مار إلياس.. عام على المجزرة التي هزّت مسيحيي سوريا: بين ذاكرة الشهداء ونزيف الهجرة
الثلاثاء 23/يونيو/2026 - 11:42 ص
طباعة
روبير الفارس
مر عام علي دوّى انفجار هزّ وجدان السوريين بمختلف انتماءاتهم، عندما تحولت كنيسة مار إلياس للروم الأرثوذكس في حي الدويلعة بدمشق إلى مسرح لمجزرة إرهابية أثناء القداس الإلهي مساء الأحد. وبعد مرور عام كامل على تلك المأساة، لا يزال السؤال ذاته يتردد في أوساط المسيحيين السوريين: هل ما زال هناك مستقبل آمن للمسيحيين في سوريا؟
يوم الأحد الذي تحول إلى مأتم
كان المؤمنون مجتمعين للصلاة داخل كنيسة مار إلياس عندما اقتحم مهاجم مسلح المكان، وأطلق النار على المصلين قبل أن يفجر حزامًا ناسفًا كان يرتديه وسط الحضور. وأسفر الهجوم عن مقتل أكثر من عشرين شخصًا وإصابة العشرات، بينهم نساء وأطفال، في واحدة من أكثر الهجمات دموية التي استهدفت المسيحيين السوريين خلال السنوات الأخيرة. وأشارت السلطات السورية إلى أن منفذ العملية ينتمي إلى تنظيم داعش، فيما أظهرت الصور حجم الدمار الذي لحق بالكنيسة ومحتوياتها.
وقد تركت المجزرة أثرًا نفسيًا عميقًا داخل المجتمع المسيحي السوري، لأنها استهدفت مكانًا للعبادة في لحظة صلاة وسلام، وأعادت إلى الأذهان سنوات الإرهاب التي عانى منها السوريون خلال فترة تمدد تنظيم داعش والجماعات المتطرفة.
. نزيف مستمر
قبل اندلاع الحرب السورية عام 2011، كان عدد المسيحيين في البلاد يُقدَّر بما يزيد على مليون ونصف المليون نسمة، موزعين على طوائف متعددة شكلت جزءًا أصيلًا من الهوية السورية عبر قرون طويلة.
لكن سنوات الحرب والعنف والانهيار الاقتصادي دفعت أعدادًا كبيرة إلى الهجرة، حتى تراجع عدد المسيحيين إلى بضع مئات الآلاف فقط وفق تقديرات متداولة في التقارير الدولية والإعلامية.
ولم تكن الهجرة مرتبطة فقط بالعوامل الاقتصادية، بل أيضًا بالشعور المتزايد بعدم الأمان، خاصة بعد تعرض بلدات وكنائس مسيحية لهجمات من جماعات متشددة خلال سنوات الحرب.
بعد التفجير.
شكّل تفجير مار إلياس نقطة تحول جديدة في مشاعر القلق داخل الأوساط المسيحية. فالهجوم وقع بعد أشهر من تغيرات سياسية وأمنية كبيرة شهدتها سوريا، وكان كثيرون يأملون أن تدخل البلاد مرحلة أكثر استقرارًا.
لكن المجزرة أعادت المخاوف من عودة الخلايا المتطرفة واستهداف الأقليات الدينية مجددًا. وأعرب العديد من المسيحيين آنذاك عن شعورهم بأنهم أصبحوا الحلقة الأضعف في معادلة أمنية ما زالت هشة، رغم الوعود الرسمية بحماية جميع المكونات السورية.
بين الهجرة والبقاء
خلال العام الذي أعقب التفجير، استمرت معضلة الهجرة في التفاقم. فالكثير من الأسر المسيحية باتت تواجه خيارين أحلاهما مرّ: البقاء في وطن يحمل ذكريات الأجداد لكنه يفتقر إلى الضمانات الأمنية والاقتصادية الكافية، أو الهجرة إلى المجهول بحثًا عن مستقبل أكثر استقرارًا لأبنائها.
ويرى رجال دين ومراقبون أن استمرار نزيف الهجرة لا يهدد المسيحيين وحدهم، بل يهدد التنوع التاريخي الذي عُرفت به سوريا عبر قرون، حيث ساهم المسيحيون في الحياة الثقافية والتعليمية والطبية والاقتصادية للبلاد منذ بدايات الدولة الحديثة.
رسالة الشهداء
ورغم الألم، لم تستسلم كنيسة مار إلياس للحزن. فبعد أشهر من التفجير بدأت أعمال الترميم وإعادة التأهيل، وعادت الصلوات لتُقام داخل الكنيسة، في رسالة واضحة بأن الإرهاب لم ينجح في كسر إرادة المؤمنين أو اقتلاعهم من أرضهم. كما تحولت ذكرى الضحايا إلى رمز للصمود والإصرار على التمسك بالحياة في مواجهة ثقافة الموت.
.. ماذا بقي؟
بعد عام على تفجير مار إلياس، ما زالت صور الضحايا والدمار حاضرة في الذاكرة السورية. لكن التحدي الأكبر اليوم لا يتمثل في إعادة بناء جدران الكنيسة فحسب، بل في إعادة بناء الثقة والأمان والشعور بالمواطنة المتساوية.
ويبقى مستقبل المسيحيين في سوريا مرتبطًا بقدرة الدولة والمجتمع على حماية التعددية الدينية، ومواجهة الفكر المتطرف، وتوفير الظروف التي تسمح لمن غادروا بالعودة، ولمن بقوا بالبقاء دون خوف.
فالمسيحيون ليسوا مجرد أقلية دينية في سوريا، بل جزء أصيل من تاريخها وهويتها وحضارتها. وإذا استمر نزيف الهجرة، فإن الخسارة لن تكون خسارة جماعة بعينها، بل خسارة لسوريا كلها.
