"كوستي بندلي".. مئة عام على ميلاد المفكر الذي جعل الإيمان سؤالًا عن الإنسان

الإثنين 17/أغسطس/2026 - 10:52 ص
طباعة كوستي بندلي.. مئة روبيرالفارس
 



في 22 أغسطس 1926، وُلد في الميناء بطرابلس اللبنانية كوستي بندلي، الرجل الذي سيصبح، بعد عقود من البحث والتعليم والكتابة والحوار، واحدًا من أبرز الأصوات الفكرية التي أسهمت في صياغة الوعي الأرثوذكسي المعاصر في لبنان والمشرق. وفي 22 أغسطس 2026، تبدأ لجنة «أصدقاء الدكتور كوستي بندلي ونشر فكره» برنامجًا يمتد عامًا كاملًا احتفاءً بالذكرى المئوية لميلاده، في محاولة لإعادة فتح أبواب فكره أمام أجيال جديدة.

لم يكن بندلي رجل دين بالمعنى التقليدي، ولا أكاديميًا يعيش داخل أسوار الجامعة، ولا كاتبًا يكتفي بإنتاج الكتب. كان مزيجًا نادرًا من المفكر والمربي وعالم النفس والباحث في الفلسفة والمؤمن الذي أراد أن يجعل المسيحية قادرة على الدخول في حوار حي مع الإنسان وأسئلته وقلقه وتحولاته.

ولد بندلي في أسرة أرثوذكسية، وحصل على شهادته الثانوية في سن مبكرة من مدرسة الفرير في طرابلس. وبعد أن اضطر إلى العمل في شبابه لمساعدة أسرته، تابع تحصيله الجامعي في فرنسا، فحصل في جامعة ليون على إجازة في علم النفس ودبلوم في علم النفس التطبيقي، ثم نال دكتوراه الدولة في الفلسفة من جامعة ليون الثالثة عام 1981 عن أطروحة تناولت العلاقة بين الصور الوالدية والمواقف الدينية. وعمل مدرسًا وأستاذًا لعلم النفس، كما مارس الإرشاد النفسي والتربوي، ولا سيما مع الشباب والأسر. 

لكن الجامعة لم تكن وحدها ميدانه. فمنذ عام 1944، حين انضم إلى حركة الشبيبة الأرثوذكسية وكان في الثامنة عشرة، بدأت واحدة من أهم مراحل حياته. كان قد تعرّف إلى المطران جورج خضر، أحد أبرز مؤسسي الحركة، وتحوّلت العلاقة بينهما إلى صداقة فكرية وروحية طويلة. وفي العام التالي تولى مسؤولية البرامج والتوجيه في مركز الحركة في طرابلس، وأسهم في تأسيس مدارس الأحد وتعزيز النهج الذي يربط الإيمان بالحياة. 

ومن هنا يمكن فهم كوستي بندلي. فهو لم يرَ المسيحية مجموعة من الإجابات الجاهزة، بل رأى الإيمان دعوة إلى الدخول في قلب أسئلة الإنسان. لذلك لم يتردد في الكتابة عن الحب والأسرة والجنس والشباب والطائفية والاستهلاك والعدالة والعنف واللاعنف والفلسفة والتربية وعلم النفس، إلى جانب الموضوعات اللاهوتية والكتابية.

لقد وضع أكثر من ستين مؤلفًا بالعربية والفرنسية، وأعيد طبع عدد من كتبه مرات عديدة، كما تحولت بعض مؤلفاته إلى مراجع في مدارس وجامعات في لبنان والعالم العربي. 

ومن أشهر عناوينه كتاب «مدخل إلى القداس الإلهي»، الذي بدأ أصلًا في صورة دراسات أُعدّت لفرق حركة الشبيبة الأرثوذكسية، ثم «مع تساؤلات الشباب»، وهو كتاب يكشف بوضوح طريقته في التفكير: أن يبدأ من السؤال الحقيقي الذي يطرحه الشباب، لا من الإجابة التي يريد الكبار فرضها عليهم. وقد جمع في الكتاب أسئلة الشباب ومشكلاتهم وهواجسهم النفسية، مستفيدًا من خبرته الطويلة في التعليم والإرشاد وعلم النفس. 

وفي سلسلة «نحن وأولادنا» اقترب من الأسرة من زاوية مختلفة، فكتب عن العلاقة بين الآباء والأبناء، وعن السلطة الوالدية، وعن التربية الجنسية، مؤكدًا أن التربية ليست مجرد مجموعة من الأساليب، بل موقف إنساني عميق من الطفل. ومن الأفكار المركزية في كتاباته التربوية أن الحب نفسه يحتاج إلى مراجعة: ليس السؤال فقط هل نحب أبناءنا، بل كيف نحبهم، وهل حبنا يحررهم أم يحولهم إلى امتداد لرغباتنا ومخاوفنا. 

وكان هذا الاقتراب الجريء من المسكوت عنه أحد أسباب فرادة بندلي. ففي زمن كان الحديث عن الجنس والمراهقة والعلاقات الأسرية والطائفية والاستهلاك شديد الحساسية، لم يلجأ إلى الوعظ أو التخويف، بل حاول أن يفهم الظاهرة أولًا، ثم يضعها في حوار مع علم النفس والفكر المسيحي.

وفي كتاب «موقف إيماني من الطائفية»، الذي صدر للمرة الأولى عام 1969 وأعيدت طباعته لاحقًا، تعامل مع الطائفية لا بوصفها مجرد مشكلة سياسية، بل بوصفها قضية تمس صميم فهم الإنسان لإيمانه وللآخر. كما تناول «الإيمان ومجتمع الاستهلاك»، و«فتنة الاستهلاك أم فرح المشاركة؟»، محذرًا من تحول الإنسان إلى مستهلك تختزل قيمته فيما يملك ويشتري. 

وفي خضم الحرب اللبنانية، اتجه فكره إلى سؤال أكثر قسوة: هل يمكن تحقيق العدالة بالعنف؟ في كتاب «نضال عنفي أو لاعنفي لإحقاق العدالة؟» ناقش العلاقة بين العدالة والسلام والعنف، انطلاقًا من أسئلة الشباب الذين كانوا يرون بأعينهم الحرب ويتساءلون عن إمكان الجمع بين الإيمان بالعدالة ورفض العنف. ثم عاد إلى الموضوع في «النضال اللاعنفي: ملامح وصور». 

وهنا تظهر إحدى أهم سمات فكره: لم يكن بندلي يريد مسيحيًا يهرب من العالم بحجة الحفاظ على الإيمان، بل إنسانًا يدخل إلى العالم حاملًا إيمانه ومسؤوليته عنه. ولذلك ارتبط عنده الإيمان بالتحرير، والروحانية بالعدالة، والكنيسة بالمجتمع، والحياة المسيحية بخدمة الإنسان.

وكانت سلسلة «الإنجيل على دروب العصر» تعبيرًا مكثفًا عن هذا المشروع. ففيها كتب عن الطائفية، ومجتمع الاستهلاك، والجسد والعفة والحب، وصورة المسيح في الزواج والأسرة، وإسرائيل بين الدعوة والرفض، والله والشر والمصير، والإيمان والتحرير، إضافة إلى النضال اللاعنفي.

بهذا المعنى، لم يكن بندلي يكتب «عن» الشباب بقدر ما كان يكتب «مع» الشباب. كان يصغي إلى السؤال قبل أن يقدّم الإجابة، ويعتبر القلق الفكري جزءًا من النمو لا علامة على ضعف الإيمان. وربما لهذا السبب بقي قريبًا من أجيال متعاقبة من القراء؛ لأن كتبه لم تتعامل مع الشباب باعتبارهم مشكلة يجب إصلاحها، بل باعتبارهم شركاء في البحث عن الحقيقة.

وكان علم النفس عنده جسرًا لا خصمًا للإيمان. فقد حاول أن يضع الخبرة الدينية في حوار مع العلوم الإنسانية والفلسفة الحديثة، وأن يسأل عن الدوافع النفسية التي يمكن أن تختبئ خلف بعض الممارسات الدينية والاجتماعية. وفي أطروحته للدكتوراه نفسها بحث العلاقة بين الصور الوالدية والمواقف الدينية، وهو ما يكشف طبيعة مشروعه: فهم الإنسان في عمقه النفسي لكي يُفهم الإيمان أيضًا في علاقته بهذا الإنسان. 

أما علاقته بحركة الشبيبة الأرثوذكسية، فهي تكاد تكون مفتاحًا لفهم أثره كله. فقد كان أحد الوجوه التي ساهمت في نشر الفكر الحركي، خصوصًا في طرابلس والكورة، وظل لأكثر من نصف قرن مرشدًا ومحاورًا للشباب، ومشاركًا في صياغة رؤية تربط النهضة الكنسية بالوعي والمسؤولية الاجتماعية. وتصفه المصادر المرتبطة بالحركة بأنه كان من أبرز الملهمين للشهادة الحركية، ومن الداعين إلى انخراط الشباب في المجتمع المدني وإلى تبني النضال اللاعنفي سبيلًا للتغيير. 

لكن ربما يكون أهم ما تركه بندلي خارج الكتب نفسها هو «طريقته». فقد كان يؤمن بأن الفكر عطية، وأن الإيمان لا يخاف من السؤال، وأن الكنيسة لا يمكن أن تنهض من دون إنسان حر ومسؤول. ولهذا امتد أثره إلى أناس لم يكونوا بالضرورة أرثوذكسيين، بل وإلى قراء مسيحيين من طوائف مختلفة وقراء من خارج الدائرة المسيحية، بعدما لامس قضايا إنسانية تتجاوز الحدود الطائفية. وتشير شهادات عنه إلى انتشار أفكاره في الأوساط المشرقية غير الأرثوذكسية وغير المسيحية، خصوصًا في نقد الطائفية ومجتمع الاستهلاك وتهميش المرأة.

وعندما توفي كوستي بندلي في 12 ديسمبر 2013، لم يكن قد ترك وراءه مجرد قائمة طويلة من الكتب. ترك تلامذة وقراء وشبابًا وأسرًا ومرشدين حملوا شيئًا من طريقته في النظر إلى الإنسان. ترك مكتبة فكرية تقارب موضوعات لا تزال حاضرة بقوة: علاقة الدين بالحداثة، التربية، أزمة الأسرة، أسئلة الشباب، الطائفية، الاستهلاك، العدالة، العنف، الحرية، والمسيحية في المجال العام. 

ولهذا تبدو مئويته أكثر من مناسبة لتكريم رجل رحل. إنها مناسبة لإعادة قراءة مشروع فكري لم يفقد راهنيته.

فبعد مئة عام من ميلاده، لا تكمن قيمة كوستي بندلي في عدد الكتب التي كتبها، بل في الأسئلة التي تركها مفتوحة. لقد أراد إيمانًا لا يعزل الإنسان عن العالم، وعقلًا لا يتحول إلى عدو للروح، وتربية لا تصادر حرية الأبناء، وكنيسة لا تنفصل عن قضايا الناس، ومسيحيًا يرى في العدالة مسؤولية وفي الآخر إنسانًا.

وربما لهذا السبب يصح أن يُقال عن كوستي بندلي ما قيل عنه بعد رحيله: إنه لم يكن مجرد مؤلف، بل «مدرسة» وتيارًا فكريًا؛ لأن فكره، كما شهد أحد الذين عرفوه، كان يسعى إلى أن يملأ الإنسان قامته، وأن يرفع الحجب عن وجه المسيح ومن خلاله عن وجوه البشر. 
في مئويته، يصبح السؤال إذن ليس: ماذا كتب كوستي بندلي؟

بل: ماذا بقي من كوستي بندلي؟

والإجابة ربما تكون في كل شاب تعلّم أن السؤال ليس خطيئة، وفي كل أب وأم أعادا النظر في معنى التربية، وفي كل مؤمن اكتشف أن الإيمان لا يكتمل من دون مسؤولية تجاه الإنسان، وفي كل قارئ أدرك أن المسيحية تستطيع أن تدخل في حوار شجاع مع علم النفس والفلسفة والمجتمع والعدالة.

ذلك هو الإرث الأصعب في القياس، والأبقى في الزمن: أن تتحول الكتب إلى طريقة في النظر، وأن يتحول الفكر إلى حياة.

شارك