الميليشيات الموالية لإيران تتحدى بغداد: لا نزع للسلاح قبل الانسحاب الأمريكي
السبت 15/أغسطس/2026 - 01:28 م
طباعة
فاطمة عبدالغني
يدخل العراق مرحلة حساسة مع اقتراب الموعد المحدد لوضع جميع الأسلحة تحت سيطرة الدولة، في ظل تمسك فصائل مسلحة موالية لإيران بترسانتها ورفضها أي محاولة لنزع السلاح بالقوة، وفي أحدث مؤشر على تصاعد الخلاف بين الحكومة والفصائل، حذرت منظمة بدر من أن إجبار الجماعات المسلحة على تسليم أسلحتها قد يقود إلى صراع داخلي، في وقت تسعى فيه بغداد إلى إنهاء الوجود العسكري الأجنبي وتعزيز احتكار الدولة للسلاح.
وبحسب تحقيق نشرته صحيفة "ذا ناشيونال"، جاء هذا الموقف بعد أيام من زيارة قائد فيلق القدس الإيراني، إسماعيل قاآني، إلى بغداد، وسط تحركات سياسية وأمنية تستهدف منع تحول ملف السلاح إلى مواجهة مباشرة بين الحكومة والفصائل المدعومة من إيران.
منظمة بدر تحذر من استخدام القوة لنزع السلاح
حذّر محمد ناجي، رئيس المكتب السياسي لمنظمة بدر، من أي محاولة لاستخدام القوة لفرض نزع سلاح الفصائل المسلحة قبل الموعد المحدد في 30 سبتمبر، واعتبر أن اللجوء إلى القوة يمكن أن يؤدي إلى اندلاع صراع داخلي وتعميق الانقسامات السياسية والطائفية في البلاد.
وقال ناجي، في منشور عبر منصة "إكس"، إن التعامل بالقوة مع الفصائل يمثل تجاوزاً خطيراً، محذراً من أن مثل هذا المسار قد يفتح الباب أمام مواجهة داخلية تستفيد منها أطراف خارجية.
وتعد منظمة بدر من أقدم وأبرز الفصائل الشيعية المرتبطة بإيران في العراق، كما تجمع بين النشاط السياسي والقدرات شبه العسكرية، وهي جزء من منظومة الفصائل التي تطلق على نفسها اسم "المقاومة الإسلامية في العراق".
ويأتي التصعيد في وقت يضغط فيه رئيس الوزراء العراقي على الفصائل المسلحة للالتزام بخطة تهدف إلى حصر حيازة السلاح في مؤسسات الدولة.
ووفقاً لما أوردته "ذا ناشيونال"، طلبت الحكومة من لجنة الدفاع والأمن في البرلمان إعداد مشروع قانون لتنظيم حيازة السلاح، مع التلويح بملاحقة الرافضين وفق قانون مكافحة الإرهاب.
ثلاثة شروط مقابل تقييد السلاح
لم تكتفِ منظمة بدر برفض نزع السلاح بالقوة، بل حددت ثلاثة شروط اعتبرتها ضرورية قبل إخضاع أسلحة الفصائل بشكل كامل لسلطة الدولة.
ويأتي في مقدمة هذه الشروط الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من العراق، إلى جانب إزالة ما وصفته الجماعة بالتهديدات الاستراتيجية التي تواجه البلاد، واستكمال تطوير القوات المسلحة العراقية، خصوصاً منظومات الدفاع الجوي.
وتتزامن هذه المطالب مع الموعد المتوقع لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة وانسحاب القوات الأجنبية من العراق، وأكد رئيس الوزراء، الأربعاء، أن الوجود العسكري الأجنبي سينتهي بحلول 30 سبتمبر، على أن يدخل العراق مرحلة جديدة اعتباراً من الأول من أكتوبر.
ويربط موقف الفصائل بين ملف السلاح وانسحاب القوات الأمريكية، ما يجعل الموعد المحدد محطة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، فالحكومة تريد أن يظهر الانسحاب باعتباره خطوة نحو تعزيز سيادة الدولة، بينما ترى الفصائل أن إنهاء الوجود الأمريكي يجب أن يسبق أي إجراءات تلزمها بتقييد قدراتها العسكرية.
زيارة قاآني ومحاولات منع المواجهة
تكتسب التحذيرات الأخيرة أهمية إضافية بسبب زيارة إسماعيل قاآني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، إلى بغداد قبل أيام، وفق مصادر نقلت عنها "ذا ناشيونال".
وبحسب مصدرين مقربين من الفصائل والقوى السياسية المدعومة من إيران، عقد قاآني لقاءات مع عدد من قادة الجماعات المسلحة وشخصيات سياسية، في محاولة للتوصل إلى صيغة تحول دون وقوع مواجهة بين الحكومة والفصائل، مع الحفاظ في الوقت نفسه على أسلحة الجماعات المسلحة.
وتشير المصادر التي تحدثت إليها الصحيفة إلى أن أحد الخيارات المطروحة هو تجميد الأسلحة بدلاً من تسليمها، بما يسمح للفصائل بالاحتفاظ بقدراتها العسكرية مع تجنب استخدامها في مواجهة مباشرة مع مؤسسات الدولة.
ويكشف ذلك عن معادلة معقدة تحاول الأطراف المختلفة التعامل معها: الحكومة تسعى إلى احتكار قرار السلاح، والفصائل تريد الحفاظ على قدراتها، بينما تعمل إيران على منع انفجار الخلاف إلى مواجهة قد تضع حلفاءها أمام خسائر سياسية وأمنية كبيرة.
الانسحاب الأمريكي يغيّر حسابات بغداد والفصائل
لا يمكن فصل أزمة السلاح عن إعادة ترتيب الوجود العسكري الأمريكي في العراق، فمن المقرر وفق التصريحات الحكومية، أن تنتهي المهمة العسكرية للتحالف الذي تقوده واشنطن بحلول نهاية سبتمبر، بالتزامن مع تأكيد بغداد ضرورة أن تكون الأسلحة محصورة في مؤسسات الدولة.
وتضع هذه التطورات الحكومة العراقية أمام اختبار مزدوج، فمن ناحية عليها إثبات قدرتها على فرض سلطة الدولة بعد تقليص الوجود العسكري الأجنبي، ومن ناحية أخرى عليها تجنب مواجهة واسعة مع فصائل تمتلك نفوذاً سياسياً وقدرات عسكرية.
أما الفصائل فتواجه بدورها معادلة جديدة، إذ إن انتهاء الوجود الأمريكي قد يسحب جزءاً من المبررات التي استخدمتها لتبرير الاحتفاظ بالسلاح، لكنه في الوقت ذاته قد يمنحها فرصة للضغط من أجل الإبقاء على ترسانتها تحت ذريعة حماية العراق من تهديدات محتملة.
ومن هنا، فإن الخلاف لا يتعلق بالسلاح وحده، وإنما بطبيعة الدولة العراقية نفسها، ومن يمتلك القرار النهائي في القضايا الأمنية والعسكرية بعد انتهاء مرحلة الوجود العسكري الأجنبي.
ويرى المراقبون أن ملف نزع سلاح الميليشيات في العراق أصبح أحد أكثر الملفات حساسية أمام الحكومة، خصوصاً مع اقتراب موعد الانسحاب الأمريكي، فنجاح بغداد لن يقاس فقط بقدرتها على إصدار القوانين أو تحديد المواعيد، وإنما بقدرتها على تنفيذ سياسة احتكار السلاح دون دفع البلاد إلى مواجهة داخلية.
وفي المقابل، فإن تمسك الفصائل بأسلحتها وربط التخلي عنها بشروط سياسية وأمنية يفتح الباب أمام تسوية تدريجية، قد تبدأ بتجميد القدرات العسكرية ووضعها تحت رقابة الدولة بدلاً من التسليم الفوري.
ويبقى الاختبار الأصعب أمام بغداد هو الوصول إلى صيغة تضمن سيادة الدولة واحتكارها للسلاح، من دون أن يتحول الخلاف مع الفصائل الموالية لإيران إلى صراع داخلي واسع، فالمعادلة المقبلة ستحدد ما إذا كان العراق يتجه فعلاً إلى مرحلة جديدة من بناء الدولة، أم أن ملف السلاح سيظل نقطة نفوذ دائمة تعيق استقرار النظام السياسي والأمني.
