بعد أسبوع في الأسر.. تحرير إكليريكي ومؤمن اختُطفا من كنيسة في نيجيريا
الإثنين 17/أغسطس/2026 - 10:50 ص
طباعة
روبير الفارس
لم يكن قداس الأحد في كنيسة القديس يوسف الكاثوليكية بمنطقة إينوي-أفا في ولاية إينوغو جنوب شرقي نيجيريا، في الثاني من أغسطس الجاري، يومًا عاديًا بالنسبة إلى المصلين. فقد اقتحم مسلحون الكنيسة أثناء الاستعداد للقداس، وأجبروا عددًا من الموجودين على الخروج، قبل أن يقتادوا ثلاثة أشخاص إلى الأدغال، بينهم الإكليريكي لورنس تشيديرا إيغبو والشماس إيمانويل أونوودي، البالغ من العمر 70 عامًا، فيما تُرك أحد المختطفين بعدما عجز عن مواصلة السير بسبب حالته الصحية.
وبعد سبعة أيام من الاحتجاز، انتهت المحنة بعملية أمنية مشتركة تمكنت خلالها قوات الأمن من تحرير إيغبو وأونوودي، واعتقال ثلاثة من المشتبه في انتمائهم إلى العصابة التي نفذت الهجوم، بينما قُتل مشتبه به رابع خلال تبادل لإطلاق النار مع القوات الأمنية.
وشاركت في العملية أجهزة الأمن والمخابرات والجيش والشرطة وحرس الغابات في ولاية إينوغو. وقالت السلطات إن الأسلحة التي عُثر عليها شملت أربعة بنادق من طراز AK-47 وسبع خزنات و133 طلقة، كما استعادت القوات أموال الفدية التي دُفعت للخاطفين. وأكدت السلطات أن المختطفين تعرّفا إلى المشتبه بهم الذين ألقي القبض عليهم باعتبارهم الأشخاص الذين اختطفوهم من الكنيسة.
الخطف من داخل الكنيسة
تكشف رواية الناجين عن قسوة الأيام التي قضياها في الأسر. وقال الإكليريكي لورنس إيغبو إن المسلحين حاصروا الكنيسة واقتادوه إلى الغابة، حيث اضطر مع أونوودي إلى السير لساعات عبر مناطق جبلية وغابات، قبل أن يصلوا إلى مخبئهم في وقت مبكر من الصباح.
وبحسب شهادتهما، تعرض الاثنان خلال الأيام السبعة للضرب بالعصي والحجارة والسواطير والتهديد بالقتل، كما أمضيا الأيام الثلاثة الأولى من دون طعام أو ماء. ولم يبدأ الخاطفون في تقديم الطعام والماء إلا بعد بدء المفاوضات مع عائلتي المختطفين بشأن الفدية. وقال أونوودي إن الخاطفين طالبوا في البداية بـ11 مليون نايرا،( عملة محلية ) قبل خفض المبلغ إلى 3.5 مليون نايرا، ثم أُفرج عنهما بعد دفع الفدية المتفق عليها.
وتكتسب واقعة اختطاف إيغبو وأونوودي خطورتها من أن الهجوم لم يقع على طريق معزول أو داخل منزل، بل استهدف كنيسة أثناء اجتماع المؤمنين للصلاة. ويعكس ذلك اتساع نطاق الخطر الذي يواجهه المسيحيون في بعض المناطق النيجيرية، حيث أصبح الخطف من أجل الفدية نشاطًا إجراميًا واسع الانتشار، يستهدف رجال الدين والمؤمنين والمدنيين على حد سواء.
من يقف وراء الهجوم؟
تشير المعلومات المتاحة حتى الآن إلى أن منفذي الهجوم ينتمون إلى عصابة خطف إجرامية، وليس هناك في المصادر الموثوقة التي تناولت العملية ما يثبت أن جماعة بوكو حرام أو تنظيمًا جهاديًا بعينه هو الذي نفذ عملية خطف إيغبو وأونوودي.
وقد وصفت السلطات النيجيرية الموقوفين بأنهم أعضاء مشتبه بهم في عصابة خطف، بينما ذكرت تقارير محلية أن ثلاثة مشتبه بهم هم عليو محمد، وعثمان محمد، وبابوغا عثمان، وأن الأخير قُتل خلال اشتباك مع القوات الأمنية.
وهذا التفريق مهم، لأن ظاهرة اختطاف رجال الدين في نيجيريا لا ترتبط بجهة واحدة في جميع الحالات. فإلى جانب الجماعات المسلحة ذات الأجندة المتطرفة، تنتشر عصابات إجرامية مسلحة تتخذ من الخطف مقابل الفدية مصدرًا للدخل. ولذلك فإن وصف كل عملية اختطاف بأنها من تنفيذ جماعة إرهابية بعينها لا يعكس دائمًا حقيقة الوقائع التي تعلنها السلطات.
الكهنة.. هدف متكرر للخاطفين
قصة الإكليريكي لورنس إيغبو تأتي في سياق سلسلة طويلة من عمليات اختطاف الكهنة والإكليريكيين في نيجيريا، وهي ظاهرة دفعت الكنيسة الكاثوليكية إلى التحذير مرارًا من المخاطر التي تواجه العاملين في المناطق الريفية والنائية.
وفي فبراير 2026، هاجم مسلحون رعية الثالوث الأقدس التابعة لأبرشية كافانتشان في ولاية كادونا، واختطفوا الأب ناثانيال أسواي مع عشرة أشخاص آخرين، فيما قُتل ثلاثة أشخاص خلال الهجوم. وبعد أكثر من ثلاثة أشهر في الأسر، أُفرج عن الأب أسواي في مايو، بينما بقي مصير عدد من الأشخاص الذين اختُطفوا معه غير واضح في ذلك الوقت.
وفي نوفمبر 2025، اختُطف الأب بوبو باسكال من رعية القديس إسطفانوس التابعة لأبرشية كادونا، بعدما هاجم مسلحون مقر الرعية. وبعد نحو شهرين من الاحتجاز، أُفرج عنه في يناير 2026.
أما الأب إيمانويل إيزيما، من أبرشية زاريا، فقد اختُطف من مقر إقامته في ديسمبر 2025، ولا تزال قضيته جزءًا من ملف الكهنة الذين تعرضوا للاختطاف في البلاد. كما سبق أن اختُطف الأب جوزيف إيغوياجو من أبرشية أغوليري في ولاية أنامبرا في أكتوبر 2022، وظل اسمه ضمن قائمة الكهنة الذين لم تُحسم قضايا اختطافهم.
ولم تكن هذه الحوادث مقتصرة على شمال البلاد. ففي مارس 2025، اختُطف الأب فيليب إكيلي والإكليريكي بيتر أندرو بعدما اقتحم مسلحون كنيسة القديس بطرس في إيڤيوكوا بولاية إيدو. وفي الشهر نفسه، اختُطف الأب جون أوبايشو أثناء توجهه إلى خلوة كهنوتية في ولاية إيمو.
وفي أبريل 2025، اختُطف الأب إبراهيم أموس من منزله في ولاية كادونا، فيما شهد مارس من العام نفسه حادثة مأساوية انتهت بمقتل الأب سيلفستر أوكيشوكو، الذي اختُطف في ولاية كادونا قبل العثور عليه مقتولًا.
الخطف.. اقتصاد الجريمة
توضح هذه الوقائع أن استهداف الكهنة في نيجيريا أصبح جزءًا من أزمة أمنية أوسع، وليس مجرد سلسلة حوادث منفصلة. فالكاهن في المناطق الريفية غالبًا ما يكون شخصية معروفة، ويعيش في مقر قريب من الكنيسة، ويخدم جماعة محلية صغيرة، الأمر الذي يجعل الوصول إليه أسهل بالنسبة إلى العصابات المسلحة.
كما أن الاعتقاد بأن الكنيسة أو عائلات الكهنة يمكن أن تدفع فدية يزيد من جاذبية هذا النوع من الجرائم. وفي حالة إينوي-أفا تحديدًا، أكدت السلطات أن دفع الفدية استُخدم ضمن عملية أمنية لتتبع الخاطفين، ثم تمكنت القوات من استعادة الأموال بعد الوصول إلى أفراد العصابة.
وتؤكد لجنة الولايات المتحدة للحرية الدينية الدولية أن المسيحيين في نيجيريا يواجهون تهديدات مستمرة بالاختطاف والقتل، في ظل تداخل أعمال الجماعات المسلحة مع نشاط العصابات الإجرامية التي تمارس الخطف مقابل الفدية.
ومع ذلك، فإن استمرار عمليات الاختطاف لا يعني أن الكنيسة تتراجع عن حضورها. فالإفراج عن الأب ناثانيال أسواي والأب بوبو باسكال، وكذلك تحرير الإكليريكي لورنس إيغبو والمؤمن إيمانويل أونوودي، يمثل في كل مرة عودة لأشخاص اختُطفوا أثناء قيامهم بخدمتهم أو مشاركتهم في الصلاة.
وتبقى مأساة نيجيريا أن الكنائس التي يفترض أن تكون أماكن للعبادة والأمان تحولت في بعض المناطق إلى أهداف للخاطفين، وأن رجال الدين الذين اختاروا البقاء بين شعوبهم باتوا يدفعون ثمن استمرار الفوضى الأمنية.
أما عودة إيغبو وأونوودي، فهي تحمل جانبًا من الرجاء، لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالًا أكبر على الدولة النيجيرية: كيف يمكن حماية الكنائس والرعايا والكهنة في المناطق التي أصبحت فيها عصابات الخطف قادرة على اقتحام أماكن العبادة واقتياد المصلين إلى الغابات؟
فالنجاح الأمني في إينوغو، باعتقال أفراد العصابة واستعادة الفدية وتحرير الرهينتين، يمثل خطوة مهمة، لكن إنهاء ظاهرة خطف الكهنة والمؤمنين يحتاج إلى ما هو أبعد من عمليات الإنقاذ بعد وقوع الجريمة: يحتاج إلى حماية دائمة للمجتمعات الريفية، وتجفيف مصادر تمويل عصابات الخطف، وملاحقة شبكاتها، وضمان ألا تتحول الفدية إلى اقتصاد دائم يغذي موجة اختطاف جديدة.
