أول تهنئة علنية من الشرع للمسيحيين في سوريا تثير غضب المتشددين
الإثنين 13/أبريل/2026 - 11:44 م
طباعة
علي رجب
في خطوة لافتة تعكس حجم التحولات التي تشهدها سوريا في مرحلتها الانتقالية الراهنة، وجه الرئيس السوري أحمد الشرع تهنئة علنية للطوائف المسيحية بمناسبة عيد الفصح المجيد، فأشعل بذلك جدلا واسعا كشف عن عمق الانقسام المتجذر في المشهد الديني والسياسي السوري.
في يوم الأحد 12 أبريل 2026، الموافق لعيد الفصح لدى المسيحيين، نشر الشرع على حسابه الرسمي في منصة "إكس" رسالة تهنئة جاء فيها: "أتقدم بمناسبة عيد الفصح بأصدق التهاني والتبريكات، لأبناء شعبنا من الطوائف المسيحية الكريمة، راجيا أن تحمل هذه الأعياد معاني السلام والرحمة، وأن يعيدها الله على وطننا العزيز بالازدهار والنماء. وكل عام وشعبنا بكل خير."
كلمات بدت في ظاهرها تعبيرا طبيعيا عن التسامح والوحدة الوطنية، غير أنها أشعلت في غضون ساعات جمرا دفينا، وكشفت أن الطريق نحو بناء دولة مواطنة جامعة لا يزال مليئا بالألغام.
موجة غضب من حلفاء الأمس
لم تمض ساعات قليلة على نشر التهنئة حتى انهالت الردود الغاضبة من أوساط إسلامية متشددة كانت حتى وقت قريب في صف الشرع ومن أشد المؤيدين لمساره.
وكان في مقدمة المنتقدين المؤثر الرقمي المعروف بـ"أبو دجانة بن غياث"، الذي شن هجوما لاذعا وصف فيه التهنئة بأنها "باطل لا يجوز"، مرفقا منشوره بآيات قرآنية من سورة البقرة.
وكتب أبو دجانة: "لا ضرورة أو حاجة تجبرنا على هذا، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، لا أعتقد أن الأمم ستحاربنا لأننا لم نعايدهم، والمنكر العلني ينكر علنا خصوصا أن الملايين داخل وخارج سوريا يتبعونك وآخرون يقتدون بك."
وتجمع هذه التصريحات بين الاعتراض الديني والتحذير السياسي في آن واحد، إذ يحاول أصحابها الضغط على الشرع عبر التذكير بثقل قاعدته الأيديولوجية وحجم التأثير الذي يحمله.
وامتدت الانتقادات لتشمل أصواتا أخرى في هذا التيار، وصفت التهنئة بأنها "خطأ بروتوكولي" أو "رسالة سياسية خاطئة"، مستحضرة نقاشا فقهيا قديما حول جواز تهنئة غير المسلمين بأعيادهم الدينية، وهو نقاش لم يخل تاريخيا من الخلاف بين العلماء.
ترحيب واسع في المقابل
في المقابل، قابل قطاع واسع من السوريين التهنئة بارتياح بالغ وترحيب صادق. فقد رأى فيها المسيحيون السوريون والقوى المدنية والتيارات العلمانية إشارة إيجابية تدل على نية حقيقية لبناء دولة تسع جميع مكوناتها دون تمييز.
وجاء هذا الترحيب في سياق بالغ الحساسية، إذ لا تزال أوضاع الأقليات الدينية تلقي بظلالها على المشهد السوري، في ظل ما شهدته بعض البلدات المسيحية في منطقة حماة من هجمات وتوترات أمنية متقطعة.
ويرى هؤلاء أن الخطوة، بقدر ما تبدو رمزية، إلا أنها تحمل دلالة سياسية عميقة في بلد خرج للتو من سنوات من الحرب الأهلية التي مزقت نسيجه الاجتماعي، وما زال يبحث عن صيغة جديدة للتعايش.
الشرع بين مطرقة الداخل وسندان الخارج
يضع هذا الجدل الشرع في موقف بالغ الحرج والتعقيد، فهو من جهة يسعى إلى تقديم صورة معتدلة ومطمئنة للمجتمع الدولي، في ظل مخاوف دولية ومحلية متصاعدة على مستقبل الأقليات الدينية في سوريا ما بعد 2025.
غير أنه من جهة أخرى يجد نفسه أمام ضغوط متصاعدة من قاعدته الأيديولوجية التي تنتظر منه ترجمة واضحة لمرجعيتها الدينية في قرارات الحكم اليومية.
والشرع، يدرك تمام الإدراك أنه لا يستطيع أن يرضي الجميع في آن واحد. ورهانه الراهن يبدو قائما على الإعلاء من خطاب الوحدة الوطنية والانفتاح على التنوع، في محاولة لشرعنة حكمه أمام المجتمع الدولي وكسب دعمه لمرحلة إعادة الإعمار.
انقسام يمس جوهر سوريا الجديدة
يكشف هذا الجدل، رغم أنه لم يرق حتى الآن إلى مستوى أزمة كبرى مقارنة بالتحديات الأمنية والاقتصادية الأشد إلحاحا، عن سؤال وجودي يطرح نفسه بقوة: أي سوريا يراد بناؤها؟
ثمة من يريد دولة مدنية حقيقية، تضمن المواطنة المتساوية لجميع السوريين بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية والطائفية، سواء أكانوا مسيحيين أم علويين أم أكرادا أم سنة. وثمة في الجانب الآخر من يتمسك بخطاب ديني متشدد يرى في مثل هذه التهاني تنازلا عن الهوية أو مخالفة للثوابت الشرعية.
الجواب على هذا السؤال لن يحسم بمنشور على منصة "إكس"، لكن تهنئة الشرع باتت مرآة تعكس الجراح العميقة لمجتمع خرج من الحرب محملا بأسئلة أكبر مما يحتمل.
