إعادة تشكل التهديد الجهادي.. من الجغرافيا الصلبة إلى السحابة المعتمة
الأربعاء 19/أغسطس/2026 - 10:06 ص
طباعة
حسام الحداد
تكشف المتابعات الاستخباراتية والتحليلات الصادرة عن المنصات الأمنية العالمية عن تحول بنيوي عميق في منهجيات العمليات والتنظيم لدى الجماعات الإرهابية، وفي مقدمتها تنظيما "داعش" و"القاعدة". إن النقطة المفصلية في هذا التحول لا تكمن في مجرد بقاء هذه الجماعات على قيد الحياة بعد خسارتها لدولة الخلافة المزعومة عام 2019، بل في قدرتها على التكيف الهيكلي والرقمي، والانتقال من النموذج المركزي القائم على السيطرة الترابية إلى نموذج السحابة الموزعة القائمة على خلايا نائمة لامركزية، وتجنيد افتراضي عابر للحدود عبر تقنيات التشفير والذكاء الاصطناعي.
أبعاد التحول الهيكلي والتكتيكي في الميدان
لم تعد الجماعات الجهادية تسعى إلى رفع السواتر الترابية والاحتفاظ المباشر بالمدن، إذ أدركت الثمن الباهظ للتفوق الجوي والعملياتي للتحالفات الدولية. بدلا من ذلك، كرست الاستراتيجية الحالية مفاهيم حرب العصابات غير المتناظرة واستنزاف الخصوم عبر الانتقال من الهياكل الهرمية الشديدة المركزية إلى شبكات مسطحة وخلايا عنقودية مستقلة تماما في قراراتها الميدانية.
وتشكل البادية السورية، الممتدة من حمص ودير الزور وصولا إلى الحدود العراقية، الملاذ الآمن والبيئة المثالية لهذا التكتيك الجديد. حيث تستغل الجماعات الفراغات الأمنية الناجمة عن تباين أجندات القوى الميدانية لتشكيل قاعدة خلفية للتدريب والإمداد والتخطيط الخاطف، دون الحاجة لتحمل أعباء إدارة السكان أو التجهيزات اللوجستية الثقيلة التي كانت تجعلها هدفا سهلا في السابق.
الفضاء الرقمي والتشفير وتصاعد خطورة "الفاعلين المنفردين"
تكمن الخطورة الأكبر للتحول الراهن في المجال التكتيكي الموازي الذي تبنته هذه التنظيمات، والمتمثل في استغلال التطبيقات المشفرة ومنصات التواصل الاجتماعي بشكل كثيف. لقد انتقل التنظيم أيديولوجيا من شعار "تعالوا إلى أرض الخلافة" إلى استراتيجية "احملوا السلاح حيثما كنتم"، مما أتاح له إعادة توجيه نشاطه للتأثير المباشر في بيئات بعيدة جغرافيا.
وتظهر التقييمات الأمنية أن مدى التجنيد والتحريض للشباب قد تقلص زمانيا بشكل ملحوظ؛ حيث أصبحت عمليات الشحن العقائدي والتوجيه لتنفيذ الهجمات تستغرق أسابيع قليلة داخل الغرف المغلقة والتطبيقات المنسية دون أي لقاء أمني أو ميداني مباشر. يعتمد التنظيم على ثغرة "الذئاب المنفردة" لتجاوز الرادارات الاستخباراتية، إذ يطلب من الأفراد تنفيذ مخططات إرهابية بأساليب بدائية ومتاحة محليا مع إعلان البيعة رقميا عبر فيديوهات مسجلة يفرج عنها لاحقا، مما يمنح التنظيم مكاسب إعلامية وسياسية مجانية وبدون تكلفة تشغيلية.
التداعيات الجيوسياسية على المستويين الإقليمي والدولي
على المستوى الإقليمي، تعتمد الخلايا النائمة على التغذية العكسية من الأزمات الاقتصادية والسياسية في دول مثل سوريا والعراق ولبنان وبعض دول الساحل الأفريقي. تساهم هذه الجماعات في إدامة حالة عدم الاستقرار لمنع تعافي المؤسسات الوطنية، مع تحويل تركيزها نحو استهداف البنية التحتية الحيوية، مثل خطوط نقل النفط والطاقة والطرود اللوجستية، لرفع تكلفة التنمية وزيادة خنق الاقتصادات المحلية.
أما على المستوى الدولي، فمع انشغال القوى الكبرى بالمنافسات الجيوسياسية المباشرة، انخفض التركيز الموجه لمكافحة الإرهاب، وهو ما أتاح لتنظيمات متفرعة مثل "داعش-خراسان" (ISIS-K) توسيع قدراتها على التخطيط الخارجي. إن انتشار ظاهرة الذئاب المنفردة الموجهة رقميا يفرض عبئا أمنيا وتكتيكيا غير مسبوق على أجهزة الأمن الداخلي للعديد من الدول الغربية، حيث تعجز أساليب التجسس والمراقبة التقليدية عن التنبؤ بهجمات الفاعلين المبتدئين أو المنعزلين.
قصور المقاربات الأمنية التقليدية وضرورة المواجهة الشاملة
إن التعامل مع التهديد الراهن بالمقاربات الأمنية أو العسكرية الصلبة وحدها ينطوي على خلل استراتيجي، لكونه يعالج الأعراض الظاهرة دون الأسباب العميقة. إن الضربات الجوية الموجهة واستهداف قيادات الصف الأول ينجحان في تعطيل المخططات مؤقتا، لكنهما لا يمنعان إعادة إنتاج القيادات والكوادر داخل هيكل سحابي مرن وغير مركب.
يتطلب تجفيف منابع الإرهاب العمل الجاد على إغلاق المساحات الرمادية التي تتحرك فيها هذه التنظيمات، وذلك عبر معالجة التهميش الاقتصادي، وتحسين حوكمة المناطق المحررة، وضبط وتطوير الفضاء السيبراني بالتعاون مع شركات التكنولوجيا الكبرى. إن ما نشهده اليوم ليس احتضارا للتنظيمات المتطرفة، بل هو العصر الثاني للإرهاب المعولم الذي يمزج بين جغرافية الفراغ الميداني والتجنيد المفتوح في العالم الافتراضي.
