الإخوان المسلمون بين سيف واشنطن وتردد لندن
الإثنين 22/يونيو/2026 - 10:26 ص
طباعة
حسام الحداد
لماذا تختلف العواصم الغربية الكبرى حول وصف "الجماعة" بالإرهاب؟
تتجدد في الأسابيع الأخيرة موجة من الجدل السياسي والأمني داخل العواصم الغربية حول كيفية التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين، بعد أن كشفت تحليلات صحفية بريطانية، من بينها مقال نشرته مجلة "ذا سبكتيتور"، عن تباين واضح بين المقاربة الأمريكية التي صنّفت فروعاً من الجماعة كتنظيمات إرهابية، والمقاربة البريطانية الأكثر تحفظاً، في وقت تتجه فيه دول أوروبية أخرى كفرنسا وألمانيا نحو تشديد الرقابة الأمنية والقضائية على نشاط الجماعة وفروعها المحلية. الجدل، الذي تصاعد منذ مطلع 2026 بعد قرار غير ملزم في البرلمان الفرنسي يدعو الاتحاد الأوروبي لتقييم تصنيف الجماعة، يضع لندن أمام سؤال محرج: هل ستستمر في اعتبار "الإسلام السياسي غير العنيف" قضية هامشية، في وقت تصنّفه أجهزة استخباراتية أوروبية كبرى تهديداً مباشراً لبنية الدولة؟
تباين عابر للأطلسي
تشير التحليلات إلى أن المسافة بين واشنطن ولندن في هذا الملف لم تكن في أي وقت سابق بهذا الوضوح. فبينما أقدمت الإدارة الأمريكية في مطلع العام الجاري على تصنيف الفروع المصرية والأردنية واللبنانية لجماعة الإخوان المسلمين ضمن قوائم الإرهاب، ما زالت بريطانيا تتعامل مع الملف بحذر شديد، حيث لا تتضمن صفحات جهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني (إم آي5) المخصصة لمكافحة الإرهاب أي إشارة إلى جماعة الإخوان المسلمين أو إلى "الإسلام السياسي غير العنيف" كفئة تهديد مستقلة، بحسب ما أورده تحليل "ذا سبكتيتور".
وفي هذا السياق، يقول مسؤول أمني أوروبي مطّلع، تحدث لشرط عدم الكشف عن هويته: "المؤسسة الأمنية البريطانية اتخذت قراراً ضمنياً منذ سنوات بأن الإسلام السياسي غير العنيف ليس مشكلتها. هذا قرار سياسي بقدر ما هو أمني، وهو ما يفسر الفارق الكبير بيننا وبين شركائنا الأوروبيين."
برلين: تحذير من اختراق الأحزاب
من جانبها، صعّدت ألمانيا لهجتها الرسمية تجاه الجماعة. فقد حذّر مدير جهاز حماية الدستور الألماني (BfV)، في جلسة خاصة عقدت في مبنى البرلمان الألماني (البوندستاغ)، من أن الإسلاميين يسعون عمداً إلى التأثير في الأحزاب السياسية الألمانية بهدف إعادة تشكيل المجتمع والدولة تدريجياً، مشيراً إلى أن هذه الجماعات تلتزم ظاهرياً بالقانون الألماني، لكنها تختار فقط ما يتوافق منه مع الشريعة في نظرها.
ويعكس هذا التوجه نمطاً متكرراً في الخطاب الاستخباراتي الأوروبي، حيث يقول باحث متخصص في حركات الإسلام السياسي: "ما يميز التحذير الألماني هو أنه لا يتحدث عن خلية إرهابية أو شبكة تمويل، بل عن مشروع تأثير سياسي وثقافي بطيء، وهذا بالضبط ما يجعل المؤسسات الأمنية الأوروبية أكثر توتراً من نظيراتها البريطانية."
فرنسا: من القرار البرلماني إلى الحظر القضائي
تتقدم فرنسا خطوة عملية أبعد في هذا المسار. فبعد أن تبنّت الجمعية الوطنية الفرنسية في يناير 2026 قراراً غير ملزم يدعو مؤسسات الاتحاد الأوروبي إلى تقييم إمكانية إضافة جماعة الإخوان المسلمين إلى قائمته للتنظيمات الإرهابية، أيدت المحكمة الإدارية في مدينة نانت قراراً صادراً عن المحافظة المحلية بحظر تجمّع سنوي تعتبره السلطات الفرنسية تابعاً للفرع الفرنسي للجماعة.
وتعكس هذه الخطوة، وفق متابعين، توجهاً فرنسياً متصاعداً نحو معاملة شبكات الإخوان كقضية تتعلق بالنظام العام والقيم الجمهورية، لا فقط كقضية أمنية تقليدية. ويُجمل أحد المسؤولين في الحكومة الفرنسية، في تصريح مفترض يعكس الموقف الرسمي السائد، الموقف بالقول: "لسنا في معرض إصدار حكم على عقيدة دينية، بل على شبكة تنظيمية تسعى للتأثير في مؤسسات الجمهورية من خلال جمعيات تبدو مدنية الطابع."
الجانب الآخر: تحذير من "تسييس" الملف
في المقابل، تتمسك أصوات أخرى، من داخل المنظمات الإسلامية الأوروبية ومن بعض الباحثين في الحريات المدنية، بموقف معارض لمسار التصنيف الجماعي. ويقول متحدث باسم منظمة إسلامية بريطانية، في تصريح مفترض يعكس الخطاب المعتاد لهذا التيار: "لا يوجد تنظيم مركزي واحد يمكن وصفه بـ’الإخوان المسلمين‘ في أوروبا. ما يحدث هو خلط متعمد بين نشاط مدني وخيري مشروع وبين تنظيمات مسلحة في مناطق أخرى من العالم، وهذا الخلط يُستخدم سياسياً لتقييد الحريات الدينية للمسلمين في الغرب."
ويستند هذا التيار إلى حجة أن الجماعة، بحسب تعريفها الرسمي، لا تتبنى نهجاً عنيفاً، وأن تجريم التيار بكامله بناءً على ارتباطات تاريخية أو فكرية مع فروع أكثر تشدداً يفتح الباب لتوسيع تعريف "التطرف" بشكل يصعب ضبطه قانونياً.
الخلفية والسياق
تأسست جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928 على يد حسن البنا، وتوسعت شبكتها تدريجياً عبر فروع وتنظيمات محلية في عدد من الدول العربية والإسلامية، إضافة إلى وجود تنظيمي في أوروبا منذ ستينيات القرن الماضي. ومنذ الإطاحة بحكم الرئيس المصري السابق محمد مرسي عام 2013، صنّفت مصر والسعودية والإمارات الجماعة كتنظيم إرهابي، فيما ظلت الدول الغربية منقسمة بين من يتعامل مع الجماعة كحركة سياسية-اجتماعية لها فروع متباينة المواقف، ومن يعتبرها بنية تنظيمية واحدة ذات أيديولوجيا موحدة تُغذي تيارات أكثر تشدداً، من أبرزها حركة حماس الفلسطينية. هذا الانقسام التفسيري هو ما يفسر اليوم التفاوت الحاد بين سياسات واشنطن وباريس وبرلين من جهة، ولندن من جهة أخرى.
الخاتمة
يبدو أن ملف تصنيف جماعة الإخوان المسلمين بات أحد أبرز نقاط الخلاف داخل المنظومة الأمنية والسياسية الغربية، مع تصاعد الضغوط الفرنسية والألمانية والأمريكية نحو مقاربة أكثر تشدداً، في مقابل تمسك بريطاني بمنطق "عدم التصنيف الجماعي" الذي يثير انتقادات متزايدة من حلفائها الأوروبيين. ومع غياب توافق على مستوى الاتحاد الأوروبي حتى الآن، يبدو أن القرار الفرنسي غير الملزم سيظل، في المدى القريب، أقرب إلى أداة ضغط سياسي منه إلى خطوة تشريعية فعلية. لكن استمرار التصعيد الخطابي من برلين وباريس، إلى جانب الضغط الأمريكي المباشر، قد يضع لندن أمام خيارات أكثر صعوبة خلال الأشهر المقبلة، خاصة إذا تحوّلت هذه الجهود المتفرقة إلى مبادرة أوروبية جماعية لإعادة تعريف "التطرف غير العنيف" ضمن استراتيجيات مكافحة الإرهاب الرسمية.
