مابين "الدعم العسكري" و"الفخ الطائفي": قراءة في تداعيات الغارات الأمريكية في نيجيريا

الثلاثاء 13/يناير/2026 - 03:17 ص
طباعة مابين الدعم العسكري حسام الحداد
 
بينما كانت صواريخ 'توماهوك' الأمريكية تدك معاقل تنظيم 'داعش' في براري شمال غرب نيجيريا، كانت هناك صواريخ سياسية من نوع آخر تنطلق من واشنطن لتصيب العمق الدبلوماسي للعلاقة بين البلدين. ففي الوقت الذي اعتبرت فيه أبوجا الغارات نصراً تقنياً في حربها ضد الإرهاب، جاء خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي صبغ العملية بصبغة 'دفاع عقائدي' ليضع الحكومة النيجيرية في مأزق داخلي معقد؛ حيث وجدت نفسها مضطرة للدفاع عن تماسكها الوطني ضد توصيفات 'التطهير العرقي'، في مشهد يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل يخدم الدعم العسكري الأمريكي أمن نيجيريا، أم يفتح عليها أبواب الفتنة الطائفية؟
في تصعيد عسكري أمريكي هو الأبرز في منطقة غرب أفريقيا منذ سنوات، نفذت الولايات المتحدة سلسلة من الغارات الصاروخية المركزة استهدفت مواقع لمسلحين مرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في شمال غرب نيجيريا، في خطوة تعكس عودة الزخم للعمليات الأمريكية لمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل.
وفقاً لبيانات صادرة عن القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم)، أطلقت سفن حربية أمريكية متمركزة في خليج غينيا، في 25 ديسمبر، أكثر من 12 صاروخاً من طراز "توماهوك" كروز. واستهدفت الضربات معسكرات تدريب لوجستية في منطقة تانغازا بولاية سوكوتو.
وأكدت "أفريكوم" أن العملية تمت بالتنسيق الكامل مع الحكومة النيجيرية، واستهدفت عناصر يشكلون تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي. وبينما لم يصدر إحصاء رسمي نهائي للقتلى، أفاد باحثون ميدانيون بمقتل ما لا يقل عن 100 مقاتل، وسط أنباء عن فقدان نحو 200 آخرين نتيجة تدمير التحصينات تحت الأرضية.
تركزت الضربات بشكل أساسي على "جماعة لاكوروا"، وهي فصيل بايع تنظيم الدولة الإسلامية في ولاية الساحل (ISGS). وتكمن خطورة هذه الجماعة في دورها كحلقة وصل جغرافية وعسكرية بين فرعي التنظيم:
تنظيم الدولة في ولاية الساحل (ISGS): الناشط في النيجر ومالي وبوركينا فاسو.
تنظيم الدولة في ولاية غرب أفريقيا (ISWAP): المتمركز في حوض بحيرة تشاد وشمال شرق نيجيريا.
وصرح متحدث باسم الرئاسة النيجيرية أن العمليات تستهدف تطهير المثلث الحدودي من "الإرهابيين وقطاع الطرق" الذين استغلوا الفراغ الأمني لتصعيد هجماتهم منذ مطلع عام 2025.
وهناك تحدٍ لوجستي تواجهه واشنطن بعد انسحابها من النيجر عام 2024 وإغلاق "قاعدة أغاديز 201". ولتعويض هذا الغياب، اعتمدت القوات الأمريكية على:
مطار كوتوكا الدولي في العاصمة الغانية أكرا كمركز للدعم اللوجستي.
مهابط طائرات في شمال غانا لتنفيذ طلعات الاستطلاع والمراقبة (ISR).
إلا أن هذا الاعتماد الجديد لم يخلُ من التوترات؛ حيث سُجلت حادثة في 31 ديسمبر في منطقة "باغا" الغانية، حين أوقفت قوات أمن وسكان محليون طائرة أمريكية نتيجة "سوء فهم" حول طبيعة مهمتها، مما يعكس حساسية الوجود العسكري الأجنبي في المنطقة.
ولا تتوقف العمليات عند غارات "توماهوك"، بل تمتد لتشمل خطة استراتيجية طويلة الأمد تشمل:
تكثيف طلعات الاستطلاع: شملت الطلعات الجوية غابة "سامبيسا" (المعقل التاريخي لبوكو حرام وداعش غرب أفريقيا) لجمع معلومات استخباراتية دقيقة.
دعم العمليات النيجيرية: يخطط الجانبان لتحويل المبادرة إلى القوات النيجيرية على الأرض، بحيث تتولى أبوجا تنفيذ الضربات المستقبلية بدعم استخباراتي وتقني أمريكي مباشر.

ردود الأفعال الرسمية: تباين في الرواية
كشفت الغارات الأمريكية الأخيرة عن فجوة دبلوماسية واسعة في توصيف الأزمة الأمنية في نيجيريا، حيث لم تكن الصواريخ التي سقطت في "تانغازا" مجرد أداة عسكرية، بل تحولت إلى منصة لإطلاق مواقف سياسية متباينة. فبينما تحاول الحكومة النيجيرية تأطير العمليات ضمن سياق الشراكة التقنية لمكافحة الجماعات المسلحة العابرة للحدود، ذهبت الإدارة الأمريكية نحو صياغة مشهد يرتكز على الحماية الطائفية، مما خلق حالة من الجدل حول الدوافع الحقيقية لهذا التدخل العسكري المباشر وتوقيته الرمزي في يوم عيد الميلاد.
و أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عقب الهجوم عاصفة من الجدل، إذ لم يكتفِ بوصف الغارات كعملية لمكافحة الإرهاب، بل ربطها صراحة بـ"تطهير عرقي" مزعوم يتعرض له المسيحيون في نيجيريا. وأشار ترامب عبر منصته "تروث سوشيال" إلى أن هذه الضربات تمثل وفاءً بوعوده السابقة بحماية "المؤمنين الأبرياء"، واصفاً إياها بأنها "ثمن باهظ" كان على الإرهابيين دفعه نتيجة استهدافهم للمجتمعات المسيحية، وهو الخطاب الذي أعطى العملية طابعاً "دفاعياً عقائدياً" يتجاوز الأهداف العسكرية التقليدية لأفريكوم.
في المقابل، سعت الحكومة النيجيرية جاهدة لنزع الصبغة الدينية عن العملية، حيث صرح وزير الخارجية يوسف توجار بأن اهتمام بلاده ينصب على "النتائج الميدانية" وليس على الدوافع السياسية لواشنطن. وأكدت الخارجية النيجيرية أن الإرهاب في البلاد يمثل تهديداً وجودياً لجميع المواطنين دون تمييز، مشددة على أن ضحايا جماعة "لاكوروا" وداعش يشملون الآلاف من المسلمين في الشمال تماماً كما يشملون المسيحيين، وأن أي محاولة لتصوير النزاع كحرب دينية تخدم الأجندة الدعائية للتنظيمات المتطرفة وتُهدد النسيج الاجتماعي للبلاد.
وعلى الجانب الآخر من المشهد السياسي في واشنطن، تبنى الجناح الجمهوري في الكونغرس خطاباً متشدداً يدعم توجهات ترامب، حيث وصف نواب مثل تيد كروز الضربات بأنها "هدية ميلاد مستحقة" للمجتمعات المنكوبة. ولا يتوقف هذا الدعم عند حدود العمل العسكري، بل يمتد لممارسة ضغوط تشريعية لفرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية على مسؤولين نيجيريين تتهمهم واشنطن بـ"التقاعس الممنهج" عن حماية الأقليات الدينية، معتبرين أن التدخل العسكري المباشر بات ضرورة لتعويض عجز الحكومة المحلية عن بسط الأمن في المناطق ذات الحساسية الطائفية.
ورغم هذا التباين الحاد في الخطاب العلني، إلا أن الفقرة الأخيرة من ردود الأفعال تشير إلى مفارقة غريبة؛ فالتعاون الاستخباراتي بين الجانبين وصل إلى مستويات غير مسبوقة، حيث أكدت أبوجا أن العملية نُفذت بناءً على معلومات وفرتها أجهزتها الأمنية. هذا التناقض بين "الانسجام العملياتي" على الأرض و"الشرخ الدبلوماسي" في التصريحات يعكس حالة من البراغماتية النيجيرية التي تقبل بالدعم العسكري الأمريكي لضرب خصومها، حتى لو كان ذلك الثمن هو القبول الموقوت برواية واشنطن التي تضع الدولة النيجيرية في موقف حرج أمام مواطنيها والمجتمع الدولي.

تقارير ميدانية: صواريخ لم تنفجر وتساؤلات عن "الأهداف"
العملية بينما سارعت القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) إلى إعلان نجاح غارات "عيد الميلاد" في تحقيق أهدافها الاستراتيجية، بدأت تطفو على السطح تقارير ميدانية من ولاية سوكوتو ترسم صورة مغايرة وأكثر تعقيداً. هذه التقارير، التي استندت إلى شهادات عيان ومعاينات لمواقع القصف، أثارت تساؤلات جوهرية حول دقة المعلومات الاستخباراتية وجدوى الاعتماد الكلي على القصف الصاروخي بعيد المدى في بيئة جغرافية وأمنية تتسم بالسيولة العالية وتداخل التجمعات المدنية مع معسكرات المسلحين.
كشف تقرير نشرته صحيفة "واشنطن بوست" عن ثغرات تقنية شابت العملية، حيث أفاد سكان محليون في بلدة "جابو" بسقوط ما لا يقل عن أربعة صواريخ "توماهوك" في حقول زراعية دون أن تنفجر. هذا الفشل التقني لم يقلل من حجم الذعر الذي أصاب المزارعين؛ فوجود رؤوس حربية غير منفجرة وسط الأراضي الزراعية حولها إلى مناطق محرمة، مما أدى إلى شلل في النشاط الاقتصادي المحلي وتصاعد المخاوف من وقوع ضحايا مدنيين في حال انفجارها لاحقاً أو العبث بها.
وأثار سقوط الصواريخ في بلدة "جابو" تساؤلات قلقة بين السكان والنخب المحلية، حيث أكد مزارعون أن بلدتهم لم تشهد سابقاً أي نشاط علني لمسلحي "جماعة لاكوروا" أو تنظيم الدولة الإسلامية. هذا التباين بين "بنك الأهداف" الأمريكي والواقع الميداني دفع البعض إلى اتهام "أفريكوم" بالاعتماد على إحداثيات قديمة أو مضللة، مما حول الحقول الزراعية الآمنة إلى ساحة تجارب لصواريخ كروز، وزاد من حدة الشعور بعدم الأمان بين المجتمعات المحلية التي وجدت نفسها فجأة في مرامي نيران مجهولة المصدر.
وعلى الصعيد العسكري، نقلت مصادر محلية مراقبة للتحركات الحدودية أن دوي الانفجار الأول كان كافياً لاستنفار مقاتلي "لاكوروا"، الذين يعتمدون في تنقلاتهم على الدراجات النارية سريعة الحركة. وبحسب هذه المصادر، شوهدت أسراب من المقاتلين وهي تخلي المواقع المستهدفة وتتجه بسرعة نحو المناطق الحدودية الوعرة مع جمهورية النيجر، مما يثبت أن الضربات الجوية، مهما كانت قوتها التدميرية، تظل قاصرة عن حسم المعركة ضد مجموعات "عصابات" تمتلك قدرة فائقة على المناورة والتواري في تضاريس تعرفها جيداً.
ولم تقتصر الأضرار على مناطق القصف المباشر، بل امتدت لتشمل حوادث غير متوقعة أثارت استغراب الخبراء العسكريين؛ حيث وردت أنباء عن إصابة عمال في فندق يقع على بعد مئات الكيلومترات من منطقة "تانغازا" نتيجة سقوط حطام يُعتقد أنه يعود لأحد الصواريخ التي جرى اعتراضها أو انحرفت عن مسارها. هذه الحادثة زادت من حدة انتقادات المنظمات الحقوقية المحلية، التي اعتبرت أن استخدام صواريخ كروز في مناطق مأهولة، حتى لو كانت تستهدف معسكرات إرهابية، يحمل مخاطر جسيمة لا يمكن تبريرها تحت شعار مكافحة الإرهاب.
ختاماً، أدت هذه التطورات الميدانية إلى تصاعد الضغوط على الحكومة النيجيرية و"أفريكوم" لإصدار بيان تفصيلي حول الخسائر البشرية والمادية الحقيقية. وقد حذر نشطاء حقوقيون من أن "ضبابية" الأهداف وسقوط حطام الصواريخ في مناطق مدنية بعيدة قد يؤدي إلى فقدان الثقة الشعبية في العمليات المشتركة، ويمنح الجماعات المتطرفة فرصة ذهبية لاستقطاب المتضررين من هذه العمليات، مما يحول "الانتصار العسكري" المفترض إلى أزمة استنزاف أمنية وسياسية جديدة في شمال غرب نيجيريا.

ردود الفعل الشعبية والإقليمية
سادت حالة من القلق الشعبي والسياسي المتزايد في المناطق الشمالية من غانا، لا سيما بعد الحادثة الغامضة التي وقعت في 31 ديسمبر، حين أوقفت قوات الأمن المحلية طائرة استطلاع أمريكية. هذا القلق ينبع من خشية الغانيين من أن يتحول شمال بلادهم إلى "قاعدة خلفية" بديلة للقوات الأمريكية بعد انسحابها من النيجر، مما قد يجعل الأراضي الغانية هدفاً مباشراً لهجمات انتقامية تشنها التنظيمات المتطرفة العابرة للحدود. ويرى مراقبون أن استخدام مهابط الطائرات المحلية في مهام استخباراتية قد يجر غانا إلى أتون صراع إقليمي لم تكن طرفاً مباشراً فيه، وسط مطالبات للحكومة في "أكرا" بتقديم إيضاحات حول طبيعة الالتزامات الأمنية الجديدة مع واشنطن.
على الجانب الآخر، واجه الخطاب الأمريكي المصاحب للضربات انتقادات لاذعة من قبل المعارضة السياسية ونشطاء المجتمع المدني في نيجيريا. وينصبّ جوهر الانتقاد على "اختزال" الأزمة الأمنية المعقدة في شمال غرب البلاد وتصويرها كمجرد "اضطهاد ديني" للأقليات المسيحية. وحذر النشطاء من أن هذا التوصيف لا يتجاهل فقط آلاف الضحايا من المسلمين الذين يواجهون بطش "جماعة لاكوروا" وقطاع الطرق يومياً، بل إنه يغذي بذور الفتنة الطائفية في بلد يعاني أصلاً من تصدعات هشة، مما قد يؤدي إلى استقطاب مجتمعي حاد يصعب السيطرة عليه مستقبلاً.
نبهت أطراف حقوقية نيجيرية إلى أن ربط واشنطن لعملياتها العسكرية بالدفاع عن معتقد ديني محدد يمنح تنظيم "داعش" والفصائل المرتبطة به مادة دعائية "ذهبية". فمن شأن هذا الخطاب أن يسهّل على المتطرفين تصوير التدخل الأمريكي كـ"حملة عدائية" موجهة ضد المكونات المسلمة في المنطقة، وهو ما سيستغلونه كأداة فعالة للتجنيد وحشد التعاطف الشعبي تحت شعار "الدفاع عن الدين". ويؤكد الخبراء أن محاربة الإرهاب في منطقة الساحل تتطلب خطاباً توحيدياً يركز على سيادة القانون وحماية الجميع، بدلاً من التراشق بالاتهامات التي تخدم استراتيجيات التنظيمات الإرهابية في خلق الفوضى.

استراتيجية "الضربة الواحدة"
يرى مراقبون أن هذه الغارات تمثل محاولة أمريكية لفرض "خطوط حمراء" جديدة في أفريقيا، ومنع اندماج فصائل داعش في كتلة واحدة تهدد استقرار نيجيريا، القوة الاقتصادية الأكبر في القارة، خاصة في ظل التعقيدات الميدانية وتداخل الجماعات الإرهابية مع عصابات الجريمة المنظمة (قطاع الطرق).
كما يرى محللون عسكريون أن هذه الغارات قد تكون "ضربة رمزية" تهدف لإرسال رسائل سياسية داخلية في واشنطن أكثر منها تحولاً جذرياً في مسار الحرب على الإرهاب في أفريقيا. ومع استمرار الطلعات الجوية فوق غابة "سامبيسا"، يبقى التساؤل: هل ستنجح أبوجا في توجيه الدعم الأمريكي لخدمة أمنها القومي الشامل، أم ستجد نفسها عالقة في تجاذبات الأجندات السياسية الخارجية؟

شارك