مفهوم الشريعة.. بين تسييس الإسلام وتحريره

السبت 30/مارس/2019 - 03:57 م
طباعة مفهوم الشريعة.. بين حسام الحداد
 
يقدم كتاب علي مبروك "مفهوم الشريعة.. بين تسييس الإسلام وتحريره"، أفكارًا مهمة حول كيفية تحول "الشريعة" بين أيدي منظري الفكر المتطرف إلى أداة تبرر العقل والإرهاب والاعتداء بشكل يومي، وعلى مستوى عالمي.
فعندما نقرأ الكتاب ننصرف إلى الخلفية الفكرية التي تحرك أولئك المقاتلين الإرهابيين، فمفهوم الشريعة يعد أحد أكثر المفاهيم خطورة في المجتمعات الإسلامية المعاصرة، بسبب ما تسكنه من الغموض والالتباس، الي جعل من الميسور على جماعات الإسلام السياسي أن تتلاعب به من اجل حشد الجمهور وراء سعيها إلى الهيمنة على المجال العام في تلك المجتمعات.
وحسب علي مبروك فقد تمثلت استراتيجية تيارات هذا الإسلام الجهادي أو الانقلابي من تحويل الشريعة إلى سلاح سياسي يحاربون به الدولة. فقد ركز هؤلاء الجهاديون نقدهم للدولة القائمة في أنها دولة كافرة، لأنها – على حد زعمهم- لا تحكم بشرع الله، وقد اختزلوا هذا الشرع إلى مجرد النظام الفقهي القانوني الموروث من الماضي، الذي اجتهد الفقهاء في إنتاجه على مدى القرون.
إن الإسلام الذي تستدعيه هذه الجماعات لم يكن الإسلام المنفتح القادر على أن يصبح السبيل لبلوغ الحداثة، بل الإسلام بما هو مجرد جملة قواعد وشعارات منغلقة وفارغة تكتسب قيمتها من الانتماء إلى ماضي غابر كان للمسلمين فيه السيادة، وبطبيعة الحال لا تسعى جماعات الإسلام السياسي باستدعائها هذا الإسلام المنغلق، إلا أن مجرد احتلال المجال العام، ولو كان ذلك على حساب مستقبل الإسلام دينًا.
يتناول الكتاب في مقدمة وأربعة فصول وخاتمة "الإسلام بين مفهوم الغربة والتجديد، ومفهوم الشريعة بين غربة المعنى وارتحالات الدلالة، وتجديد الإسلام وحضور الشريعة كمقاصد وأصول، لينتهي بنا في الفصل الرابع والأخير إلى تسيس الإسلام- حضور الشريعة كأحكام ونصوص.
ويركز علي مبروك في مقدمة كتابه على نوعين من الإسلام أحدهما منفتح يدعو إلى المساواة والحوار وتقبل الآخر، ويؤسس للحرية الدينية، في مقابل إسلام منغلق تتبناه بعض المؤسسات الدينية والجماعات والحركات الدينية على اختلاف مرجعياتها، هذا الإسلام الذي يدعو إلى الالتزام بالنصوص وعدم الجدال بتحريم الحوار وإعمال العقل ومن ثم إقصاء الآخر المختلف سواء كان على المستوى الديني أو المذهبي وكذلك القضاء على الحرية الدينية بتفعيل حد الردة للمخالف.
في الفصل الأول يناقش علي مبروك "الإسلام بين مفهومي الغربة  والتجديد"، وبداية الفصل يصدره بحديث للنبي صلى الله عليه وسلم "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا، فطوبى للغرباء"، ويقول علي مبروك: حسب مفسري الحديث، إن غربة الإسلام الأولى قد ارتبطت بقلة عدد المؤمنين به عند ابتداء ظهوره، وعلى النحو الذي اضطر المسلمين الأوائل إلى اخفاء الرسوم والأشكال الخارجية لإسلامهم، بسبب ما يمكن أن يتعرضوا له من المساءلة والايذاء في حال إظهارهم لها. والملاحظ أن القرآن نفسه قد رخص لهم، ليس مجرد هذا الإخفاء فحسب، بل أباح لهم أن يعلنوا براءتهم من الدين بالكلية في حال الإكراء والضرورة "إلا من أكره وقلبة مطمئن بالإيمان" (النحل 106)، وهنا إذا كان ثمة من قرأ هذا الحديث النبوي، (الشاطبي) قراءة تعد هذا الإخفاء لشكل الإسلام ورسومه نوعًا من الغربة الظاهرة، فإنه يلزم التأكيد على أن ترخيص الله بهذا الإخفاء للرسوم، إلى حد قبول إعلان البراءة منها كليًا في حال الاضطرار، إنما يكشف عن أن حقيقة الإسلام ومعناه العميق يتجاوزان تلك الرسوم والأشكال الظاهرية، وبطبيعة الحال حين يظل البعض، مع ذلك، يلح على أن غربة الإسلام إنما تتعلق بغياب الشكل والرسم فحسب وبما يتعارض مع تقريرات الله نفسه الذي أباح غربة الشكل طالما كان الجوهر الحي حاضرًا في القلب، فإنه لا يفعل إلا أن يكشف عن فهم منغلق للإسلام لا يجاوز حدود الرسم والحرف إلى "الجوهر والروح".
ويخلص علي مبروك إلى أن الحديث إنما يشير إلى غربة أولى للإسلام، تلحق بها غربة ثانية، وهنا إذا كان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قد مدح الغربة الأولى الظاهرة التي يغيب فيها الشكل ويحضر الجوهر)، فإن اعتبار الغربة الثانية سواء كانت ستأتي في نهاية الزمان، أو ستأتي قبلها، ممدوحة أيضًا، لابد من أن يجعل منها غربة ظاهرة، بالمثل بما يعنيه ذلك من أنها ستكون غربة للشكل أيضًا. وبطبيعة الحال، يرتبط ذلك باستحالة أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم مادحًا لغربة روح الإسلام وجوهره، لأن غربتهما تمثل إهدار للإسلام بالكلية. ويعني ذلك أن "الطوبى" ستكون من نصيب أولئك الغرباء الذين يتمسكون بجوهر الإسلام وروحه الحيه، ولا يقفون عند حدود شكله ورسمه سواء كان ذلك في ابتداء الإسلام أو حتى في نهاية الزمان.
وينتهي علي مبروك في هذا الفصل إلى أن إمكانية أي قول جديد في الشريعة لابد أن تؤسس نفسها على استعادة الفهم القرآني (المنفتح لها وذلك في مواجهة ما يبدو أنه تاريخ من الفهم المنغلق الضيق الذي تتحكم فيه مفاهيم صنعتها عصور الجمود والركود الطويل، التي عاشتها المجتمعات الإسلامية ولسوء الحظ أن الأمر لا يقف عند مجرد ركود المفاهيم وجمودها، بل يتجاوز إلى الانحراف شبه الكامل بها عن المجال التداولي لها من القرآن، وعلى الرغم من ذلك، لا يكف منتجو هذا الفهم وحراسه من ادعاء أن القرآن هو مصدر تلك المفاهيم، لكي يهبوها حصانته وتقديسه، وذلك يمثل ما هو حاصل مع مفهوم الشريعة، وبحسب هذا الادعاء لا يقدر المفهوم على الانكشاف عن حمولته المعرفية، التي يثريه بها القرآن، يقدر ما ينتصب كأداة يتلاعب بها الخصوم في حروب الهيمنة والإقصاء.
أما الفصل الثاني الذي يتناول فيه علي مبروك "مفهوم الشريعة بين غربة المعنى وارتحال الدلالة"، والذي يؤكد في بدايته أن للتاريخ دور في بناء المفاهيم يفوق بكثير دور القرآن وذلك على الرغم من غلبة الظن بأن القرآن هو صاحب الدور الأبرز في صوغ المفاهيم الإسلامية، بل إنه يبدو – لسوء الحظ- حسب علي مبروك أن التاريخ قد اتجه بالمفاهيم إلى آفاق أكثر ضيقًا من تلك التي أراد لها القرآن أن تمضي نحوها.
ويضرب علي مبروك مثال بمفهوم الشريعة حيث يغلب على الاستخدام الراهن لمفهوم الشريعة هو ربطه بالأحكام والحدود الإجرائية، فإن هذا الربط يجد ما يؤسسه في التاريخ وليس من القرآن، الذي يربط الشريعة بما يقوم فوق الأحكام والحدود من المبادئ والقيم التأسيسية الكبرى (كالعدل، والصلاح، والإخاء والمساواة والرحمة وعدم التمييز وغيرها).
وإذا كان من المتصور أن ربط المفهوم (أي مفهوم) بالتاريخ، يجعله أكثر اتساعًا لكي يكون قادرًا على أن يستوعب ما يجري فيه من تحولات مستمرة، فإن الأمر يبدو على العكس تمامًا من ذلك فيما يخص مفهوم الشريعة، الذي يبدو أن التاريخ قد مارس عليه ضروبًا متلاحقة من التضييق والتشديد، على عكس القرآن، الذي يمنحه دلالة أكثر اتساعًا ومرونة.
ويخلص في هذا الفصل إلى أنه لا مجال أبدًا للتفكير في الشريعة (عند كل من يختزلون الدين في الدولة)، بما هي المبادئ والأصول التأسيسية الكبرى، على نحو ما جرى التفكير فيه عند أباء النهضة ورجال الإصلاح من القرن التاسع عشر، وهكذا. يظهر أن تصور أزمة المسلمين ينعكس على تصور الشريعة على نحو مباشر، حيث انفتح رجال النهضة والإصلاح في القرن التاسع عشر على تصور الشريعة، بما هي أصول ومبادئ كلية تأسيسية لكي يتمكنوا من ترقية كل من المجتمع والعقل "المأزومين". وذلك فيما اختزلها الجيل اللاحق على سقوط الخلافة في القرن العشرين من كونها جملة أحكام جزئية موروثة يسعون بها للإمساك بالدولة، التي تصوروا أن أزمة الإسلام تكمن في غيابها، فحين تكون الدولة هي محور الانشغال، بمثل ما هو الحال، عند الجهاديين فإنه يلزم اختزال الشريعة من مجرد الأحكام الجزئية، لكي يتسنى تبرير السعي الدؤوب إلى الإمساك بالدولة بأنه السبيل الوحيد لتطبيق تلك الأحكام وذلك عملاً بقاعدة أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب أيضًا. وبمعنى أنه إذا كان تطبيق أحكام الشريعة واجبًا حسب هذا الفهم، فإن الهيمنة على الدولة التي هي شرط تحقيق هذا الواجب تكون واجبًا أيضًا.
أما حين تكون ترقية العقل والمجتمع هي محور الانشغال فإنه يلزم تصور الشريعة بما هي مبادئ وأصول كلية، على النحو الذي يعطي مرونة يمكن في إطارها استيعاب الشروط اللازمة لتحقيق هذه الترقية، وعلى نحو ما تجلى واضحًا عند رجال النهضة والإصلاح في القرن التاسع عشر.
ويتناول علي مبروك في الفصل الثالث تجديد الإسلام وحضور الشريعة كمقاصد وأصول حيث يناقش فيه بدايات تعرف الشرق على الحداثة بداية من الحملة الفرنسية على مصر وعدم تحولها إلى "إشكالية" أو أزمة، بل صارت الحداث "مطلبًا" يفرض نفسه بقوة على الساحة المصرية، والإسلامية على العموم، بحسب ما يكشف عنه رد الفعل تجاهها من جانب علماء الأزهر الذي لم يكن مجرد المؤسسة الدينية الأكبر، بل المؤسسة العلمية الثقافية الوحيدة في مصر آنذاك، وحسب مبروك، لعل هذا التبلور للحداثة كمطلب، في مصر، قد ارتبط بما جرى من الجلاء السريع لجيش الجنرال الكورسيكي عن مصر من جهة، بما يعنيه ذلك من أنها لم تتبدد كعامل تهديد للنسيج الاجتماعي أو الديني، والوطني على العموم، وفضلاً عن ذلك إن اللغة الليبرالية المنفتحة والواعدة لخطاب الإفرنج، وما لاحظه المصريون من "ضبط الأحكام من هذه الطائفة الذين يحكمون العقل، ولا يتدينون بدين"، قد كان مما ترك انطباعًا إيجابيًا ومتفائلاً بالحداثة عند المصريين، وعلى النحو الذي اندفعوا معه يجعلون منها – منذ ذلك الحين- أحد المطالب الكبرى لدولتهم العريقة.
ثم يتناول علي مبروك تعدد مسارات الحداثة في العالم الإسلامي، على النحو الذي كان لابد من أن يؤدي إلى تعدد أنماط الاستجابات لها. وهكذا تباين المسار الذي سلكته في مصر، عن ذلك الذي سلكته في الهند، التي كانت خاضعة لسلطان المسلمين حين جاء الأوروبيون، فقد ترك أثره في الكيفية، التي حضر بها مفهوم الشريعة في الفكر الإسلامي الحديث (الذي كانت مصر والهند من مراكز إنتاجه الكبرى آنذاك).
فقد اتخذت الحداث في مصر مثلاً، مسارًا إيجابيًا تباين مع ذلك المسار السلبي الذي كانت قد اتخذته في الهند، ولذلك إذا كانت تجربة مصر (وربما العالم العرب) قد كشفت عن نوع من الشريعة المتوافقة مع الحداثة (بحسب ما يكشف عنه خطاب رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي فإن تجربة الهند قد كشفت في المقابل عما يمكن القول إنها الشريعة ذات التوجه الدفاعي، أي التي يجري توظيفها للدفاع عن الهوية الإسلامية، التي تهددها الحداث (بحسب ما يكشف عنه الخطاب الهندي شاه ولي الله الدهلوي وجمال الدين الأفغاني، ثم المودودي لاحقًا).
ويصل بنا علي مبروك في نهاية هذا الفضل إلى أن مفكري النهضة العربية وأباءها الأوائل قد أعادوا الشريعة (عبر تمييزها عن الفقه) إلى المجال التداولي لها في القرآن، الذي ترتد فيه إلى جملة أصول ومبادئ تأسيسية كبرى تتوافق عليها الأديان جميعًا.
ولسوء الحظ، أن مسار هذا النوع من التفكير المنفتح في الشريعة كما يؤكد علي مبروك في كتابه، والذي ساد على مدى القرن التاسع عشر، والذي كان يمكن أن يفتح الباب أمام بناء نظرية "الحق" التي لم يعرفها التفكير الفقهي في الإسلام، قد بدأ في التراجع والانحسار، بعد إعلان سقوط الخلافة في عشرينيات القرن العشرين.
وإذا ارتبط مسار هذا الفهم المنفتح للشريعة بما أنه التفاعل الإيجابي مع الحداثة عند مفكري ومصلحي القرن التاسع عشر الكبار وكلهم من العرب والأتراك تقريبًا، فإنه يمكن تصور أن انقطاعه نتاج لنوع من الخبرة السلبية مع الحداثة التي راحت تأخذ وجهًا إمبرياليًا، ولأن هذا الانقطاع قد راح يتجلى مع عمل الأفغاني بالذات، فإن ذلك يحيل إلى لزوم الوعي، ليس فقط بالكيفية التي تحقق بها القطع مع الفهم المنفتح للشريعة في عمل الأفغاني. بل بالسياق الذي تبلورت فيه خبرة الأفغاني مع الحداثة. وهو سياق الإسلام الهندي الذي سينجب المفكر الذي سيبلغ بمسار التفكير غير المنفتح  من الشريعة إلى مداه عند منتصف القرن العشرين. وهو أبو الأعلى المودودي، الذي سيكون السلف المباشر (عبر وساطة سيد قطب) لكل جماعات الإسلام الراديكالي المتشدد، والتي تنشر الخراب والفوضى في ربوع العالم العربي هذه الأيام.
ويأتي الفصل الرابع "تسييس الإسلام.. حضور الشريعة"، حيث يناقش في هذا الفصل مفهوم الشريعة في الفكر الإسلامي الحديث حيث التأثير الهندي في تسييس الإسلام. ورصد ملامح التباين بين التجربتين المصرية/ العربية والهندية، وبخصوص الحداثة وانعكاس ذ لك على كيفية تصور الشريعة. مستشهدًا بأبو الحسن النووي في المقارنة بين التجربتين حيث يقول أن "الراسخين في العلم من العلماء المعاصرين قد حاسبوا هذه المحاولة (الإصلاحية)- مع الاعتراف بقيمتها الجزئية. محاسبة علمية، وأبوا أن تقبل أمة الإسلام هذا المفهوم الديني الذي تنشئه هذه الكتابات، وأخذوا بأيدي جماعات كبيرة من الشباب المسلمين المثقفين، الذين كانوا قد تأثروا بذلك، إلى الصراط المستقيم، وعلى ذلك فقد سدوا منافذ التحريف العالي، التي افتتحتها كتابات هؤلاء الأفاضل وبحوثهم .. (ثم يحدد ان) أكبر قسط من هذا العمل، الذي يمتاز بمتانته، وعمقه، واعتداله قد تم في الهند التي كانت أكبر مسرح للصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية بحكم كونها خاضعة خضوعًا مباشرًا لسيطرة الاستعمار البريطاني".
ويستطرد علي مبروك بأنه غني عن البيان أن الطابع السياسي الذي غلب على هذا المسار الإصلاحي، الذي كان رشيد رضا أحد رواده، قد راح ينعكس (وكان ذلك لازمًا) على الطريقة التي تعامل بها مع الشريعة، إذ الحق أن تسييس الإسلام يكون، بالضرورة، مصحوبًا باختزال الشريعة في مجرد جوانبها الإجرائية من الأحكام والتكاليف الشرعية، وينشأ ذلك، بطبيعة الحال، عن حقيقة أن مدار الانشغال السياسي يكون هو الإجرائي القابل للتحقيق العيني، وذلك لاحتياج المشتغلين بها إلى قواعد ذات طابع الزامي من أجل ضبط الجمهور والتحكم فيه، ومن هنا ما هو معروف من ابتداء تبلور مفهوم "تطبيق الشريعة"، واحتلاله مركز السيادة في خطاب الإسلام الجهادي، وهو المفهوم الذي تنحل معه الشريعة إلى محض قواعد وأحكام قابلة للتطبيق، ولعل الشاهد على تركيز رشيد رضا على الطابع الإجرائي للشريعة يتبدى في تراجعه عن كثير من الآراء المنفتحة لأستاذه في بعض المسائل الشرعية، فإذا تركز انشغال أستاذه بالقصد من وراء الأحكام الإجرائية، وليس بمنطوقاتها النصية، فإن انشغال رضا قد انصرف في الأغلب إلى تثبيت الدلالة النصية للأحكام الإجرائية.
وقد انتهى خطاب تسييس الإسلام مع "داعش" إلى التماس السند الشرعي لأفعالهم من مجرد أن لهم سلفًا صالحًا قد اتى هذه الأفعال قبلهم، ما يعد دليلاً ليس على جواز اتيانها فحسب، بل (وهو الأخطر) على كونها ذات طابع إلزامي غير قابل للتفويت، باعتبارها من قبيل الشرع المنظور إليه بحسبانه من الله، وهكذا يكون الخطاب قد ارتقى بما يصدر عن البشر إلى مقام الصادر عن الله، بما يعنيه ذلك من أنه إذا كان خطاب تسييس الإسلام قد ابتداء (مع الأفغاني) من أنه لا إقامة لدين الإسلام إلا بإقامة دولته فإنه قد انتهى (مع داعش) إلى وضع تلك "الدولة" في مقام "الله" ذاته. 

شارك