دراسة: التحول الحتمي في إيران بين الانهيار والإصلاح من الداخل
الأربعاء 14/يناير/2026 - 06:07 م
طباعة
علي رجب
تشهد إيران واحدة من أكثر لحظاتها التاريخية تعقيدًا منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، في ظل تصاعد الاحتجاجات الشعبية واتساع رقعتها رغم القمع، وتزامن ذلك مع أزمة اقتصادية خانقة وانقسامات سياسية عميقة داخل بنية الحكم. تقرير تحليلي نشرته منصة “ذا كونفرسيشن”، وهي مؤسسة إعلامية مستقلة غير ربحية تعمل مع أكاديميين وخبراء، يقدم قراءة معمقة لما يسميه “التحول الحتمي في إيران”، باعتباره مسارًا لم يعد السؤال فيه متى يحدث التغيير، بل كيف سيقع وشكله النهائي.
المحررة الضيفة فريبا أميني افتتحت التقرير بإشارة إنسانية مؤثرة إلى صعوبة الكتابة في ظل انقطاع الإنترنت وشح الصور، مقابل تدفق أنباء مقتل المئات، مؤكدة أن الدماء باتت تسيل في شوارع إيران، وأن الشعب المنهك اقتصاديًا ونفسيًا وصل إلى حافة الانفجار. وترى أميني أن المسؤولية الكاملة تقع على عاتق النظام، بسبب الفساد المستشري وسوء الإدارة والقمع وتدهور العملة، فضلًا عن أثر العقوبات الدولية التي عمّقت الأزمة بدل تخفيفها.
احتجاجات متكررة ولكن بسياق جديد
بحسب الدراسة التي كتبها الجغرافي الاجتماعي الفرنسي برنارد هوركاد، فإن إيران شهدت خلال نصف قرن توقعات متكررة بسقوط النظام، لكنها لم تتحقق بسبب تشتت قوى الاحتجاج وتناقضها. فعلى عكس ثورة 1979، لم تتوحد القوى الاجتماعية المختلفة في موجات الاحتجاج اللاحقة، التي كانت غالبًا جزئية ومحدودة المطالب. في 2019 ثارت الأحياء الفقيرة ضد رفع أسعار الوقود، وفي 2022 خرجت النساء الشابات احتجاجًا على الحجاب الإلزامي، وفي أواخر 2025 اندلعت احتجاجات التجار وربات البيوت ضد التضخم.
غير أن الموجة الأخيرة تختلف جوهريًا، إذ لم تعد المطالب اقتصادية أو قانونية معزولة، بل أصبحت تمس جوهر النظام نفسه، وشرعية النخب الحاكمة، بعد أن ارتبطت الأزمة المعيشية مباشرة بالفساد البنيوي وبآلية توزيع الثروة داخل الجمهورية الإسلامية.
أزمة الميزانية وانفجار الغضب
تشير الدراسة إلى أن الشرارة المباشرة للاحتجاجات كانت عرقلة البرلمان المحافظ لمشروع ميزانية السنة الإيرانية 1405 الذي قدمته حكومة الرئيس الإصلاحي مسعود بيزشكيان في ديسمبر 2025. المشروع استهدف إنهاء نظام تعدد أسعار الصرف، الذي يسمح للنخب المرتبطة بالحرس الثوري والمؤسسات الدينية بالاستفادة من الدولار المدعوم، بينما يواجه المواطنون أسعار السوق المرتفعة.
هذا النظام خلق اقتصادًا موازيًا وفتح الباب لنهب واسع النطاق وهروب رؤوس الأموال، وهو ما أقر به الرئيس نفسه حين كشف أن ثلثي مخصصات استيراد الغذاء والدواء اختفت دون مقابل حقيقي. ومع محاولة الحكومة فرض إصلاحات مالية والالتزام بمعايير الشفافية الدولية، انفجر الغضب الشعبي، خصوصًا في أوساط التجار الصغار الذين وجدوا أنفسهم ضحية فساد الكبار.
قمع يوحّد المحتجين بدل تفريقهم
في البداية، حاولت السلطة الفصل بين المحتجين “المطلبيين” و”المشاغبين” ذوي الأجندات السياسية، وجرى الاعتراف الشكلي بمطالب التجار لعزلهم عن المعارضة السياسية المدعومة من الخارج، وخصوصًا أنصار رضا بهلوي. إلا أن القمع الواسع الذي أُطلق مطلع يناير 2026 أدى إلى نتيجة عكسية، حيث توحدت المطالب ضد النظام ككل، حتى وإن بقيت الحركة متفرقة وغير منظمة.
وترى الدراسة أن غياب قيادة سياسية واضحة، وشبكات تنظيمية قوية داخل البلاد، حال دون تحول الاحتجاجات إلى انتفاضة شاملة، لكنه في الوقت ذاته كشف عمق المأزق الذي يواجهه النظام، وعجز الحكومة الإصلاحية عن تنفيذ أي تغيير حقيقي.
انقسامات داخل بنية السلطة
يحلل التقرير التوتر البنيوي بين ركني النظام الأساسيين: رجال الدين والحرس الثوري. فالأخير تحول إلى قوة اقتصادية وتكنولوجية ضخمة، تدير مشاريع كبرى وتتحكم في قطاعات استراتيجية، وتملك خبرة في الالتفاف على العقوبات. في المقابل، فقد رجال الدين كثيرًا من قاعدتهم الاجتماعية، وبات خطابهم الديني بعيدًا عن واقع مجتمع إيراني يُعد من أكثر مجتمعات الشرق الأوسط علمانية في الممارسة اليومية.
هذا التناقض، إلى جانب فشل التناوب التقليدي بين المحافظين والإصلاحيين، أوصل النظام إلى طريق مسدود. فالمتشددون يخشون أي إصلاح يهدد امتيازاتهم، والإصلاحيون يفتقرون للقوة أو الجرأة لمواجهتهم، ما جعل المناورات السياسية التقليدية بلا جدوى.
رضا بهلوي بين الرمزية والفراغ
في هذا الفراغ السياسي، برز رضا بهلوي، نجل الشاه المخلوع، بوصفه الاسم الأبرز في معسكر المعارضة الخارجية. الدراسة ترى أن حضوره يعود إلى شهرته الإعلامية ودعم دولي وإقليمي واضح، أكثر من كونه نتيجة قوة تنظيمية داخل إيران. ورغم أن اسمه أصبح رمزًا لكل معارضة للنظام، فإن غياب بنية قيادية داخلية يجعل سيناريو عودته محفوفًا بالمخاطر، وقد يؤدي إلى قمع أشد بدل انتقال منظم.
هل يأتي التغيير من داخل النظام؟
تخلص الدراسة إلى أن السيناريو الأكثر واقعية قد يكون بروز شخصية قوية من داخل النظام نفسه، قادرة على فرض إصلاحات اقتصادية وسياسية جذرية، ومواجهة الأوليغارشية الفاسدة، مع الحفاظ على تماسك الدولة. هذا السيناريو، الذي يشبه تجارب تاريخية في الاتحاد السوفيتي أو الصين، يبدو أقل كلفة من انهيار شامل أو تدخل خارجي.
وفي المحصلة، تؤكد الدراسة أن التحول في إيران بات حتميًا، ليس فقط بسبب ضغط الشارع، بل لأن النظام نفسه بلغ حدوده القصوى. ويبقى السؤال مفتوحًا حول شكل هذا التحول، وما إذا كان سينقذ الدولة من الانهيار، أم يفتح الباب أمام مرحلة أكثر اضطرابًا في تاريخ إيران الحديث.
