هجوم على مكتبة كاثوليكية بفرنسا.. كيف تتحول اعتداءات التطرف إلى وقود لليمين المتطرف؟

الثلاثاء 23/يونيو/2026 - 11:45 ص
طباعة هجوم على مكتبة كاثوليكية روبيرالفارس
 

 
في وقت تتصاعد فيه النقاشات الأوروبية حول الهوية الدينية وحرية المعتقد ومستقبل التعايش، أثارت واقعة الاعتداء على مكتبة كاثوليكية في فرنسا موجة واسعة من الجدل والغضب، بعدما تداول ناشطون مقاطع فيديو تظهر تعرض واجهة المكتبة للتخريب وتحطيم الأبواب والنوافذ بسبب عرضها للكتاب المقدس والكتب المسيحية والتماثيل الدينية.

ورغم أن التحقيقات الرسمية لم تصدر بعد رواية نهائية بشأن خلفيات الحادث وهوية جميع المتورطين، فإن الواقعة أعادت إلى الواجهة قضية متكررة تشغل الرأي العام الفرنسي والأوروبي: هل أصبحت الرموز الدينية المسيحية هدفًا متزايدًا لأعمال التخريب؟ وما الأثر السياسي لهذه الحوادث على صعود اليمين المتطرف؟

 حرية المعتقد تحت الاختبار

المكتبة المستهدفة لم تكن مركزًا سياسيًا أو مقرًا حزبيًا، بل مؤسسة ثقافية ودينية متخصصة في بيع الأناجيل والكتب الروحية والتماثيل والمنتجات المرتبطة بالتراث المسيحي.

وأثار الاعتداء استنكارًا واسعًا بين المدافعين عن الحريات العامة، الذين اعتبروا أن الخلاف الفكري أو الديني لا يمكن أن يبرر اللجوء إلى العنف أو التخريب.

ويؤكد مراقبون أن جوهر الديمقراطية الأوروبية يقوم على حماية حق الجميع في التعبير عن معتقداتهم بصورة سلمية، سواء تعلق الأمر بالمسيحيين أو المسلمين أو اليهود أو غيرهم، وأن استهداف أي مؤسسة دينية بسبب هويتها العقائدية يمثل اعتداءً مباشرًا على مبدأ التعددية الذي تقوم عليه المجتمعات الحديثة.

 ليست حادثة معزولة

تأتي هذه الواقعة في سياق أوسع تشهده فرنسا خلال السنوات الأخيرة، حيث سجلت السلطات مئات الاعتداءات على الكنائس والمقابر والرموز المسيحية، تراوحت بين التخريب والسرقة وإضرام الحرائق وتدنيس الأماكن المقدسة. وتشير بيانات فرنسية حديثة إلى تسجيل مئات الحوادث المعادية للمسيحية خلال عام 2025، كان معظمها موجهاً ضد الممتلكات والأماكن الدينية.
كما شهدت الأشهر الأخيرة حوادث متكررة استهدفت كنائس ومقابر وتماثيل دينية في مناطق مختلفة من فرنسا، الأمر الذي أثار مخاوف متزايدة لدى الكنائس والجمعيات المدنية من تنامي ظاهرة العنف ضد الرموز الدينية. 

 المستفيد الأكبر

سياسيًا، لا تقف تداعيات مثل هذه الحوادث عند حدود الجريمة نفسها، بل تمتد إلى المجال الانتخابي.
فكلما تعرضت كنيسة أو مكتبة دينية أو رمز مسيحي لاعتداء، يجد اليمين المتطرف فرصة جديدة لتعزيز خطابه القائم على فكرة أن الهوية الفرنسية والأوروبية أصبحت مهددة، وأن الحكومات التقليدية عاجزة عن حماية التراث الثقافي والديني للبلاد.

وتعتمد أحزاب اليمين المتشدد على هذه الوقائع لتأكيد روايتها حول فشل سياسات الاندماج والتسامح، مستثمرة مشاعر الغضب والخوف لدى قطاعات من المواطنين. ولهذا السبب غالبًا ما تتحول حوادث التخريب، مهما كان حجمها، إلى مادة دعائية قوية تُستخدم في الحملات السياسية والإعلامية.

ويرى محللون أن أخطر ما في هذه الاعتداءات أنها تمنح التيارات المتشددة على الطرفين ما تريده تمامًا؛ فالمتطرف الذي يهاجم مؤسسة دينية يزرع الانقسام والكراهية، بينما يستثمر اليمين المتطرف نتائج هذا الانقسام لتوسيع قاعدته الشعبية وحشد مزيد من الناخبين.

دائرة التطرف المتبادل

يحذر خبراء الاجتماع السياسي من أن أوروبا تواجه اليوم خطر "دائرة التطرف المتبادل"، حيث يؤدي كل اعتداء ذي طابع ديني أو هوياتي إلى زيادة الاستقطاب المجتمعي، ومن ثم إلى ارتفاع شعبية القوى الراديكالية التي تقدم نفسها باعتبارها المدافع الوحيد عن الهوية الوطنية.
وفي هذه البيئة المشحونة، يصبح المواطن العادي أكثر قابلية لتصديق الخطابات المتشددة، بينما تتراجع المساحات الوسطية التي تدعو إلى الحوار والتعايش.

 التحدي الحقيقي

تكشف حادثة المكتبة الكاثوليكية أن التحدي الأكبر أمام المجتمعات الغربية لا يتمثل فقط في ملاحقة مرتكبي أعمال التخريب، بل في حماية مبدأ أساسي هو حرية المعتقد للجميع دون استثناء.

فحين يُسمح للخوف أو الكراهية بإسكات أصحاب المعتقدات المختلفة، لا تتعرض مؤسسة واحدة للهجوم فحسب، بل تتعرض فكرة التعايش نفسها للاهتزاز.

ولهذا يرى مراقبون أن الرد الأكثر فعالية على مثل هذه الحوادث لا يكون بمزيد من الاستقطاب، بل بتطبيق القانون على الجميع، والدفاع المتساوي عن حقوق جميع الجماعات الدينية، حتى لا تتحول جرائم الكراهية الفردية إلى وقود سياسي يغذي صعود اليمين المتطرف ويعمق الانقسامات داخل المجتمعات الأوروبية.

شارك