تنوع الرؤى في قراءة النص الديني: ليس دفاعا عن عادل عصمت

الجمعة 13/فبراير/2026 - 10:56 م
طباعة
 
في تاريخ الأديان، وخاصة الإسلام، لم يكن النص الديني يوماً نصاً جامداً يُقرأ بصوت واحد، بل كان ميداناً مفتوحاً للاجتهاد والاختلاف. منذ عهد الصحابة، مروراً بالتابعين، وصولاً إلى العصور الذهبية للفكر الإسلامي، كان التنوع في التفسير والرؤى ليس مجرد حق، بل ضرورة وجودية للحفاظ على حيوية الدين وتكييفه مع متغيرات الزمن. قال تعالى: "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ" (هود: 118). هذا الاختلاف ليس نقصاً، بل رحمة، كما جاء في الحديث: "اختلاف أمتي رحمة". فكيف يصبح اليوم هذا التنوع، الذي هو جوهر التراث الإسلامي، جريمة يُعاقب عليها الباحثون بالتكفير والتشهير؟هذا السؤال يطرح نفسه بقوة أمام الحملة الشرسة التي يتعرض لها الباحث عادل عصمت، الروائي المصري البارز الذي تحول في السنوات الأخيرة إلى صوت نقدي جريء في الشؤون الإسلامية. عصمت، الذي قضى عقوداً في دراسة التراث بعمق، يطرح اليوم رؤية تتحدى القراءة التقليدية المهيمنة. يتحدث عن "الإسلام الموازي" الذي اختطف، حسب رأيه، جوهر الرسالة المحمدية لصالح بناء فقهي بشري تحول إلى سلطة موازية للنص القرآني.
 ينتقد كيف غُيّبت الآيات المحكمات لصالح تفاصيل فقهية هامشية، وكيف أصبحت كتب الحديث الستة، في بعض السياقات، بديلاً عملياً عن القرآن كدستور حياة. يدعو إلى مراجعة مفهوم "الصراط المستقيم"، ويرفض جعله جسراً مادياً في الآخرة دون النظر إلى أبعاده الأخلاقية والروحية في الدنيا.هذه الآراء ليست جديدة تماماً؛ فهي امتداد لتيار التنوير الإسلامي الذي بدأ مع محمد عبده ورشيد رضا، واستمر مع علي عبد الرازق وطه حسين، ووصل إلى نصر حامد أبو زيد وعبد المجيد الشرفي. لكن الفرق اليوم أن عصمت يواجه هجوماً منظماً من بعض العلماء الأزهريين والدعاة السلفيين، الذين يصفونه بالزنديق، العميل للغرب، و"منكر السنة"، بل ويطالبون بمحاكمته أو عزله عن الفضاء العام.
 في برامج تلفزيونية مثل "كلمة أخيرة"، يُواجه عصمت بمناظرات ساخنة مع شخصيات مثل الدكتور عبد الغني هندي، حيث يُتهم بـ"تأليف دين جديد" أو "طعن في الشافعي". وفي وسائل التواصل، تتدفق الشتائم والفتاوى التكفيرية، كأن الإسلام لم يعرف يوماً ابن عربي الذي اتهم بالكفر، أو المعتزلة الذين نُفوا، أو ابن تيمية الذي سُجن.لكن دعونا نتحلل هذه الهجمات تحليلاً نقدياً. 
أولاً، هي هجمات شخصية وليست فكرية. بدلاً من الرد بالحجة على حجة عصمت –مثل نقاشه حول أركان الإسلام الثلاثة المستمدة مباشرة من النص القرآني مقابل الخمسة التقليدية– يلجأ المهاجمون إلى التشهير. هذا يعكس أزمة عميقة في الخطاب الديني المعاصر: فقدان الثقة في القدرة على الدفاع عن التراث بالعقل، فيلجأون إلى سلاح السلطة والتخويف. 
ثانياً، هذه الهجمات تكشف عن قراءة أحادية للنص الديني، كأن الإسلام ولد مكتملاً في القرن الثالث الهجري، وأن أي محاولة لإعادة قراءته في ضوء الواقع المعاصر هي "تبديد" لا "تجديد". هنا يقع التناقض الصارخ: الإسلام نفسه نشأ في سياق تعددي، حيث اختلفت الصحابة في تفسير الآيات، ونشأت المذاهب الفقهية الأربعة كتعبير عن هذا التنوع، بل إن الإمام الشافعي نفسه، الذي يدافع عنه المهاجمون بشراسة، كان مجتهداً يعارض الرأي السائد في زمنه.التنوع ليس فوضى، بل هو الضمان لعدم تحول الدين إلى أيديولوجيا جامدة.
 تاريخياً، ازدهر الفكر الإسلامي عندما كان مفتوحاً: في عصر المأمون، حيث ترجمت الفلسفة اليونانية ونشأت مدارس الكلام؛ في عصر ابن رشد، الذي دافع عن العقل ضد الغزالي؛ وحتى في العصر الحديث، مع محمد إقبال الذي رأى في الإسلام ديناً ديناميكياً. أما قمع الرؤى المخالفة، فهو الذي أدى إلى الجمود الذي نعاني منه اليوم: خطاب مسجدي يركز على الشعائر الشكلية دون الجوهر الأخلاقي، وفقه يُستخدم لتبرير التخلف بدلاً من مواجهة تحديات العصر مثل حقوق المرأة، الحريات، والعدالة الاجتماعية.
عادل عصمت لا يدعو إلى "دين جديد"، كما يزعم بعض المهاجمين، بل إلى إحياء الدين القديم من خلال قراءة نقدية تعيد الاعتبار للقرآن كمصدر أول. هو يمارس ما مارسه العلماء الأوائل: الاجتهاد. وإذا كان المهاجمون يرون في ذلك تهديداً، فالمشكلة ليست في عصمت، بل في بنيتهم الفكرية التي تحولت إلى حصن منيع ضد أي ريح تجديد. في عالم يتغير بسرعة، يحتاج الإسلام إلى أصوات مثل عصمت ليبقى حياً، لا ليُدفن تحت طبقات التراث غير المراجع.في الختام، الدفاع عن عادل عصمت ليس دفاعاً عن شخص، بل عن مبدأ: الإسلام دين الرحمة والعقل، لا دين الخوف والتكفير. فليستمر التنوع، وليُسمع الصوت الآخر، ففي ذلك حياة الأمة. أما من يريدون إسكاته، فهم يحاربون الإسلام نفسه، الذي قال نبيه: "من أراد أن ينظر إلى الدنيا بعين الرحمة فلينظر إلى اختلاف العلماء".

شارك