتضاه المسلمون الأوائل لأنفسهم ولدولتهم الوليدة، نظام بدأ بالشورى، ثم سرعان ما انقلب إلى ملك عضود، وصراعات دموية فجَّرَت سلاسل طويلة من الأزمات، والمذابح، على خلفيات سياسية متنوعة، بما يتنافى شكلًا ومضمونًا مع الرسالة السماوية المتلخصة في دين الإسلام.

ويرى أصحاب هذا الرأي أن مصطلح الخلافة، ليس له مدلول سياسي يتجاوز التراث الإسلامي، وأنه مصطلح اندثر إلى غير رجعة، بانهيار آخر أنظمة الحكم التي تمسكت به كشرعية لوجودها، وهي الدولة العثمانية قبل انهيارها للأبد في العقد الثاني من القرن العشرين (1922) كإحدى نتائج الحرب العالمية الأولى.

فمصطلح الخلافة حاليًا -وفق الرأي الأخير- لا يتجاوز مظلة يرتكن إليها المداهنون والمتنطعون الراغبون في الاستيلاء على الحكم في الدول ذات الأغلبيَّة المسلمة، ولا يجدون مدخلًا لكسب ود الشعوب، سوى التلويح بأيام الخلافة الأولى، ناسجين أساطير عن عدلها ونزاهتها ونعيم الرعية تحت لوائها، متغاضين -بقصد وتعمد- عن أن العبرة ليست في الخلافة، بقدر ما هي في أشخاص عاشوا وحكموا وقتها، بدليل تراجع هذه الخلافة، وانهيارها فيما بعد، شأنها في ذلك شأن جميع الأنظمة الأخرى.

وتعد الجماعات الإرهابية -وفي صدارتها تنظيم داعش- أهم مروجي أفكار استعادة الخلافة على النسق التاريخي المعروف؛ لأنهم وبحسب الخبراء، يرون أن هذه الطريقة الوحيدة لكسب المتعاطفين والأتباع، لكن الحقيقة تقتضي الاعتراف بأن الخلافة لم تعد سوى مصطلح تاريخي، يرتبط بفترة حكم ازدهرت كثيرًا، وسقطت كثيرًا أيضًا، شأنها شأن جميع نُظم الحكم في تاريخ البشرية.

هدف مستقبلي
في المقابل، هناك من يرى أن الخلافة تمثل هدفًا مستقبليًّا لدى البعض، وأنه يمكن بالفعل إعادتها للحياة، ضاربين المثل بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وأتباعه في الشرق الأوسط، ويتصدرهم الأمير القطري تميم بن حمد، الذين يعتقدون، أن دعم الأعمال المتطرفة، ومدها بالمال والسلاح، والتسهيلات اللوجستية، أمر كفيل بإسقاط الأنظمة الحاكمة في المنطقة، وتمهيد الطريق بالتالي، إلى إقامة خلافة جديدة يتزعمها هؤلاء!

ورغم أن هذه الأفكار لا تستحق الالتفات إليها، فإنها كانت ذريعة كافية للقوى الاستعمارية، للعمل على تشويه الإسلام، وإظهاره على أنه دين يدعم الإرهاب، والتطرف والقتل، في سبيل إقامة حكمه وخلافته، وهو أمر غير صحيح مطلقًا، بدليل أن المسلمين الأوائل لم يلجؤوا لذلك على مدار تاريخهم سواء في لحظات القوة أو الضعف.

ونعود لنؤكد أن مَن يرون الخلافة هدفًا مستقبليًّا، ليسوا سوى مرتزقة الفكر الذين يعمدون إلى تكفير الشعوب والحكام، لإيجاد موطئ قدم لهم في عقول الشباب؛ ليربحوا مزيدًا من الأتباع، وإلا فأين الخلافة في حُكم تركيا الإسلامي؟ وأين هي بعد سقوط أفغانستان لسنوات طوال في قبضة طالبان والقاعدة؟ بل وأين الخلافة الرشيدة ونظامها في طريقة حكم هذه الجماعات لنفسها؟!

تعريف خاطئ
على مدار التاريخ تعرَّض مصطلح الخلافة إلى الكثير من التشويه، من فريقين أولهما يهدف لتحويله إلى «بعبع» يخشى المسلمون أنفسهم استخدامه، أو حتى الترحم على النجاحات التي تحققت تحت مظلته، وبالتالي لا يفكرون أو يبالون بعودته، وهذا الأسلوب لجأ إليه من يتصورون أن سلطتهم الزمنية، وسيطرتهم السياسية، والاقتصادية والدينية، مهددة بالانهيار إذا عاد الإسلام لبريقه المسلوب.

أما الفريق الثاني فنَسَجَ المؤامرات، وموَّل الجماعات المتطرفة، حتى يلصق التهم بالإسلام في مجمله، ثم استخدم مصطلح الخلافة، للإيهام بأن سلسلة إزهاق الأرواح التي يُقدم عليها أصحاب الفكر المتطرف؛ ليس لها سوى هدف سياسي هو إقامة نظام حكم متسلط مرعب متخلف يعيد العالم إلى القرون الوسطى، وهو الخلافة.

وتناسى الفريقان أن سقوط الخلافة لم يمنع الإسلام من مواصلة الانتشار داخل أعتى وأقوى المجتمعات، وأكثرها محاربة له، وهو ما يدل على أن العبرة ليست بالخلافة، كما تناسوا أن مجتمعاتهم الأوروبية، شهدت مذابح وجرائم ينْدَى لها الجبين، ولم يكن للخلافة الإسلامية يد فيها.

هل الخلافة ضرورة إسلامية؟
هذا السؤال يعد إحدى القضايا المهمة التي شهدت جدلًا وخلافًا كبيرين على مدار التاريخ، لكن الحقيقة والوقائع المثبتة، تؤكد أن الخلافة ليست نظام حكم مقدس لا يأتيه الباطل؛ لأن من مارسها في النهاية بشر تحكمهم في كثير من الأحيان الشهوات الإنسانية التي تدفع إلى الظلم أحيانًا، والتراخي والخوف على الكرسي أحيانًا أخرى، وكم من حوادث التاريخ التي تؤكد هذا الطرح، وإلا فإذا كانت الخلافة نظامًا مقدسًا فكيف سقطت على أيدي بعض الخلفاء؟

ويتفق العلماء المسلمون على أن القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، وضعا أسس الحكم الإسلامي، القائم على العدل، والشورى، وصيانة الحقوق، لكن من دون أن يحددا شكلًا بعينه لتحقيق ذلك، بل إن النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما أخبر في الأحاديث الصحيحة، أن الدولة الإسلامية، ستشهد فترات من الحكم العضود، أي الملك المورث، لم يُنكر ذلك، أو يُقبحه، أو يُحرمه، وإنما ذكره ضمن ما ذكر من حوادث التاريخ المستقبليَّة التي أطلعه الله عليها.

وهذا دليل كافٍ على أن تحقيق أهداف الإسلام الأساسية من الحكم، لا يرتبط بشكل هذا الحكم، فإن جاء مع الخلافة فبها ونعمت، وإن جاء مع شكل آخر سواء كان حكمًا ملكيًّا وراثيًّا، أو حتى كان نظامًا ديمقراطيًّا حديثًا فلا غضاضة في ذلك.

من أين جاء المصطلح؟
بداية ظهور مصطلح الخلافة السياسي، كان في الكتابات التي وضعها فلاسفة المسلمين، فيما لم تتحول هذه الكتابات إلى نظريات سياسية يقف البعض وراء محاولة تطبيقها واقعيًّا، إلا بعد حالة التكالب التي مارستها الأمم الغربية، ضد المسلمين عقب سقوط الخلافة العثمانيَّة، وهو أمر مفهوم إذ إن هذه الحالة العدوانية التي شهدها العالم ضد الإسلام، عقب سقوط خلافته الأخيرة، دفع البعض إلى تفكيرٍ مغايرٍ، يرون فيه أن ما كان يوفر لهم الحماية، هو الخلافة، وبالتالي فإنها لابد أن تعود حتى تردع هؤلاء المعتدين، الذين استباحوا المجتمعات الإسلامية، فور سقوط خلافتها.

لا ترابط بين الرسالة والحكم
لم يسر جميع فلاسفة وعلماء المسلمين على نهج واحد في مسألة الخلافة، فكما كان هناك مروجون لضرورة عودتها، على اعتبار أنه لا إسلام دون خلافة، فإن هناك من رفضوا هذا الفكر تمامًا، ومنهم على سبيل المثال الشيخ علي عبدالرازق، صاحب كتاب «الإسلام وأصول الحكم»، الذي أكد أن رسول الله -صلى اللهً عليه وسلم- كان نبيًا رسولًا مبعوثا لهداية الناس كافة، دون ارتباط بنظام حكم، أو انشغال بملك.

وقال الشيخ في كتابه: (الرسالة غير الملك، وليس بينهما شيء من التلازم بوجه من الوجوه، وأن الرسالة مقام والملك مقام آخر، فكم من ملك ليس نبيًّا ولا رسولًا، وكم لله جل شأنه من رُسُل لم يكونوا ملوكًا، بل إن أكثر من عرفنا من الرسل إنما كانوا رُسُلًا فحسب).

ويشير الشيخ إلى أن من أدلة أنه لا تلازم بين الحكم والرسالة، أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- مات قبل أن تكتمل أركان الدولة، في الوقت الذي كانت أركان الدين تمت، وهذا هو الأهم، مضيفًا أنه لو كان اكتمال الدولة، مهمًا كاكتمال الدين ما قُبِضَ الرسول -صلى الله عليه وسلم- قبل أن تقف هذه الدولة شامخة أمام العالم، لكنها مهمة تُركت لمن تبعوه، حتى تكون قابلة للأخذ والرد، والتطوير؛ لأنه إذا تولى الرسول -صلى الله عليه وسلم- إقامة الدولة بأركانها تامة، ما تجرأ أحد على إحداث أي تغيير ولو كان ضروريًّا ومطلوبًا.

الوثيقة الباريسية
ورغم كل الطروحات السابقة، ما زال بعض الفلاسفة والمفكرين الغربيين، يضعون الأفكار التي تحذِّر من عودة الخلافة، بل ورصدوا لها موعدًا هو 2020، رغم عدم وجود أي إرهاصات تدل على ذلك.

وهذا الأمر وجد سباقًا محمومًا لدى الغرب، حتى إنهم وضعوا الخطط لمزيد من التقسيم للدول العربية والإسلامية، حتى يضمنوا عدم وجود أدنى فرصة لوحدتها، وبالتالي قيام خلافة جديدة.

وكان التقرير الصادر عام 2005 عن مؤسسة «روبير لافون» الفرنسية، الذي عُرف فيما بعد بـ«الوثيقة الباريسية»، أبرز ما صدر عن الخلافة الإسلامية، وفكرة عودتها خلال السنوات العشرين الأخيرة، حيث يرصد هذا التقرير رؤية المخابرات الأمريكية للعالم عام 2020.

فزاعة تدميرية
التقرير الذي شارك في إصداره ألف خبير بشؤون الشرق الأوسط، توقع ارتباط جماعات الإسلام السياسي ببعضها البعض، لإقامة خلافة جديدة على غرار القرون الماضية.

ورغم استحالة هذا الفرض عمليًّا فإنه وجد رواجًا حتى أيده الكثير من الفلاسفة والمفكرين الغربيين، ومنهم عالم الاجتماع وكبير خبراء استشراف المستقبل «ألفين توفلر»، صاحب كتاب «صدمة المستقبل»، و«تيد جوردني»، كبير خبراء مشروع «ميلينيوم بروجكت»، وغيرهما.

وفي تقدير الباحثين المنصفين، فإن هذه الهَبَّة الغربية، تهدف إلى استمرار حالة التخويف من فزاعة الخلافة الإسلامية، بشكل يضمن اليقظة الدائمة، وعدم السماح للمسلمين بالسير في أي مشروع ينتهي بتكامل يقضي على السيطرة الاقتصادية والسياسية التي تعيشها القوى الاستعمارية حاليًّا.

ومن المفكرين الذين أدركوا أن الأمر لا يعدو فزاعة لا أساس لها، الكاتب الأمريكي البارز «جاي تولسون» الذي يرى أن الغرب أساء فهم فكرة الخلافة، في حين أنها أمر لا يستحق الخوف، وهو ما أيَّده المحلل السياسي الأمريكي أيضًا «جون شيا»، الذي دعا إلى المصالحة مع الخلافة، باعتبارها فكرة عقائدية لا تخيف الحضارات الغربية.

ويبدو أن آراء مثل هؤلاء المفكرين المنصفين، لن يكون لها صدى أمام الجنون الذي أحدثته فكرة الخوف من الخلافة، منذ أن تحدث عنها داهية السياسة الأمريكية الشهير، هنري كسنجر، في نصيحته الموثقة لرئيس وزراء إسرائيل، «مناحيم بيجن» عقب توقيع اتفاقية كامب ديفيد، إذ قال له: (نسلمك أمة نائمة، والمشكلة لا تموت، فاستثمر فترة نومها ما استطعت؛ لأنها إذا استيقظت فإنها تعيد في سنوات قليلة ما ضاع منها في قرون).

شارك