المسيحية في اليمن القديم: بين قداسة العقيدة وصراع الإمبراطوريات
الأربعاء 15/أبريل/2026 - 01:45 م
طباعة
حسام الحداد
تُعد دراسة الأب صلاح أبو جودة "المسيحية في جنوب الجزيرة العربية قبل الإسلام" محاولة أكاديمية رصينة وجسورة لاقتحام واحدة من أكثر فترات التاريخ العربي تعقيداً وغموضاً. فالمؤلف لا يكتفي في هذا العمل بسرد الأحداث التاريخية، بل يسعى إلى رسم خارطة جيوسياسية ودينية دقيقة لمنطقة جنوب الجزيرة، مستنداً إلى منهج "النقد التاريخي" الذي يغربل الروايات المتوارثة ويضعها تحت مجهر العلم. تكمن أهمية هذا الكتاب في قدرته على تخليص التاريخ المسيحي في اليمن ونجران من شوائب الأساطير والمبالغات الوعظية، ليعيد تقديمه كجزء لا يتجزأ من صراع القوى العظمى في العصور القديمة، حيث تداخلت العقيدة بالمصالح الإمبراطورية، والتبشير بالدبلوماسية الخشنة.
في هذه القراءة، سنستعرض كيف استطاع أبو جودة المزاوجة بين المخطوطات الكلاسيكية والنقوش الأثرية الحديثة، ليكشف عن الأسباب البنيوية التي جعلت من الوجود المسيحي في تلك المنطقة وجوداً عابراً رغم عمقه الروحي وبطولات معتنقيه. إننا أمام تحليل يفكك مفهوم "المسيحية الرسمية" وارتباطاتها ببيزنطة وأكسوم، ويناقش بجرأة الانقسامات اللاهوتية (المونوفيزية، النسطورية، والآريوسية) التي استُخدمت كأدوات في "حرب بالوكالة" بين الفرس والروم، مما يجعل الكتاب ليس مجرد تأريخ ديني، بل وثيقة سياسية واجتماعية تفهم الماضي لتعطي دروساً للحاضر والمستقبل.
المنهجية والمصادر
اعتمد الأب صلاح أبو جودة في دراسته على منهج "النقد التاريخي" (Historical Criticism)، وهو منهج لا يكتفي بنقل الروايات، بل يخضعها للفحص والتمحيص لمطابقتها مع الواقع الجغرافي والزمني. وقد تجلى ذلك بوضوح في تعامله مع كتابات المؤرخين الكنسيين الأوائل مثل "أوسابيوس القيصري" و"فيلوستورجيوس"؛ حيث عمل المؤلف على تفكيك المصطلحات الجغرافية الملتبسة في تلك العصور، مثل مصطلح "الهند" الذي كان يُطلق جزافاً على مناطق تمتد من أفريقيا إلى جنوب الجزيرة العربية. ومن خلال هذا التحليل، استطاع التمييز بين "التقاليد التقوية" التي تنسب التبشير لرسل المسيح الأوائل بدافع ديني، وبين الحقائق التاريخية التي تؤكد أن التأسيس الفعلي للمسيحية في اليمن كان مرتبطاً ببعثات رسمية لاحقة.
تُعد القيمة المضافة الكبرى في منهجية المؤلف هي خروجه من إطار المخطوطات الدينية إلى فضاء "علم الآثار والنقوش" (Epigraphy). فقد استند الكتاب إلى نتائج الحفريات والأبحاث الحديثة التي حللت النقوش الحميرية المكتشفة في مواقع استراتيجية مثل "ظفار" (عاصمة الحميريين) و"مأرب" و"نجران". ولم يكن استخدام هذه النقوش مجرد استشهاد تكميلي، بل استخدمها كأداة "مضاهاة" حاسمة؛ فبواسطتها تمكن من إثبات أو نفي صحة الروايات المكتوبة. فعلى سبيل المثال، ساعدت النقوش التي تشير إلى صراعات الملوك الحميريين في فهم السياق السياسي لمجازر نجران، بعيداً عن الصبغة العاطفية التي قد تصبغها المصادر الدينية وحدها.
اتسمت منهجية البحث بالشمولية من خلال الجمع بين "المصادر السريانية" و"المصادر اليونانية" و"المصادر العربية" في آن واحد. فبينما قدمت المصادر اليونانية (البيزنطية) الرؤية الإمبراطورية والسياسية للوجود المسيحي، وفرت المصادر السريانية مثل "أعمال عزقير الحبشي" ورسائل "سمعان البيت أرشمي" تفاصيل لاهوتية واجتماعية دقيقة حول معاناة الجماعات المسيحية المحلية. هذا التعدد في المصادر سمح للأب أبو جودة بتقديم قراءة "متقاطعة" (Cross-referencing) مكنته من رسم لوحة متكاملة عن الانقسامات العقائدية (بين النساطرة والمونوفيزيين) وعلاقتها بالولاءات السياسية للقوى العظمى آنذاك، مما جعل الكتاب دراسة موضوعية في تاريخ الأديان والسياسة معاً.
التحليل النقدي للروايات التأسيسية
برع المؤلف في تفكيك مصطلح "الهند" الذي تردد كثيراً في كتابات المؤرخين اليونانيين والبيزنطيين الأوائل، موضحاً أن هذا المفهوم لم يكن يشير بالضرورة إلى شبه القارة الهندية بحدودها الحالية. فقد أثبت أبو جودة أن "الهند" في المخيلة الجغرافية القديمة كانت تشمل "الحبشة" وأجزاء واسعة من "بلاد العرب السعيدة" (اليمن). ومن خلال هذا التدقيق، شكك في الروايات التي تنسب للرسول "برتلماوس" أو الفيلسوف "بنتينوس" تبشير نجران أو ظفار، معتبراً أن غياب الأدلة الأثرية والنقوش التي تعود للقرنين الأول والثاني الميلادي يجعل من هذه المرويات تقاليد كنسية رمزية أكثر منها حقائق تاريخية مثبتة، مرجحاً أن تلك البعثات استقرت في الساحل الأفريقي المقابل وليس في عمق الجزيرة العربية.
ينتقل الكتاب لتحليل المنعطف التاريخي الأهم المتمثل في بعثة "تيوفيلس الهندي" عام 356م، والتي يعتبرها المؤلف البداية الموثقة للمسيحية "المؤسساتية" في الجنوب. فخلافاً للروايات التي تصور دخول الدين كفعل إعجازي أو روحي بحت، يضع أبو جودة هذه البعثة في سياقها التاريخي كتحرك دبلوماسي منظم أرسله الإمبراطور "قسطنطيوس الثاني". نجاح تيوفيلس في بناء كنائس في ظفار وعدن لم يكن مجرد نجاح رعوي، بل كان تثبيتاً لحضور الدولة البيزنطية في نقاط استراتيجية على طريق التجارة البحرية، مما حول المسيحية إلى "هوية سياسية" مرتبطة بالقوى العظمى، وهو ما أثر لاحقاً على نظرة ملوك حمير لهذا الدين الوافد.
يحلل المؤلف بعمق كيف أن "المسيحية الرسمية" في جنوب الجزيرة لم تكن بمنأى عن الحرب الباردة (والساخنة أحياناً) بين الإمبراطوريتين البيزنطية والفارسية. فبيزنطة كانت تسعى عبر نشر المذهب "الآريوسي" (الذي كان يتبناه تيوفيلس) ثم المذاهب الأخرى لاحقاً، إلى خلق مناطق نفوذ تحاصر بها الوجود الفارسي وتضمن ولاء القبائل العربية الكبرى. هذا التحليل النقدي الذي يقدمه الأب أبو جودة يرفع الغطاء عن البعد "الجيوسياسي" للدين، موضحاً أن التوتر الذي نشأ بين المسيحيين واليهود في اليمن لم يكن مجرد خلاف لاهوتي، بل كان انعكاساً لصراع القوى الإقليمية على السيادة واقتصاد القوافل والممرات المائية.
مسيحية نجران: المونوفيزية والاضطهاد
يركز الأب صلاح أبو جودة على طبيعة الهوية الدينية لمسيحيي نجران، موضحاً أنها لم تكن مجرد معتقدات بسيطة، بل كانت مرتبطة عقائدياً بالمذهب "المونوفيزي" (الطبيعة الواحدة). ويحلل المؤلف كيف لعب التبشير السرياني القادم من الشمال (عبر الحيرة) دوراً حاسماً في صياغة هذا التوجه، حيث كان التجار والرهبان السريان ينشرون فكراً لاهوتياً يتناغم مع الروح الشرقية. هذا الترابط العقدي جعل من نجران معقلاً فكرياً صلباً، ولم تكن المسيحية فيها مجرد قشرة خارجية، بل تحولت إلى جزء من النسيج الاجتماعي والقبلي، مما مهد الطريق لظهور شخصيات محورية مثل "عبد الله بن الثامر" الذي مزج بين القيادة الروحية والتأثير الشعبي.
ينتقل الكتاب لتحليل الاضطهاد الذي قاده الملك الحميري "ذو نواس" (يوسف أسأر) من منظور سياسي استراتيجي بعيداً عن السرد الوعظي الصرف. يرى أبو جودة أن تبني المملكة الحميرية لليهودية كان بمثابة "قومية دينية" تهدف للحفاظ على استقلال اليمن من الأطماع الخارجية. في المقابل، كانت مسيحية نجران تُعتبر في نظر البلاط الحميري بمثابة "طابور خامس" أو امتداداً جيو-سياسياً لمملكة أكسوم الحبشية وحليفتها الإمبراطورية البيزنطية. وبذلك، لم يكن اضطهاد مسيحيي نجران مجرد رغبة في إبادة دين مخالف، بل كان محاولة لكسر نفوذ القوى الأجنبية وتصفية المراكز التي تدين بالولاء الثقافي والسياسي للخارج.
يفصل المؤلف في تداعيات مجزرة نجران (أصحاب الأخدود)، معتبراً إياها نقطة التحول التي أدت إلى زوال السيادة العربية المحلية في الجنوب. فالمجزرة التي راح ضحيتها الآلاف لم تكن نهاية المطاف، بل كانت الذريعة الكبرى التي منحت "أكسوم" والبيزنطيين المبرر الأخلاقي والقانوني للتدخل العسكري المباشر. يحلل أبو جودة كيف تحولت دماء شهداء نجران إلى وقود لحملة "أرياط" و"أبرهة" اللاحقة، مما أدى في النهاية إلى سقوط الدولة الحميرية ودخول اليمن في حقبة الاحتلال الحبشي ثم الفارسي، وهو ما يؤكد رؤية المؤلف بأن المسيحية في الجنوب كانت ضحية لموقعها في قلب الصراع الدولي بين الشرق والغرب.
خلاصات الكتاب
يضع المؤلف يده على أحد أهم أسباب انحسار المسيحية في جنوب الجزيرة العربية، وهو افتقارها إلى "التوطين" الثقافي والسياسي. فالمسيحية، رغم انتشارها، ظلت في الوعي الجمعي اليمني القديم ديناً "وافداً" أو مرتبطة بـ "الآخر" الغازي. يحلل أبو جودة كيف أن التحالف الوثيق بين الكنيسة المحلية ومملكة أكسوم (الحبشة) من جهة، والإمبراطورية البيزنطية من جهة أخرى، جعل من اعتناق المسيحية يبدو وكأنه إعلان ولاء لتيجان أجنبية. هذا الارتباط جعل المسيحية تفقد قدرتها على التحول إلى "دين شعبي" ينبع من عمق الهوية العربية المحلية، فظلت رهينة للتقلبات العسكرية؛ تزهو بانتصار الأحباش وتنكفئ بهزيمتهم، مما جعل جذورها في التربة الاجتماعية هشة وقابلة للاقتلاع.
ينتقد الأب أبو جودة بشدة حالة التشرذم العقدي التي عصفت بالمسيحية المبكرة في المنطقة، معتبراً إياها عامل ضعف بنيوي. فبدلاً من أن تكون المسيحية جبهة روحية موحدة، انقسمت إلى طوائف متصارعة (أريوسية، نسطورية، ومونوفيزية)، وهو صراع لم يكن لاهوتياً فحسب، بل كان انعكاساً لصراع النفوذ بين روما والقسطنطينية وفارس. يوضح الكتاب كيف استغلت القوى الكبرى هذه الانقسامات لتمرير أجنداتها السياسية، مما حول الكنائس إلى ساحات "حرب بالوكالة". هذا الاستنزاف الداخلي أفقد التبشير المسيحي مصداقيته وقوته الجاذبة أمام السكان المحليين الذين رأوا في هذه الصراعات تعقيدات غريبة عن واقعهم البسيط، مما سهل لاحقاً ذوبان هذه الجماعات أو هجرتها عند حدوث التحولات السياسية الكبرى.
في تقييمه النهائي، يرى الأب صلاح أبو جودة أن تجربة المسيحية في جنوب الجزيرة العربية تقدم درساً تاريخياً حول علاقة الدين بالسياسة. فالكتاب لا يؤرخ لانتصار أو هزيمة دينية، بل يرصد كيف يمكن للتوظيف السياسي للدين أن يؤدي إلى محوه تاريخياً. يخلص المؤلف إلى أن المسيحية في اليمن، رغم أمجادها المعمارية (مثل كنيسة القليس) وبطولات شهدائها (في نجران)، لم تستطع الصمود طويلاً لأنها لم تندمج في "القومية العربية" الناشئة آنذاك، بل ظلت أداة في يد الإمبراطوريات. وبذلك، يقدم الكتاب قراءة نقدية شجاعة تعيد الاعتبار للحقائق التاريخية المجردة، بعيداً عن العاطفة الدينية، موضحاً أن بقاء الأديان وتجذرها يرهن دائماً بقدرتها على ملامسة وجدان الشعوب بعيداً عن ظلال السيوف أو حماية العروش الأجنبية.
في الختام، يظل كتاب الأب صلاح أبو جودة صرخة معرفية تدعو إلى إعادة قراءة تاريخ الأديان في المنطقة العربية بعيون مجردة من الانحيازات المسبقة. لقد نجح المؤلف في إثبات أن انحسار المسيحية في جنوب الجزيرة لم يكن نتيجة لضعف إيماني، بل كان ضحية لـ "ارتباطها العضوي بالأجنبي" وفشلها في تحقيق "التوطين الثقافي" الذي يحميها من تقلبات السياسة. إن الدرس الأكبر الذي يتركه لنا هذا العمل هو أن الأديان التي تتحول إلى أدوات في يد الإمبراطوريات غالباً ما تذوي بزوال تلك القوى، وأن التجذر الحقيقي لأي عقيدة يكمن في اندماجها بالهوية المحلية ووجدان الشعوب، بعيداً عن حماية العروش أو ظلال السيوف الغريبة.
